دونالد ترمب الناجي الدائم من موت يلاحقه

إطلاق نار في عشاء مراسلي البيت الأبيض

أ ف ب
أ ف ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده أثناء حديثه في مؤتمر صحفي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، بعد وقت قصير من حادثة إطلاق النار التي وقعت خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في 25 أبريل 2026

دونالد ترمب الناجي الدائم من موت يلاحقه

أدان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حادثة إطلاق النار التي وقعت خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض مساء السبت التي كان يوجد على منصتها الرئيسة. لكنه لم يكتف بالإدانة، بل حوّل الحادثة إلى حجة سياسية وأمنية لتبرير رؤيته لتشديد الإجراءات داخل البيت الأبيض، بما في ذلك مشروع قاعة احتفالات جديدة تتضمن ملجأ محصناً تحتها، وهو المشروع الذي يبدل هوية مبنى الرئاسة الأميركية ويتعرض للانتقاد كثيرا في الأشهر الماضية.

الحادثة، التي وقعت في فندق واشنطن هيلتون، بدأت عندما حاول مسلح يحمل عدة أسلحة اختراق الطوق الأمني، قبل أن يطلق عليه عناصر الخدمة السرية النار ويتم توقيفه ليظهر أنه أستاذ من كاليفورنيا ومن الذين دعموا حملة الديمقراطية كامالا هاريس الانتخابية. ورغم أن ترمب لم يكن في خطر مباشر، إذ تم إيقاف المهاجم في بهو الفندق قبل وصوله إلى نقاط التفتيش، فإن الفوضى التي أعقبت ذلك كانت كفيلة بإنهاء واحدة من أبرز المناسبات الإعلامية والسياسية في واشنطن.

أ ف ب
وصل فريق تكتيكي تابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في مركبات مدرعة إلى منزل مرتبط بالمشتبه به في إطلاق النار خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في تورانس، كاليفورنيا، في 25 أبريل 2026

دوت الطلقات قرابة الساعة 8:30 مساء، والجميع أحس بها وأداروا وجوههم يبحثون عن مصدر الصوت، إلا دونالد ترمب فلم ينتبه لشيء مما يحصل، حتى إن نائب الرئيس جيه دي فانس فر من المكان قبل أن يتحرك ترمب بنحو عشر ثوان، لتتحول القاعة خلال لحظات إلى مشهد من ذعر مسيطر. اختبأ الحضور تحت الطاولات، بينما انتشر عناصر الخدمة السرية بأسلحتهم داخل القاعة. وتم إجلاء ترمب على عجل، إلى جانب السيدة الأولى ميلانيا ترمب ووزيري الحرب والخارجية بيت هيغسيث وماركو روبيو، ورئيس مجلس النواب، وعدد من كبار المسؤولين.

رغم الفوضى، أبدى ترمب رغبته في استئناف العشاء، بل وكتب على منصة "Truth Social" أنه يفضل "استمرار الحفل"

نواب في الكونغرس حضروا العشاء، وصفوا اللحظات الأولى بأنها "فوضى كاملة"، فيما قالت النائبة نانيت باراغان إن ما حدث "جنون"، معتبرة أن احتفالاً بهذا الحجم كان يفترض أن يكون محاطاً بأعلى مستويات الحماية. وأبرز رسائل التضامن مع ترمب جاءت من الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، "الشيوعية" السابقة ديلسي رودريغز، التي وبعد تهنئتها ترمب بالنجاة قالت عبر صفحتها على موقع "إكس": "لن يكون العنف خيارا أبدا بالنسبة لنا نحن الذين ندافع عن رايات السلام".

تبرير تشديد الأمن

في مؤتمر صحافي لاحق، لم يخف ترمب انتقاده لموقع إقامة الحفل وهو الأكبر في واشنطن حيث يتسع لأكثر من 3 آلاف شخص، قائلاً إن الفندق "ليس آمناً بشكل خاص"، مضيفاً أن ما حدث يثبت ضرورة تعزيز البنية الأمنية للبيت الأبيض، قائلاً: "لم أكن أريد قول ذلك، لكن هذا هو السبب في أننا بحاجة إلى جميع عناصر الأمن التي نخطط لها في البيت الأبيض". وربط الحادثة بمحاولات سابقة لاغتياله، مؤكداً أن الولايات المتحدة بحاجة إلى "مستويات أمن لم يشهدها أحد من قبل". وتتضمن خطط ترمب لقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض إنشاء ملجأ آمن تحت الموقع الذي كان يُعرف سابقاً بالجناح الشرقي.

وتعكس تصريحات ترمب بعد إطلاق النار محاولته تحويلها من مجرد خرق أمني إلى عنصر ضمن حملة أوسع يعتمدها، تقوم على إبراز نفسه كهدف دائم لتهديدات متعددة، من مسلحين منفردين إلى مخططات دولية تعمل على إلغاء دوره.

أ ف ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل كرسيًا لمراسلة شبكة "سي بي إس نيوز"، ويجيا جيانغ، خلال حضورهما حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في فندق واشنطن هيلتون بالعاصمة واشنطن، في 25 أبريل 2026

ولكن للحقيقة، فإن الحادثة الأخيرة في عشاء مراسلي البيت الأبيض لن تكون معزولة عن غيرها، ويمكن اعتبارها من ضمن سجل طويل من التهديدات التي واجهها ترمب منذ حملته الانتخابية. فقد نجا من محاولتي اغتيال بارزتين خلال 2024، إحداهما في باتلر، بنسلفانيا عندما أصيب في أذنه وهي تعتبر من أصعب المواقف التي مر بها، وكذلك من محاولة أخرى في فلوريدا أثناء وجوده في ملعب الغولف.

كما كشفت التحقيقات في السنوات الماضية عن مخططات أخرى تستهدف ترمب، من بينها محاولة مدعومة من "الحرس الثوري الإيراني"، إضافة إلى تهديدات فردية متكررة وإخفاقات أمنية أثارت انتقادات لجهاز الخدمة السرية.

"نجاة" وسائل إعلام

رغم الفوضى، أبدى ترمب رغبته في استئناف العشاء، بل وكتب على منصة "Truth Social" أنه يفضل "استمرار الحفل". كما تحدثت مصادر عن نيته العودة إلى المنصة لإلقاء كلمته التي كان ينوي فيها مهاجمة وسائل إعلام يعتبرها منحازة ضده، فيما اعتبر بعضهم أن الرصاصات أتت كـ"نجاة" للإعلاميين من سخرية ترمب وتهجماته.

تداعيات الحادثة يبدو أنها لن تقتصر على إلغاء مناسبة سنوية تعتبر شبيهة بـ"خطاب حالة الاتحاد"، بل تفتح الباب أمام ترمب ليزيد من مظلوميته

مقابل محاولة ترمب العودة، حسمت القرار أجهزة إنفاذ القانون، وأخلت المبنى بالكامل، قبل أن تُعلن رئيسة "جمعية مراسلي البيت الأبيض" ويغيا جيانغ إلغاء الحدث رسميا.

وأكد ترمب لاحقاً ضرورة إعادة جدولة العشاء خلال 30 يوماً، وهو ما يعكس رغبته في عدم منح الحادثة بعداً من شأنه تعطيل حضوره في الحياة السياسية أو الإعلامية المباشرة. لكنه أقر في الوقت ذاته بأن نبرته المستقبلية قد تختلف، قائلاً إنه لا يعرف إن كان سيكون "قاسياً كما كان ينوي" تجاه وسائل الإعلام.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية العسكرية خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأمريكية، 25 أبريل 2026

تداعيات الحادثة يبدو أنها لن تقتصر على إلغاء مناسبة سنوية تعتبر شبيهة بـ"خطاب حالة الاتحاد"، بل تفتح الباب أمام ترمب ليزيد من مظلوميته، وكذلك ستؤدي لمراجعة أوسع لبروتوكولات الأمن في الفعاليات الكبرى، وتعيد طرح سؤال لا يتم تداوله إلا في حالات تشبه الوضع الحالي: إلى أي مدى يمكن لرئيس مثل ترمب يعيش في قلب استقطاب سياسي وأمني أن يبقى في الحكم بلا استهداف ولا محاولات لإزاحته.

font change

مقالات ذات صلة