عبد الجبار الملي لـ"المجلة": الواقعية تقربك من العالم والتجريد يقربك من نفسك

تحويل الحزن إلى بناء تشكيلي

عبد الجبار الملي لـ"المجلة": الواقعية تقربك من العالم والتجريد يقربك من نفسك

ذهب الفنان العراقي عبد الجبار الملي إلى ما وراء الشكل الواقعي المدهش ليستخلص منه عوالم التجريد الذي شكل بصمة مسيرته الفنية التي بدأت مبكرا، ليصقلها في فترة السبعينات من القرن الماضي بالدراسة في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وعبر عقود من الزمن أقام عددا من المعارض الشخصية وشارك في الكثير من المعارض الجماعية داخل العراق وخارجه، كما عمل على تصميم غلف كتب الكثير من الكتاب والشعراء العراقيين. هنا حوار معه.

متى ظهرت موهبتك الفنية، وكيف عملت على تطويرها؟

بدأت عندما كنت طفلا في محلة شعبية في زقاق لبيوت قديمة متداخلة بعضها مع بعض، تفوح منها رائحة الطيبة والدفء وتطوف لدى أهلها أحلام وصور ومخيلة لعالم يشبه حكايات الأساطير. من هنا تبدأ حكاية مسيرتي الفنية المحملة عبق الإبحار في عالم الفن والموهبة وكيفية ترجمة ما يجول في مخيلتي عبر سنوات الطفولة الملأى بالأحلام والبحث عن معنى، حتى ترسخت لدي وسائل بحث للوصول من خلال بيئتي الشعبية وأهلها الطيبين وقراءاتي واطلاعي على كل ما له علاقة بالفن وممارسة هوايتي للرسم والثقافة الفنية التي كانت تشكل لدي الخلاص للوصول.

هناك بدأت محاولاتي المستمرة لفهم العالم عبر اختزاله بصريا، وبدأت رحلتي في الاشتغال على الواقعية بوصفها وسيلة لاكتشاف الشكل قبل أن أتجه تدريجيا نحو التجريد باعتباره فضاء أوسع للتعبير عن الفكرة والمعنى.

وقد وظفت هذه الخلاصات في مسيرتي الفنية في ما بعد عند عملي الإعلامي كرسام في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في السبعينات من القرن الماضي، وكرسام صحافي في مجلة "فنون" الملغاة، وبعض الصحف المحلية. في العموم، أسهم ذلك كله في مجمل التحولات التي أعادت تشكيل رؤيتي مع اللوحة كحقل مفتوح للتجريب والتأهل.

من المرئي إلى الجوهر

لماذا اخترت في تنفيذ أعمالك أسلوب التجريد رغم أنك تمرست بالواقعية في مرحلة البدايات؟

التوجه نحو التجريد هو خطوة طبيعية تشير إلى حالة نضج في مساري الفني، فالواقعية هي بداية التعلم التي تشبه القواعد وأصولها من حيث الضوء والنسب والتشريح والمنظور، وهذا هو المرئي لدى الفنان. فبعد الاتقان ينبغي مغادرة المرئي والبحث عن الحرية من خلال التجديد.

مع الوقت يتحول الشكل من كونه وصفا مباشرا إلى إشارة مكثفة تحمل دلالاتها دون الحاجة إلى التفصيل

عملت على عدم نقل الواقع كما هو، وأعدت بناءه وتفكيكه وصوغه وفق رؤية تعتمد على الاختزال والتركيز. هذا التحول لم يكن مجرد خيار أسلوبي، بل نتيجة وعي متكامل. كانت تجربتي تتأثر بشكل عميق بالبيئة التي أنتمي إليها، فقد ظل المكان والذاكرة حاضرين في أعمالي بشكل مباشر أو غير مباشر.

قادني تحرري من سلطة المرئي والوصول إلى الجوهر وإعادة تركيبه وفق رؤيتي لاختيار التجريد، فهو اختزال الواقع والتعبير عنه بإيقاع لوني لترجمة المشاعر والأحاسيس بصريا وتحقيق معايير فكرية وفلسفية. قد تقربك الواقعية من العالم، لكن التجريد يقربك من نفسك، ومع الوقت يصبح لكل فنان بصمته التي لا تقاس بمدى دقة التشابه بل بمدى صدق التعبير.

ذكرت ذات مرة أنك تعمل على اختزال الأشكال لتحقيق معايير فكرية وفلسفية، فكيف تحقق هذه المعادلة؟

في تجربتي لم يكن الاختزال هدفه التبسيط بقدر ما هو سعي للوصول إلى جوهر الشكل. أنا انطلق من قراءة عميقة للعناصر البصرية، وأحاول فهم ما الذي يمنح الشكل هويته، ثم أبدأ بالتخلي عن التفاصيل التي أراها غير ضرورية، هذه العملية ليست حذفا عشوائيا، بل هي نوع من التناسق، كأنك تزيل الضجيج لتصغي إلى الفكرة بشكل أوضح. مع الوقت يتحول الشكل من كونه وصفا مباشرا إلى إشارة مكثفة تحمل دلالاتها دون الحاجة إلى التفصيل. هنا يصبح الخط واللون وحتى الفراغ عناصر فاعلة في بناء المعنى وليست مجرد أدوات تشكيلية. ومن خلال التكرار والتجربة أصل الى لحظة أشعر فيها أن العمل بات يقول ما يريده بأقل قدر ممكن من الوسائط. الاختزال في هذا المعنى هو انتقال من رؤية بصرية مباشرة إلى تأمل فكري حيث يصبح الشكل وسيلة للتفكير لا مجرد تمثيل للواقع. 

لوحة للفنان للعراقي عبد الجبار الملي

ما أهمية دراستك في معهد الفنون الجميلة بفترة السبعينات من القرن الماضي، حيث كان يدرس فيه عدد من الفنانين العراقيين الرواد؟

كانت الدراسة مرحلة مفصلية في تاريخ الفن العربي عموما والعراقي خصوصا، وذلك لأسباب عميقة تتجاوز مجرد التعليم الأكاديمي. كنا في تلك الفترة نتلقى تعليمنا مباشرة على يد فنانين كبار وهؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذة، بل كانوا مؤسسين لرؤية فنية وهوية بصرية عراقية، وهذا خلق انتقالا حيا للخبرة.

من أعمال الملي

فسنوات السبعينات شهدت بحثا جادا عن الخصوصية، وقد علمنا أستاذتنا ألا نقلد المدراس الغربية بل أن نعيد صوغها مع البيئة والتراث من خلال ظهور جماعات فنية ربطت بين الحداثة والجذور الحضارية. فأهمية الدراسة في السبعينات تكمن في أنها لم تكن فقط تعليم مهارة بل لتشكيل وعي فني كامل.

منعطفات فنية

ما أبرز المنعطفات التي ساهمت في تجديد رؤيتك الفنية؟

لقد منحتني خبرتي الطويلة في العمل الفني قدرة أعمق على فهم جوهر العملية الإبداعية، فلم يعد العمل مجرد تنفيذ بصري، بل أصبح بحثا مستمرا عن المعنى واكتشافا للعلاقة بين الشكل والإحساس. مع مرور الوقت تراجعت لدي الرغبة في الإبهار التقني لصالح بناء لغة بصرية أكثر صدقا واختزالا.

صرت أقرأ النص أو أجزاء منه بعناية وأبحث عن النبرة أكثر من الحدث، فهذه التجربة تتجاوز الجانب البصري إلى ما يشبه الحوار الصامت والناطق معا

ويمكن تلخيص المنعطفات الأساس في مراحل عدة، هي أولا: الانتقال من الواقعية إلى التجريد، إذ أني لم أعد معنيا بمحاكاة الواقع بل أصبحت أبحث في جوهره.  

وثانيا: الوعي باللون كقيمة شعورية، لذلك لم يكن اللون عنصرا تكميليا، بل أصبح حاملا للانفعال. لذلك بدأت اشتغالاتي على الغنائية اللونية بدل البناء الهندسي الصارم، وتخليت عن الصرامة التشكيلية وابتعدت عن الخطوط الحادة والتكوينات المغلقة. وكنتيجة للتجربة الحياتية وتأثيرها وعلاقتها بالزمن، أصبحت الذاكرة والمدينة والتحولات النفسية عناصر خفية تقود العمل بدلا من الاعتماد على موضوعات مباشرة. المرحلة الأخرى هي مرحلة الخطأ والتجريب.

عمل لعبد الجبار الملي

وفي المحصلة انتقلت تجربتي الفنية من رؤية ما أراه إلى رؤية ما أشعره، ومن بناء الشكل إلى بناء الإحساس.

هلا حدثتنا عن تجربتك في تصميم غلف كتب عدد من الأدباء العراقيين؟

في بداياتي كنت أتعامل مع الغلاف بوصفه لوحة مستقلة، لكن مع الزمن أدركت أن الغلاف هو عتبة الدخول الى العالم السردي أو الشعري.

لذلك صرت أقرأ النص أو أجزاء منه بعناية وأبحث عن النبرة أكثر من الحدث، فهذه التجربة تتجاوز الجانب البصري إلى ما يشبه الحوار الصامت والناطق معا. لم تكن المسألة مجرد تصميم للغلاف، بل محاولة لإيجاد معادل بصري لروح النص.

ورغم ما حققته هذه التجربة من فهمي للعلاقة بين الأدب والفن البصري، فقد جعلتني أكثر حساسية تجاه إغناء تجربتي واحتوائها فنيا.  

الطاقة الكامنة للإبداع

لديك هاجس بأن الزمن لا يكفي، ما الذي تقوم به تحت وطأة هذه الفكرة؟

رغم إحساسي بأن الزمن قصير ولا يكفي، لأن هناك الكثير مما لم ينجز ولأن طاقتي وزمني محدودان، وأن هناك أفكارا ومشاريع وتجارب تجعلني إزاء هذا الإحساس متوترا لأنني قد لا أستطيع أن أنجز كل مشاريعي، وقد يحصل في تفكيري التشتت وعدم احتواء كل ما أفكر فيه.

إن خوفي الحاصل كنتيجة للفكرة، يدفعني الى أن أستعجل الزمن لحسم الهدف، رغم ذلك تبقى المشكلة بأن الزمن قصير ولا قدرة على احتواء كل شيء، ولكن يجب أن أفعل ما ينبغي فعله لأن ذلك هو طموحي.

لوحة لعبد الجبار الملي

هناك الكثيرون من الفنانين العراقيين بمن فيهم أنت يعملون تحت وطأة الحزن والانكسار، كيف حولت الحزن إلى حالة إبداعية تستحضر فيها العراق؟

الحزن في تجربتي لم يكن عبثا بقدر ما كان طاقة كامنة تحتاج لإعادة تشكيل. لم أتعامل معه كحدث مباشر بل كحالة داخلية تختزل وتقصر بصريا لتتحول إلى بناء تشكيلي يحمل أثر التجربة لا تفاصيلها. من هناء جاء توجهي نحو الاختزال والتجريد.

في ظل التهديدات الثقافية والسياسية يصبح الإبداع وسيلة لحماية اللغة والإبداع، هو لا يلغي الألم بل يعيد صوغه للتحول إلى قيمة

أما العراق فلم يحضر كصورة جاهزة أو موضوع مرسوم بل كذاكرة حية تتسل عبر العمل من خلال الخامات والإيقاع اللوني والبيئة العامة للتكوين بشكل مباشر أو غير مباشر.

دائما ما أحول الأفكار إلى نوع من الغنائية البصرية، حيث يصبح اللون والصمت والفراغ أدوات للتعبير، وكأن اللوحة مساحة لاستعادة التوازن أو ربما لمصالحة داخلية مع ما لا يمكن قوله بالكلمات.

عبد الجبار الملي

هل تعتبر أن الإبداع مقاومة في بلدان تشهد الحروب والنزاعات؟

نعم، يعتبر الإبداع شكلا من أشكال المقاومة في تلك البلدان، لكن هذه المقاومة ليست مباشرة وغالبا ما تكون عميقة وهادئة في مستوى الوعي والذاكرة، وفي هذه البلدان ومنها بلدنا العراق، يوثق الفنان وهو يرسم ليحفظ الذاكرة من التلاشي ويمنح اختزال التجربة الإنسانية إلى أرقام وأخبار عابرة، فيصبح العمل الفني هنا شهادة حية.

ففي بيئة يغلب عليها الدمار، يتحول خلق الجمال إلى جرح حاد وإلى فعل تحد، كأن الفنان يقول "رغم كل شيء لا نزال قادرين على إنتاج معنى". كذلك الأمر في ظل التهديدات الثقافية والسياسية يصبح الإبداع وسيلة لحماية اللغة والإبداع، هو لا يلغي الألم بل يعيد صوغه للتحول إلى قيمة.

إن الاشتغال تحت وطأة التحولات والظروف القاسية يجعل الفن مساحة للمقاومة، والواقع أن كل إبداع هو مقاومة، وأحيانا يتحول إلى هروب أو تكرار للصدمة دون وعي، فالفارق يكمن في الوعي.

font change