جوزيف رايت الذي أحب القمر وآمن بالضوء الذي يصنعه البشر

بين ضوء الشموع والظلال

Dylan Martinez / REUTERS)
Dylan Martinez / REUTERS)
رجل يمر قرب بورتريه السير بروك بوثبي للفنان جوزيف رايت خلال افتتاح معرض "صورة لبريطانيا" في "تيت بريتن" في لندن، 14 يونيو 2005

جوزيف رايت الذي أحب القمر وآمن بالضوء الذي يصنعه البشر

يهيمن جوزيف وليام تيرنر (1775 ــ 1851) على تاريخ الرسم في بريطانيا باعتباره الفنان الأكثر شهرة. حبن يزور المرء متحف "تيت" يسحر برسومه التي صور من خلالها البحر. اكتسب تيرنر عادات البحر في اللعب على أحواله.

فكان في أعماله هادئا وعنيفا، رقيقا وغاضبا، غامضا وواضحا في الوقت نفسه، وكانت النتيجة التي لم يحلم بها أو يخطط لها أن أعماله صارت بعد نصف قرن من وفاته نبوءة لولادة الفن التجريدي بعدما تأثر بها الانطباعي الفرنسي كلود مونيه الذي سبق له أن تتلمذ على يديه.

غير أن هناك حقيقة تاريخية يكشف عنها معرض يقام حاليا في "ناشيونال غاليري" بلندن من شأنها أن تزعزع مكانة تيرنر من جهة انفراده بالريادة. كان هناك رسام بريطاني اسمه جوزيف رايت، عاش في القرن الثامن عشر وشكلت تجربته الفنية مفصلا مهما في تاريخ الرسم ببريطانيا.

ولد رايت الذي يتبع اسمه بعبارة "من ديربي" في عام 1734 وتوفى في 1797. نشط بشكل رئيس في مسقط رأسه. كان أحد أكثر الفنانين البريطانيين أصالة وتنوعا وإتقانا في عصره وهو أول رسام إنكليزي بارز اتخذ من خارج لندن مقرا لمسيرته الفنية. في الفترة من 1751 إلى 1753، ثم مرة أخرى في الفترة من 1756 إلى 1757. تدرب على يد هدسون في لندن وبعد عودته إلى ديربي ذاع صيته كرسام بورتريه في منطقة ميدلاندز، حيث تميزت أعماله بتكوين سلس وفهم عميق للشخصيات.

رسم على ضوء الشموع وفي الوقت نفسه كان يحلم بعصر لا يكون القمر وحده مصدرا لضوء يشق الظلام

 في ستينات القرن الثامن عشر بدأ برسم مشاهد مضاءة بالشموع من أنواع مختلفة، مظهرا ولعه بتأثيرات الإضاءة غير المألوفة التي رافقته طوال مسيرته الفنية. تأثر في بعض أعماله بالرسم الهولندي، لكنه في تصويره للعالم العلمي المعاصر شق طريقا جديدة. وقد وصف السير إليس ووترهاوس أشهر أعماله، "تجربة على طائر في مضخة هواء"، وهي من ممتلكات المعرض الوطني بلندن، بأنها "إحدى روائع الفن البريطاني الأصيلة". أكسبته تلك اللوحة شهرة واسعة. وفي عام 1772 وصفه جيمس نورثكوت بأنه "أشهر رسام يعيش الآن على ضوء الشموع".

القمر الذي يرافقنا في السفر

لم ينطو لقب "رسام عصر التنوير" على أي نوع من المبالغة. آمن رايت بالعلم وما يخبئه للعالم من مفاجآت سارة ومدهشة سيكون من شأنها أن تخرج البشرية من عصور الخرافة والظلام. كان في الثلاثين من عمره عندما انتخب عضوا في الجمعية القمرية، وهي مجموعة من الصناعيين والفلاسفة الطبيعيين الذين كانوا يجتمعون بانتظام في برمنغهام، وحظي من خلالها بصداقة عدد من أهم دعاة التفكير العلمي وفي مقدمتهم الطبيب إيراسموس داروين، جد تشارلز داروين، صاحب نظرية التطور.

كانت تلك الجمعية تجتمع يوم الإثنين الأقرب إلى اكتمال القمر. غالبا ما يفسر اختيارهم لهذا التاريخ بأنه مرتبط بالسفر، إذ يوفر اكتمال القمر أفضل إضاءة لرحلات العودة إلى مكان الإقامة بعد اجتماعات مطولة. لكن هؤلاء الفضوليين (وجميعهم كانوا رجالا) اختاروا اسم جمعيتهم بعناية بسبب أحلامهم الفلكية. كان معظمهم أعضاء في الجمعية الملكية وهي منظمة علمية مرموقة تأسست في لندن عام 1660، مفتونين بعلم الفلك والهندسة وأحدث التطورات في الكيمياء والفيزياء. وقد عبر رايت عن إيمانه المطلق بمبادئ الجمعية القمرية بدءا من عام 1768 من خلال رسم قمر مكتمل مرئي من خلال النوافذ والأبواب المفتوحة في العديد من لوحاته بما في ذلك "تجربة على طائر في مضخة الهواء" (1768) و"ورشة الحداد" (1771) و"الكيميائي" (1771).

BEN STANSALL / AFP
مساعدة في معرض تقف إلى جانب رسم تخطيطي للوحة "تجربة على طائر في مضخة هواء" (1768) للفنان البريطاني جوزيف رايت في "تيت بريتن"، لندن، 30 مارس 2016

ما يدهش في عالم رايت، هو ذلك المزج الهادئ والمريح واالمتوازن بين الفن والعلم. لم يتخل رايت عن جماليات الفن رغم أن لوحاته كانت تبشر بإنجازات علمية معقدة على مستوى فهم معاصريه.

بينما كان رايت معروفا باعتباره رسام بورتريه في مسقط رأسه ديربي حيث عاش وعمل، إلا أن لوحاته الطموحة التي رسمها على ضوء الشموع هي التي رفعت شأنه بشكل ملحوظ في العاصمة في عام 1765، وهو العام الذي عرضت فيه أول لوحة له على ضوء الشموع بعنوان "ثلاثة أشخاص يشاهدون المصارع على ضوء الشموع"، ولاقت استحسانا كبيرا.

 Derby Museums
لوحة "فيلسوف يقدّم محاضرة على نموذج فلكي يُستعاض فيه عن الشمس بمصباح، 1766

بين كارافاجيو ورامبرانت

رسم جوزيف رايت على ضوء الشموع وفي الوقت نفسه كان يحلم بعصر لا يكون القمر وحده مصدرا لضوء يشق الظلام. أما على مستوى المرجعيات الفنية فإنه كان وفيا لتجربتي كارافاجيو (1571 ــ 1610) من نهايات عصر النهضة ورامبرانت (1606 ــ 1669) من عصر الباروك. من كارافاجيو اكتسب نزعة التمرد على المشاهد الساكنة فتميزت مشاهده بحيوية أبطالها كأنهم في حركة دائمة ومن رامبرانت تعلم طريقة التعامل مع الضوء الذي ينبعث من داخل السطح لينير أجزاء بعينها هي تلك الأجزاء التي كان قد رغب في أن ترى بوضوح أكثر من سواها. ذلك المستوى المبهر من المعالجة الأسلوبية، لم يغر رايت بالاكتفاء باستعراض مهاراته في التصوير. كان هدفه من الرسم يقع في مكان آخر.

Daniel LEAL / AFP
موظف في قاعة تعرض تفسيرا لعمل "فيزوف في حالة ثوران" لجوزيف رايت خلال عرض صحافي في "فراملس" في لندن، 28 سبتمبر 2022

وإذا كان رايت برع في بداياته في رسم الصور الشخصية ومنها صوره الشخصية، فإنه بعد دراسته في لندن واستقراره في ديربي سرعان ما صار يستلهم موضوعات، كشف من خلالها عن شغفه بالمعرفة العلمية التي عملت الجمعية القمرية على التبشير بنتائجها التي كانت لا تزال في حاضنتها التجريبية. لقد غير الانفتاح العلمي على النظام الكوني طريقة نظر رايت إلى الإنسان باعتباره الكائن الأكثر ضآلة أمام عظمة الكون. أدرك رايت بسبب إطلاعه على الاكتشافات والاختراعات العلمية، أن خبرته الكلاسيكية في الرسم لن تنفع في شيء إذا لم يضعها في المكان الذي يحدد من خلاله موقفه المنحاز إلى عصره، وهو عصر قطيعة مع الماضي بكل ما انطوى عليه من خرافات وحكايات جردت الإنسان من قوته، باعتباره الطرف الأكثر قدرة على تجريد الأشياء من معانيها الجاهزة.

انحاز إلى العلم إيمانا منه بأن الحياة ستتغير وأنها ستكون في حاجة إلى رسوم توثق مرحلة تحررها من الخرافة

كانت رسوم رايت من وجهة نظر معاصريه من المهتمين بالأساليب التقليدية، نوعا من الهرطقة. لذلك لم يكن في الإمكان النظر إليها انطلاقا مما كان رسامها قد شغف به من تجارب وأفكار علمية ستكون أساسا لقيام حضارة إنسانية جديدة تحرر الإنسان الأوروبي من هيمنة الغيبيات.

حين يكون الفنان صانعا لعصره

ما الذي تعنيه إقامة معرض استعادي لجوزيف رايت من ديربي في "ناشيونال غاليري"؟ كان عدد من أعماله متاحا للنظر المجاني في المتحف المذكور، وغي الأخص رائعته "تجربة على طائر في مضخة هواء". ذلك المعرض الإستعادي لا ينطوي على رغبة في التذكير بأهمية واحد من أهم الرسامين الذين حرمتهم شهرة تيرنر من التمتع بالمكانة التي يستحقونها، بقدر ما هو محاولة للفت الأنظار إلى الدور الذي لعبه الفن في إشاعة المفاهيم العلمية.

 ذلك جانب وظيفي غالبا ما لا يعتد به نقاد الفن المهتمون بالجماليات. في أوقات سابقة، حين كنت أقف أمام لوحات رايت في "ناشيونال غاليري"، لم أكن أفكر إلا في جماليات فنه، غير أنني في هذا المعرض صرت أفكر في رايت باعتباره رائدا في مجال تحرير الفن من وظيفته الملحقة بالمجتمع القديم. 

Wikimedia Commons
"ورشة الحداد"

جدد جوزيف رايت من ديربي المفاهيم الفنية في عصره وفي مقدمتها مفهوم وظيفة الفن في زمن كان العلم فيه قد بدأ للتمهيد لقطيعة مع الماضي. كان من الممكن أن يكون رساما كلاسيكيا مجيدا في عصره، غير أنه اختار ألا يكون كذلك من خلال انحيازه إلى العلم إيمانا منه بأن الحياة ستتغير وبأنها ستكون في حاجة إلى رسوم توثق مرحلة تحررها من الخرافة. لذلك يمكن القول إن رايت لم يكن شاهدا لعصره بل كان واحدا من أهم صانعيه.  

font change