حين اخترعت تقنية التصوير الفوتوغرافي أضطر الرسامون إلى تغيير طريقة وأسلوب تعاملهم مع الطبيعة. كان ذلك تحولا عظيما في تاريخ الرسم من شأنه الدفع في اتجاه الحداثة، لا لأن ذلك الفن صار منافسا بارعا بدقته في التقاط تفاصيل المشهد المرئي فحسب، بل أيضا بناء على إستجابة غامضة تحرر الرسم من خلالها من أعباء الخضوع للمشاهد المرئية بطريقة آلية والامتثال لشروطها المباشرة.
حين فتحت المدرسة الانطباعية في النصف الثاني من القرن التاسع العشر الباب على مهارات ومواهب تتمتع بها العين البشرية، كانت تلك بداية لإرساء قواعد جديدة لتفعيل العلاقة بين ما يرى بشكل مباشر من الأشياء باعتباره جزءا من الواقع المعيش وما لا يرى منها كونه الحقيقة التي هي مصدر إلهام بصري سيكون أشبه باللغز.
يعيدنا الفنان الإيرلندي كيرين مورفي (1978) في ثاني معارضه في قاعة "غريم" بلندن وهي قاعة هولندية الأصل، ويحمل عنوان "في غيبوبة جوفاء"، إلى السؤال الذي ظل صامدا وصادما في غموضه: ما الذي لا تراه عدسة الكاميرا وتراه العين بحيث تتفوق العين في سباق، سبق للفن الحديث أن تحرر من واجب المشاركة فيه؟ ذلك لأن الحداثة الفنية التي بدأت مع تجربة الرسام الفرنسي بول سيزان (1839ــ 1906) محت وبشكل متشدد مسؤولية الفنان عن الشكل الذي يظهر الواقع من خلاله في أعين الناس العاديين.
هناك حكاية شهيرة تروى عن بابلو بيكاسو حين رسم حبة قمح فحاولت دجاجة أن تلتقطها فقال له أحدهم "لم لا ترسم بهذا الأسلوب؟"، فقال له بيكاسو "ولكني لا أرسم للدجاج". تلك حكاية تلخص مغزى التحول إلى الحداثة الفنية.



