كنت في طريقي إلى مبنى المزاد البريطاني الشهير "كريستيز" بلندن حين رأيت وراء إحدى الواجهات الزجاجية لوحات أثارت انتباهي بهدوء عالمها ورزانته وأناقة محتوياته وإيحائها الشعري. ذلك عالم يكشف عن اكتفائه بعزلته، عزلة الكائن الذي يعلن سعادته بالعيش وحيدا. ولكن ما الذي يرسمه الإنسان الوحيد؟ ذلك ما يجيب عنه الرسام الألماني ماتياس فيشر في معرضه الذي تقيمه "غريم غاليري" بعنوان "خارج الهدف".
لوحات فيشر توحي بقدمها كأنها خارجة من عالم في طريقه الى الاندثار. هل حدث ذلك برغبة الإيحاء بعتق اللوحة أم بسبب قدم المكان المصور؟ علينا أن نقرأ أفكاره أولا. فيشر رسام مشاهد رهيفة غير أنه في الوقت رسام أفكار معذبة. ولكنها أفكار لا يعبر عنها الكلمات. يمكن الصورة الخبيرة أن تسربها بيسر إلى العقول من بعد العيون. يضع فيشر الاشياء القليلة في مكانها كأنها مأثورات خالدة، ليخبرنا أنه وجدها أو عاش معها ومن خلالها. وعلى الرغم من أن كل شيء في لوحاته يبدو ذا طابع شخصي، فإنه يدعونا إلى النظر بموضوعية.
لدى الرسام ما يقوله عن عالمه الشخصي، غير أنه أثناء عملية الرسم يكون الشخص الآخر الذي يصور عالما لا ينتمي إليه. لذلك يجرد الأشياء المرسومة من طابعها الشخصي. حين رسم فنسنت فان غوغ غرفته كان واضحا أنه يقول "هذه غرفتي"، أما فيشر فيجرد غرفته من طابعها الشخصي. تلك واحدة من أهم أفكاره التي أراد من خلالها أن يفاجئ العالم الواقعي بواقعيته التي تتميز برخائها الداخلي الذي يكشف عن شعرية لا يمكن العثور عليها في الواقع. عالم فيشر مترف على الرغم من قلة مفرداته.
حياة تمر بالشعر
تذكر لوحات ماتياس فيشر بكتاب الفيلسوف غاستون باشالار، "جماليات المكان"، الذي ترجمه الروائي غالب هلسا ونشره في بغداد قبل حوالى أربعين سنة، ذلك الكتاب الملهم الذي لم يستفد منه الرسامون العرب. يشعر المشاهد أن فيشر وقبله معلمه ديفيد هوكني قد قرأا كتاب باشلار بعمق على الرغم من أن رسم المكان هو تقليد راسخ في الثقافة الأوروبية منذ أكثر من أربعمئة سنة.




