أسعار تذاكر السفر تدخل حقبة التضخم الجيوسياسي

صدمة هرمز ونقص الوقود وتأخر تسليم الطائرات الجديدة تعيد تسعير الطيران حول العالم

سارة بادوفان
سارة بادوفان

أسعار تذاكر السفر تدخل حقبة التضخم الجيوسياسي

لم يعد ارتفاع أسعار تذاكر الطيران ظاهرة يمكن تفسيرها بتقلبات الطلب الموسمية أو بانتعاش السفر بعد الركود الذي جاءت به جائحة "كوفيد-19". ما يحدث منذ أواخر فبراير/شباط 2026، وما حدث خصوصا في مارس/آذار، أعمق من ذلك، إذ تشهد طريقة تسعير الرحلات تحوّلا بنيويا. فلم يعد العامل الحاسم في ثمن التذكرة هو المسافة أو الموسم، بل غدا موقع كل رحلة في شبكة عالمية مضطربة. في الخلفية، تطل برأسها حرب إيران وتداعياتها. إنها مرحلة تنطوي على انتقال من "التضخم التقليدي" في الأسعار إلى ما يمكن تسميته "التضخم الجغرافي السياسي". فقد باتت الجغرافيا السياسية تحدد من يستطيع دفع أكثر من غيره لقاء شراء تذكرة، ومن يضطر إلى السفر أقل من ذي قبل.

يستند هذا التحول إلى مستويين متداخلين، هما ارتفاع طارئ للأسعار سببه إرتفاع أسعار الوقود وإغلاق الأجواء في ظل الحرب وتداعياتها، وقفزة بنيوية تعكس النقص في عديد الطائرات الجديدة وتزايد تكاليف التشغيل وانتقال شركات الطيران تدريجيا إلى اعتماد الوقود المستدام بيئيا. فقد قفزت أسعار وقود الطائرات بين 85 و90 دولارا للبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل خلال الأسابيع القليلة الماضية، في صناعة يمثل فيها الوقود ما يصل إلى ربع النفقات التشغيلية.

تؤكد الأرقام الانفصال بين الطلب والأسعار. في مارس/آذار 2026، نما الطلب العالمي على السفر الجوي بنحو 2.1 في المئة فقط، إذ ازداد إلى نحو ثمانية في المئة لدى الشركات العاملة خارج الشرق الأوسط، بينما انخفض في المنطقة بنسبة 60.8 في المئة، مع تراجع السعة بنحو 56.9 في المئة نتيجة إغلاق الأجواء واضطرابات المواعيد.

وقال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) ويلي والش: "يراقب الجميع ما يجري في سوق وقود الطائرات من حيث الإمدادات والأسعار. وعلى صعيد الإمدادات، قد نشهد خلال الأشهر المقبلة نقصا في بعض مناطق العالم التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات القادمة من منطقة الخليج، ولا سيما في آسيا وأوروبا . كما أن الارتفاع الحاد في تكلفة وقود الطائرات ينعكس بشكل متزايد على أسعار التذاكر. وعلى الرغم من أن ذلك لم يؤثر حتى الآن على حركة السفر في شهر مارس/آذار أو على الحجوزات المستقبلية، فإنه لا يزال من غير الواضح عند أي مستوى من الأسعار قد يبدأ المسافرون بتغيير سلوكهم."

حركة الطيران بين أوروبا والشرق الأوسط بقيت منخفضة بنحو 50 في المئة على أساس سنوي حتى أواخر أبريل، وتحولات في التوزيع الجغرافي للسفر

وتابع والش: "تشير التوقعات إلى أن موسم الصيف سيحقق مستويات النشاط المعتادة، إلا أن مرونة شركات الطيران لا تزال قيد الاختبار. وتبرز في هذا السياق أهمية استقرار إمدادات وأسعار الوقود. وفي الوقت ذاته، من المهم أن تستعد الجهات التنظيمية لمنح شركات الطيران بعض المرونة بالنسبة لمواعيد الإقلاع والهبوط، نظرا للظروف الاستثنائية المتعلقة بالقيود على سعة المجال الجوي واحتمالات تقنين الوقود".

وتُظهِر البيانات أن حركة الطيران بين أوروبا والشرق الأوسط بقيت منخفضة بنحو 50 في المئة على أساس سنوي حتى أواخر أبريل/نيسان، مما يشير إلى أن الصدمة لم تكن عابرة، بل هي ممتدة، إذ إن المشكلة ليست ضعفا في الطلب العالمي، بل نتيجة اختناق إقليمي يعيد تسعير الشبكة الجوية بأكملها.

محور آسيا-أوروبا والرحلات الجوية الطويلة

أوضح مثل على ذلك يظهر في محور آسيا-أوروبا، الذي تحوّل إلى مركز الزلزال. هذا المسار، الذي يعتمد تاريخيا على محاور الخليج كنقاط عبور، فقد جزءا كبيرا من سعته مع تراجع حركة الترانزيت. لم تتبلور النتيجة إلى ارتفاع تدريجي، بل إلى قفزات حادة، فوصلت الزيادات إلى نحو 560 في المئة على بعض المسارات الكبرى خلال مارس/آذار، فيما ارتفعت أسعار الرحلات المقررة في يونيو/حزيران بنحو 70 في المئة على أساس سنوي. وتجاوزت أثمان الرحلات الطويلة مثل سيدني-لندن 1,500 دولار، أي ما يقارب ضعف مستوياتها قبل سنة.

رويترز
شاشة تعرض رحلات الطيران التي ألغيت، في مطار أولاندو، فلوريدا، 2 مايو 2026

وفي حالات فردية أكثر تعبيرا عن الأزمة، أفادت وكالة "رويترز" بأن مسافرة دفعت نحو 1,900 جنيه إسترليني (2,380 دولارا تقريبا) لقاء تذكرة في اتجاه واحد بين المملكة المتحدة وأوستراليا عبر سنغافورة، مقارنة بالسعر السابق للرحلة ذهابا وإيابا الذي كان يبلغ نحو 2,300 دولار أوسترالي (1,520 دولارا أميركيا).

لحظة "اختفاء للمقاعد"

كذلك وصلت أسعار الرحلات الجوية بين هونغ كونغ ولندن إلى أكثر من 21,000 دولار من دولارات هونغ كونغ (2,700 دولار أميركي) قبل أن تتراجع لاحقا إلى نحو 5,000 دولار من دولارات هونغ كونغ (638 دولارا أميركيا). وسجل خط بانكوك-لندن مستويات قاربت 71 ألف بات (ألفا دولار أميركي) قبل أن تنخفض لاحقا. هذه الأرقام لا تعكس تضخما عاديا، بل لحظة "اختفاء للمقاعد"، إذ تتحوّل الرحلات المتاحة إلى سلعة نادرة.

وفي الوقت نفسه، بدأت خريطة الحركة العالمية تعيد ترتيب نفسها. وارتفعت حركة السفر بين أوروبا وآسيا بنحو 29.3 في المئة لدى شركات الطيران الأوروبية والآسيوية، مع انتقال جزء من المسافرين إلى الرحلات المباشرة أو البدائل التي لا تمر عبر الشرق الأوسط. وهذا يؤكد أن الأزمة لا تقلص السفر الجوي بقدر ما تعيد توزيعه جغرافيا، مع ما يحمله ذلك من فروق سعرية حادة.

أصبحت رحلات الخليج إلى أوروبا وأميركا الشمالية أكثر تكلفة وتعقيدا، بفعل مسارات أطول وإعادة برمجة الجداول، ما يرفع استهلاك الوقود وساعات الطيران، ويصعب على الشركات خفض أسعارها بسهولة

 أما في مسارات الخليج-الهند، فتبدو الصورة مختلفة إنما ذات صلة. فالرحلات على هذا المسار، التي تُعَد شريانا بشريا واقتصاديا بين الخليج وجنوب آسيا، ارتفعت تكاليفها بنسب تتراوح بين 30 و35 في المئة فوق المعدلات الطبيعية، على الرغم من أن الفترة ليست ذروة موسمية. بعض الرحلات مثل الهند-الإمارات وصلت إلى نحو 4,114 درهما (1,120  دولارا) ذهابا وإيابا. هنا يتداخل الطلب المرتفع من الجاليات مع محدودية المقاعد، لكن العامل الحاسم هو انتقال الضغط إلى هذه المسارات من مسارات أخرى: حين تختنق خطوط معينة، ينتقل الطلب إلى بدائلها، فتشتعل أسعارها بدورها.

أما الرحلات من الخليج إلى أوروبا وأميركا الشمالية، فدخلت مرحلة أكثر تعقيدا. لم تشهد هذه المسارات دائما القفزات السعرية الأكثر حدة، لكنها أصبحت أكثر تكلفة لأسباب هيكلية، أهمها المسارات الأطول الناتجة من تجنب بعض الأجواء أو المرور عبر ممرات محدودة، مما يعني استهلاكا أعلى للوقود، وزيادة في ساعات الطيران، وتعقيدا في برمجة جداول الرحلات الجوية. هنا لا تقفز الأسعار فقط، بل يرتفع أيضا حدها الأدنى الذي لا يمكن الشركات خفضه بسهولة.

مسارات الشرق الأوسط

داخل الشرق الأوسط نفسه، تتخذ الظاهرة شكلا مختلفا. لا يعاني بعض المسارات من زيادة الطلب بقدر ما يواجه تحدي انحسار العرض. ويؤدي تعليق رحلات أو تقليصها من قبل شركات دولية إلى مدن مثل بيروت أو تل أبيب أو بعض مدن الخليج إلى انخفاض حاد في عدد المقاعد. في هذه الحالات، لا ترتفع الأسعار تدريجيا، بل تقفز بسرعة نتيجة الندرة، في نمط يمكن وصفه بـ"تسعير الأزمة".

رويترز
مسافر يجر أمتعته في مطار بورتوريكو الدولي، كندا، 2 مايو 2026

وراء هذه التحولات ثمة أربعة عوامل رئيسة. أولها صدمة الوقود، التي رفعت تكلفة التشغيل بشكل مباشر. ثانيها الجغرافيا السياسية، التي أعادت رسم مسارات الطيران وفرضت طرقا أطول وأكثر تكلفة. ثالثها نقص الطائرات، نتيجة تأخر تسليم الطائرات الجديدة، ولا سيما من "بوينغ" و"إيرباص"، مما حدّ من قدرة الشركات على زيادة السعة.

ويقول مصدر في قطاع الطيران لـ"المجلة" إن تقديرات تفيد بأن اختناقات سلاسل الإمداد كلفت شركات الطيران أكثر من 11 مليار دولار في عام 2025 وحده، عبر تأخير وفور الوقود التي يُفترَض أن تحققها الطائرات الجديدة، وزيادة تكاليف الصيانة والتأجير المرتبطة بالطائرات الأقدم. أما العامل الرابع فهو أنظمة التسعير الديناميكي، التي تضخّم أي صدمة عبر رفع الأسعار تلقائيا عند تقلص عدد المقاعد أو ارتفاع الطلب.

الطلب العالمي على الشحن الجوي تراجع بنحو 4.8 في المئة في مارس 2026، مما يشكل ضغوطا إضافية على شركات الطيران التي تعتمد على إيرادات الشحن إلى جانب الركاب

لكن هذه الصورة لا تعرض المشهد في شكل كامل. تبدأ طبقة إضافية من التكلفة في التشكل، وهي مرتبطة بالتحوّل المناسب بيئيا في قطاع الطيران. ففي أوروبا، تُفرَض نسب إلزامية من وقود الطيران المستدام تبدأ بنحو 2 في المئة حاليا وترتفع تدريجيا على مدى العقود المقبلة من الزمن، بينما لا يزال هذا الوقود يشكل أقل من واحد في المئة من الاستهلاك العالمي، وبتكلفة أعلى بكثير مقارنة بالوقود التقليدي. يُرجِّح ذلك إضافة ضغوط تدريجية على الأسعار، ولاسيما في الرحلات التي تمر بالمطارات الأوروبية.

إلى جانب ذلك، تختلف قدرة شركات الطيران على امتصاص صدمة الوقود بحسب استراتيجياتها في التحوط. تستطيع بعض الشركات التي تحوطت مبكرا ضد تقلبات الأسعار تأخير تمرير التكلفة إلى المسافرين، بينما تضطر شركات أخرى إلى رفع الأسعار بسرعة. ومن نافل القول إن الإيرادات لم تعد مقتصرة على سعر التذكرة نفسه، إذ باتت الرسوم الإضافية – مثل تلك المتعلقة بالأمتعة واختيار المقاعد – تشكل جزءا متزايدا من دخل الشركات، وقد بلغت نحو 148.4 مليار دولار عالميا في عام 2024، أي أن المسافر يدفع أكثر حتى عندما يبدو السعر الأساس مستقرا.

عامل الشحن وعوامل موسمية

تتداخل هذه الديناميكيات أيضا مع سوق الشحن الجوي، التي تأثرت بدورها باضطرابات المنطقة. لقد تراجع الطلب العالمي على الشحن الجوي بنحو 4.8 في المئة في مارس/أذار 2026، وكان ذلك في معظمه نتيجة اضطرابات حادة في مراكز الخليج، إلى جانب عوامل موسمية مثل التباطؤ المعتاد الذي يلي الطلب المرتفع خلال العطلة الطويلة المرافقة لرأس السنة الصينية (صادفت في 17 فبراير/شباط هذا العام)، مما يشكل ضغوطا إضافية على شركات الطيران التي تعتمد على إيرادات الشحن إلى جانب الركاب.

رويترز
دخان يتصاعد من مطار دبي الدولي، عقب استهداف إيراني، 16 مارس 2026

وتكشف بيانات قطاعية مفارقة لافتة. فعلى الرغم من أن شركات الطيران تتجه نحو تحقيق أرباح إجمالية قد تبلغ 41 مليار دولار عام 2026، لا يتجاوز هامش الربح الصافي نحو 3.9 في المئة، أي أقل من ثمانية دولارات لكل راكب. وهكذا باتت قدرة الشركات على امتصاص الصدمات محدودة، وأن أي ارتفاع في التكلفة ينتقل سريعا إلى المستهلك.

أما المفارقة الأبرز، ففي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار على بعض المسارات إلى مستويات قياسية، تشهد تراجعات حادة على مسارات أخرى. فقد خفضت بعض شركات الطيران أسعارها بنسبة تصل إلى 50 في المئة على خطوط محددة، في محاولة لتحفيز الطلب في ظل تردد المسافرين. تكشف هذه المفارقة أن السوق لم تعد تتحرك ككتلة واحدة، بل انقسمت ثلاثة عوالم متوازية، هي مسارات تشهد ندرة حادة فتقفز أسعارها، وأخرى مستقرة نسبياً، وثالثة تعاني من ضعف في الطلب فتشهد خفوضات.

 أعلنت شركة الطيران المنخفضة التكلفة "سبيريت إيرلاينز" الأميركية في 2 مايو الجاري إفلاسها وإغلاق عملياتها بعد فشلها في الحصول على حزمة إنقاذ حكومية بقيمة 500 مليون دولار

يُستفاد من ذلك أن الطيران العالمي يتجه نحو نظام تسعير جديد، أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتوقع. وفي هذا النظام، لم تعد المسافة العامل الحاسم في تحديد السعر، بل أخطار الجغرافيا السياسية. ولم يعد الحجز المبكر يضمن سعرا منخفضا، بل مجرد رهان على استقرار غير مضمون. كذلك لم تعد الأسعار تمثّل مرآة للطلب فقط، إذ دخلت على الخط "القدرة التشغيلية المتاحة"، أي عدد الطائرات والمسارات الممكنة في عالم متغير.

إفلاس شركات طيران أميركية

كان وزر حرب "الغضب الملحمي" على إيران أثقل على بعض شركات الطيران. فقد أعلنت شركة الطيران المنخفضة التكلفة "سبيريت إيرلاينز" (Spirit Airlines) الأميركية في 2 مايو/أيار الجاري إغلاق عملياتها بعد فشلها في الحصول على حزمة إنقاذ حكومية بقيمة 500 مليون دولار. وجاء القرار على الرغم من محاولة الشركة التعافي من الإفلاس، إذ أسهم ارتفاع تكاليف الوقود في تسريع انهيارها.

وكان رئيسها التنفيذي دايف دايفيس صرح في مارس/آذار 2026: "توصلنا إلى اتفاق مع حاملي السندات في شأن خطة لإعادة الهيكلة كانت ستتيح لنا الاستمرار كشركة قائمة. لكن الارتفاع المفاجئ والمستمر في أسعار الوقود خلال الأسابيع الأخيرة لم يترك لنا في النهاية أي خيار سوى المضي في إغلاق منظم للشركة".

أ.ف.ب.
طائرات تابعة لشركة "سبيريت إيرلاينز" متوقفة على مدرج مطار فورت لودرديل-هوليوود الدولي في ولاية فلوريدابععد إعلان إفلاسها، ووقف عملياتها و بعد فشلها في تأمين تمويل إنقاذي إدارة الرئيس دونالد ترامب، 2 مايو /أيار 2026

غير أن وزير النقل الأميركي شون دافي رفض هذا التفسير، نافيا أن يكون انهيار الشركة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، التي تعود إلى حد كبير إلى الحرب مع إيران، قائلا  "إن الشركة كانت في وضع صعب للغاية قبل وقت طويل من الحرب مع إيران".

الجانب الاجتماعي من الأزمة

تطرح هذه التحوّلات سؤالا يتجاوز الاقتصاد إلى البعد الاجتماعي. لا يطاول ارتفاع الأسعار السائح فقط، بل يضغط على العمالة الوافدة، والطلاب، والمرضى، والعائلات ذات الامتدادات المنتشرة بين بلدين أو أكثر، كما يضرب قطاع السياحة في البلدان التي تعتمد على المسافرين ذوي الدخل المتوسط. ومع صعود الأسعار على مسارات رئيسية، يتحوّل السفر الجوي تدريجيا من خدمة واسعة إلى سلعة أكثر انتقائية.

وهكذا، لم تعد تذكرة الطيران مجرد تكلفة يدفعها المرء للانتقال بين نقطتين، بل أصبحت مؤشرا مركبا إلى ثلاث أزمات متداخلة: أمن الطاقة، وأمن الممرات الجوية، وتكلفة التحوّل الأخضر لدى شركات الطيران.

font change