حدود الأمن القومي... المقاربة المصرية لمفاوضات لبنان وسوريا مع إسرائيل

عمق استراتيجي

رويترز
رويترز
الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يوم انعقاد قمة قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا، قبرص، في 24 أبريل 2026

حدود الأمن القومي... المقاربة المصرية لمفاوضات لبنان وسوريا مع إسرائيل

كشفت لقاءات نيقوسيا، على هامش الاجتماع غير الرسمي الجامع بين قادة الاتحاد الأوروبي والعالم العربي في أواخر أبريل/نيسان، عن عمق الاهتمام المصري بالمسار اللبناني في هذه المرحلة الدقيقة. وقد أفصح الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديثه مع نظيره اللبناني جوزيف عون عن جملة من المخاوف المصرية المتعلقة بمسار الأوضاع في لبنان، في مقدّمتها التصعيد العسكري الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، وملف العلاقة مع "حزب الله"، إضافة إلى مآلات المساعي الأميركية الرامية إلى التوصل إلى تسوية بين بيروت وتل أبيب. ويأتي هذا الاهتمام المصري المُعلن في سياق التحولات الإقليمية المتسارعة التي تجعل من الملف اللبناني ورقة محورية في أي معادلة توازن مقبل.

وعلى هامش الجلسات، جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس السوري أحمد الشرع لقاء موجز على هامش التقاط الصورة الرسمية للمشاركين في القمة، وهو لقاء يكتسب دلالته من السياق الثنائي المعقّد بين البلدين، أكثر مما يكشفه في ظاهره.

وفي غضون أيام من انعقاد القمة، بادرت دمشق إلى استثمار ذلك التواصل، إذ أوفدت وزير خارجيتها أسعد الشيباني إلى القاهرة للقاء نظيره المصري بدر عبد العاطي، في إشارة إلى رغبة سورية واضحة في تحريك مسار العلاقة مع مصر بعد طول جمود.

وفيما لا تزال مصر من بين عدد محدود من الدول العربية الكبرى التي لم تتواصل بشكل كامل مع الحكومة السورية الجديدة، عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، فقد عكس البيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية عقب اجتماع وزيري خارجية مصر وسوريا تحولا في موقف القاهرة تجاه دمشق باتجاه برغماتية أوضح.

وفي وقت تتشكل فيه سوريا الجديدة، وتعيد صياغة تحالفاتها، وتواجه تحديات مستقبلها، ولا سيما علاقتها المتوترة مع إسرائيل، تبدو مصر مستعدة للتعامل مع الوقائع على الأرض. ومن خلال ذلك، تسعى القاهرة للإفادة من مزايا الانخراط مع النظام السوري الجديد، بدلا من تبعات الإقصاء أو الرفض أو الابتعاد، بما يعزز قدرتها على التأثير في مستقبل سوريا، التي تعد تاريخيا عنصرا أساسيا في حسابات الأمن القومي المصري.

حقل ألغام

اهتمام مصر بلبنان ليس بالأمر الجديد، إذ وقفت القاهرة إلى جانب الدولة العربية لعقود. ومع ذلك، أثارت الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل و"حزب الله" قلقا حقيقيا لدى صناع القرار في مصر، وذلك لأسباب وجيهة.

فهذه المرة، يتجاوز الرد الإسرائيلي نطاق جنوب لبنان، المعروف بأنه المعقل التقليدي لــ"حزب الله". وقد استهدفت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية مناطق عميقة داخل بيروت، ما يثير احتمالات جر كل لبنان إلى حرب مدمرة.

وفي الوقت نفسه، توغل الجيش الإسرائيلي عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان، وأقام ما يسميه "الخط الأصفر". وأثارت هذه الخطوة، المشابهة للتكتيكات المستخدمة في غزة، مخاوف لدى القاهرة من احتمال ترسيخ وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد، وربما دائم، داخل الأراضي اللبنانية.

تخشى مصر بشكل خاص أن يتحول هذا الوجود إلى حدود دائمة بحكم الأمر الواقع، بما يؤدي إلى خسارة لبنان أجزاء من أراضيه لصالح إسرائيل

وتخشى مصر بشكل خاص أن يتحول هذا الوجود إلى حدود دائمة بحكم الأمر الواقع، بما يؤدي إلى خسارة لبنان أجزاء من أراضيه لصالح إسرائيل.

ومن شأن هذه النتيجة أن تنسف المكاسب التي حققها لبنان بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006، الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، وألزم الجيش اللبناني بالانتشار في المنطقة نفسها.

ودأبت مصر لسنوات على الدعوة إلى قيام دولة لبنانية قوية قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. ولهذا السبب، طالبت القاهرة باستمرار بأن يحتكر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية السلاح، وأن يوسعا سيطرتهما على مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما الجنوب.

ويثير قلق المسؤولين المصريين حاليا احتمال أن يؤدي الضغط الدولي المكثف، خصوصا من الولايات المتحدة وإسرائيل، لنزع سلاح "حزب الله" بسرعة، إلى نتائج عكسية.

ويتمحور القلق في القاهرة حول احتمال أن يؤدي فرض هذه المسألة إلى اندلاع اشتباكات مباشرة بين الجيش اللبناني والجماعة المسلحة المدعومة من إيران، بما قد يزج لبنان في حرب أهلية جديدة، وهو حقل ألغام ينبغي للبنان تجنبه. ويفسر ذلك الدعوات المصرية المتكررة إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، من خلال توافق سياسي واسع يشمل مختلف القوى الرئيسة، بما فيها "حزب الله".

وترى القاهرة أن هذا التوافق من شأنه تعزيز دور الجيش اللبناني بطريقة تمنع الاستفزازات المستقبلية مع إسرائيل، وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي.

وفي المقابل، لم تؤكد القاهرة علنا التقارير التي تحدثت عن أنها نصحت لبنان بعدم تقديم تنازلات مجانية، مع استعداده لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ومع ذلك، إذا كانت هذه النصيحة قد قدمت بالفعل، فإنها تنبع من تجربة شاقة وطويلة في المفاوضات مع إسرائيل قبل أن تستعيد مصر كامل أراضيها.

أ.ف.ب
صورة وزعتها وزارة الخارجية المصرية في 3 مايو 2026 تُظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، في العاصمة الإدارية الجديدة القاهرة

ولا يزال الجيل الحالي من الدبلوماسيين المصريين يستحضر دروس المفاوضات المكثفة التي استمرت 16 شهرا، عقب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس في نوفمبر/تشرين الثاني 1977، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979.

الحفاظ على وحدة الأراضي

فيما يتعلق بسوريا، تبنت القاهرة موقفا حذرا تجاه القيادة الجديدة في دمشق. ويعود هذا الحذر جزئيا إلى خلافات أيديولوجية واضحة بين الإدارة المصرية الحالية والسلطات الجديدة في دمشق. ومع ذلك، يواصل الموقف المصري تجاه سقوط نظام الأسد تطوره. 

ويمكن ملاحظة أن هذا الموقف انتقل من الرفض الفوري، إلى الاعتراف المتحفظ، حين وصف وزير الخارجية المصري الحكومة الحالية في دمشق بأنها حكومة "بحكم الأمر الواقع"، ثم إلى نهج برغماتي يركز على المصالح المشتركة بدلا من نقاط الخلاف.

غير أن مبدأ واحدا بقي ثابتا طوال هذا التحول، يتمثل في الرفض المصري القاطع للانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية.

وقد أدانت القاهرة مرارا التوغلات العسكرية الإسرائيلية واحتلال أجزاء من جنوب سوريا. كما دعت مرارا إلى العودة الكاملة لاتفاقية "فك الاشتباك" لعام 1974، التي أنشأت منطقة عازلة في هضبة الجولان المحتلة.

ومع تزايد الحديث عن احتمال التوصل إلى تسوية أمنية أو اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا، يبدو أن المسؤولين المصريين يشعرون بالقلق من احتمال استعداد السلطات السورية الجديدة، للتنازل عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد، ضمن أي اتفاق مستقبلي.

وقد زاد هذا الاحتمال من يقظة القاهرة، وهو موقف يستند إلى جذور تاريخية واعتبارات تتعلق بالأمن القومي، ويرتبط ارتباطا وثيقا برؤية مصر لإدارة الصراع العربي-الإسرائيلي.

يبدو أن المسؤولين المصريين يشعرون بالقلق من احتمال استعداد السلطات السورية الجديدة للتنازل عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد، ضمن أي اتفاق مستقبلي

الأمن القومي

لا يبدو الحديث عن موقف مصر من احتمالات التسوية بين لبنان وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، حديثا في غير أوانه. فباعتبارها أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، تمثل مصر نموذجا ومرجعا مهماً يمكن للبلدين العربيين الإفادة منه أو العودة إليه إذا أرادا ذلك.

ورغم أن السلام المصري-الإسرائيلي لا يزال باردا إلى حد كبير، فإنه ما زال صامدا، مانعا تجدد المواجهات العسكرية بين البلدين.

أ.ف.ب
صورة جماعية للمجلس الأوروبي والشركاء الإقليميين كجزء من اجتماع غير رسمي في نيقوسيا في 24 أبريل 2026

ومن المهم الإشارة إلى أن القاهرة، حين تعرض خبرتها التفاوضية مع إسرائيل وكفاحها لتحرير أراضيها المحتلة، وتقدم نصائح بعدم تقديم تنازلات مجانية، لا تنظر إلى ذلك باعتباره تدخلا في شؤون الدول الأخرى، بل ترى نفسها تدافع عن أمنها القومي، انطلاقا من قناعةٍ بأن هذا الأمن لا ينفصل عن الأمن العربي الجماعي.

وترتبط رؤية مصر الأشمل لتسوية الصراع بين إسرائيل وسوريا ولبنان ارتباطا وثيقا بنظرتها التاريخية للسلام الإقليمي. ولطالما أكدت القاهرة أن السلام لا يمكن تحقيقه عبر اتفاقات ثنائية مجزأة، بل من خلال أطر جماعية شاملة تحافظ على أوراق القوة العربية، وتمنع شرعنة المكاسب الإقليمية الإسرائيلية.

ينطلق الفكر الأمني المصري من قناعة راسخة بأن سوريا ولبنان، إلى جانب الأراضي الفلسطينية، تمثّل عمقاً استراتيجياً تاريخياً لا يمكن فصله عن معادلة الاستقرار الإقليمي

وينطلق الفكر الأمني المصري من قناعة راسخة بأن سوريا ولبنان، إلى جانب الأراضي الفلسطينية، تمثّل عمقاً استراتيجياً تاريخياً لا يمكن فصله عن معادلة الاستقرار الإقليمي. ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن تماسك هذه الدول وتنسيقها يُسهم في صون التوازن القائم ويُعزز فرص الاستقرار الدائم في المنطقة.

وتفسر هذه العقيدة الاستراتيجية حدة رد الفعل المصري تجاه الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع الجيش السوري ومعسكراته ومستودعات أسلحته عقب سقوط الأسد وصعود الشرع إلى السلطة. ورأت مصر أن هذه الهجمات تهدف إلى القضاء على ما كان يعد أحد أقوى جيوش "دول المواجهة"، بما يغير ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل.

وفي وقت تتكيف فيه القاهرة مع التحولات الجارية في بيروت ودمشق، تبدو شديدة القلق إزاء أي تطورات تمنح إسرائيل مكاسب إضافية أو تضعف الجبهة العربية التقليدية.

ولهذا تخوض القاهرة لعبةً طويلة الأمد، تنخرط فيها ببرغماتية عند الضرورة، مع تمسكها الصارم بالمبادئ الأساسية المتعلقة بوحدة الأراضي والسيادة الوطنية. 

وفي عمق هذه المقاربة، تؤمن مصر بأن مصيري لبنان وسوريا لا ينفصلان عن مصيرها وأمنها القومي. غير أن الأمر ما يزال مفتوحاً، إذا ما كانت القاهرة تملك النفوذ الكافي للتأثير في المسار الذي ستتخذه بيروت ودمشق، وهما ترسمان مسارا أمنيا أو سلميا جديدا مع إسرائيل.

font change