الجمال يفشل أيضا

الجمال يفشل أيضا

استمع إلى المقال دقيقة

ثمة مسلّمة نادرا ما يجري التعامل معها بوضوح كامل، وهي أن كل منظومة بشرية قابلة للفشل، مهما بلغت درجة نجاحها أو رسوخها. فالطب الحديث- على سبيل المثال- رغم إنجازاته الهائلة، لا يزال يترك وراءه مناطق عجز وإخفاق، وكذلك التكنولوجيا والتعليم والاقتصاد، بل حتى أكثر الأنظمة البشرية تعقيدا وتنظيما لا تستطيع إلغاء إمكانية الفشل الكامنة فيها. غير أن ما يحدث غالبا هو أن وفرة النجاحات تحجب الانتباه إلى الفشل الجزئي، أو تؤدي إلى تبريره والتعايش معه، حتى يتحول إلى جزء غير مرئي من المشهد العام.

ولعل المشكلة الأعمق تكمن في تراجع القدرة على فحص الفشل والاعتراف به. فالمؤسسات الحديثة، مختلف أشكالها، تميل بطبيعتها إلى إنتاج خطاب دفاعي يحافظ على تماسكها، بما في ذلك المنظومات العالمية الكبرى، من دول ومؤسسات أممية، ولهذا يصبح النقد الحقيقي فعلا مربكا، بل ومهددا أحيانا. ومع مرور الوقت، يتحول كثير من النقاد والخبراء إلى جزء من المنظومة نفسها، فيفقد النقد استقلاله تدريجيا، ويصبح صورة من صور إدارة الفشل، عوضا عن أن يكون بمثابة الكاشف المبكر وجرس الإنذار.

ضمن هذا السياق، يبدو الفن أيضا قابلاً للفشل، رغم الهالة الرمزية التي تحيط به بوصفه أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني اتصالا بالحقيقة والجمال، وبقيم أخرى مثل العدالة والحرية. غير أن الفن، شأنه شأن أي نشاط إنساني، لا ينجو من احتمالات العجز والتكلس وفقدان المعنى. بل ربما يكون خطر فشله أكبر، لأن الفشل فيه غالبا ما يغطى بمكوناته الجمالية، أي إن العمل الفني قد ينجح شكليا، ويخفق قيميا.

ولعل هذه هي الإشكالية الأكثر التباسا في علاقتنا بالفنون، فنحن كثيرا ما نخلط بين الجمال باعتباره أثرا حسيا، وبين قيمته باعتبارها موقفا معرفيا. يكفي أحيانا أن يمتلك العمل الفني حدا معقولا من الإتقان الفني، حتى نميل إلى الاحتفاء به، متجاوزين-عن عمد- مناطق إخفاقه العميقة. ويعود ذلك إلى أن التذوق الجمالي نفسه قادر على إنتاج نوع من التسامح، إذ يمنحنا الفن لذة كافية تجعلنا أقل رغبة في مساءلته أخلاقيا.

يبدو أن الفن أيضا قابل للفشل، رغم الهالة الرمزية التي تحيط به بوصفه أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني اتصالا بالحقيقة والجمال

لكن الفشل الذي يمكن تجاوزه داخل الفن ليس ذلك المتعلق بالهفوات التقنية أو العثرات الأسلوبية، فهذه الهفوات والعثرات جزء طبيعي من محدودية الإبداع الإنساني. أما الفشل المقصود، فيكمن في عجز العمل الفني عن إدراك السياق التاريخي الذي يتحرك داخله، أو في تحوله إلى مجرد آلية ناعمة لتجاوز الواقع القائم، من دون أي قدرة على مساءلته مساءلة الواعية، أو تحديد مقدار دوره القيمي. هنا يفقد الفن إحدى وظائفه الجوهرية، بوصفه شكلا من أشكال الوعي النقدي بالعالم.

لقد ارتبط الفن، تاريخيا، بفكرة الممانعة، لا بمعناها السياسي المباشر فقط، بل بمعناها النقدي الأوسع، مثل مقاومة التبلد، والتشيؤ، والانصياع الكامل لواقع يزداد امتلاء بالقبح والرداءة. غير أن هذه الوظيفة تبدو اليوم في حالة تراجع ملحوظ، عربيا وعالميا. فالفنون المعاصرة، في كثير من الأحيان، لم تعد تنشغل بالقلق المصاحب لأسئلة الوجود الإنساني، بقدر ما أصبحت أكثر تخصصا داخل الحقول الفنية الضيقة. فالفنانون والأدباء اليوم يتحدثون عن التقنيات الدقيقة داخل مجالاتهم، ولا يعيرون اهتماما حقيقيا بالعالم في الخارج (خارج مجالهم الفني)، ولا بموقعهم داخل التاريخ البشري.

ومن هنا يمكن فهم أحد أشكال فشل الفنون، وربما أحد مظاهر انعدام جدواها العامة أيضا. فهو -في أحد أبعاده- فشل في تجاوز الحدود المهنية المغلقة، وفقدان تدريجي للقدرة على التأثير في المجال الإنساني العام. وبينما يتراجع حضور الفنانين بوصفهم منتجين للمعنى، تتقدم شخصيات أخرى أقل حساسية وأكثر انسجاما مع منطق السوق والفرجة، من سياسيين ومؤثرين، لتحتل مواقع النفوذ الرمزي والمعرفي.

والمفارقة أن هذا التراجع يحدث في زمن يبدو فيه العالم أكثر احتياجا للفن من أي وقت مضى. فكلما ازدادت الأنظمة الحديثة تعقيدا، واتسعت أشكال العنف السياسي والاقتصادي، ازدادت الحاجة إلى المجال الفني والجمالي، القادر على مساءلة الواقع بلا عنف، لا الاكتفاء بتجميله أو إعادة تدويره في صورة أكثر انسجاما وأناقة.

الفن لا يفشل فقط حين يعجز عن إنتاج الجمال، بل أيضا حين ينتج جماله بمعزل عن نقد اللحظة الراهنة

وأخيراً، إن الحديث هنا عن فشل الفن لا ينبغي فهمه بوصفه حكما عدميا على القيمة الجمالية للفنون، بل باعتباره محاولة لإعادة التفكير في وظيفة الفنون والآداب، وفي معناها الأكثر شمولا. فالفن لا يفشل فقط حين يعجز عن إنتاج الجمال، بل أيضا حين ينتج جماله بمعزل عن نقد اللحظة الراهنة، أو حين يكون منفصلا عن الحس الإنساني الأعلى الذي يمنحه ضرورته الوجودية.

font change