بعد الاجتماع "العاصف" في نهاريا بين رئيس الجمهورية اللبنانية بشير الجميل ورئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغين في الأول من سبتمبر/أيلول 1982، عقد اجتماع بين الجميل والجنرال الإسرائيلي آرييل شارون، في بيروت بتاريخ 12 سبتمبر 1982 وانتهى هذا اللقاء في 13 سبتمبر 1982 الساعة الثانية فجرا، أي قبل يوم على اغتيال الجميل في بيروت، وتركز اللقاء، بحسب وثائق نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام، حول العلاقات بين إسرائيل ولبنان.
ويلخص خدام اللقاء، بأن شارون والجميل تبادلا الاعتذارات على ما حصل في اجتماع نهاريا، حيث أشار بشير إلى أنه لم يكن ينتظر أن يكلمه رئيس الحكومة بيغن بهذه الطريقة وكأنه سوري أو فلسطيني، وهذا السبب دفعه إلى رفض استقبال أي مسؤول إسرائيلي بعد هذا التاريخ خوفا من استمرار هذا الأسلوب في المخاطبة الذي يعتبره غريبا عن العلاقة الطويلة التي ربطت الطرفين. من جهته أشار شارون، بحسب خدام، إلى أنه أتى للقاء محدثه دون علم أحد، ولا حتى مرافقيه الشخصيين، وشكره على الدعوة التي وجهها له، وذكر أن رئيس الحكومة استاء جدا كون بشير لم يتحدث أبدا عنهم (الإسرائيليين) ولم يشر إلى الجهود والتضحيات التي قدموها في لبنان بل على عكس ذلك ساواهم بباقي القوات الأجنبية التي يجب أن تغادر الأراضي اللبنانية، كما سمح للمعارضة في إسرائيل بشن حملة انتقادية قاسية له، مما قد يضعفه في الانتخابات المقبلة بسبب الخسائر الكبيرة التي تعرضوا لها في لبنان دون الحصول على أي مكاسب.
ولفت شارون إلى أنه عقد 54 لقاء مع محدثه، مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب، ومع رئيس الاستخبارات اللبنانية جوني عبدو الذي ذكر سابقا خلال تصريحات صحافية أنه لم يجتمع مع شارون أبدا وأن الأخير التقى المبعوث الأميركي فيليب حبيب في منزله دون حضوره، وهو يعرف جدا المشكلة اللبنانية، مؤكدا أن إسرائيل تقدم المساعدة للمسيحيين فقط لأنهم "دولة صغيرة" مثلها، وهي لا تنتظر شيئا في المقابل، تماما كما ساعدت الأكراد ضد صدام حسين.
وأكد شارون أن بيغن يحب بشير الجميل، ولكن تصريح الرئيس كميل شمعون، وموقف محدثه جرحاه كثيرا، وأشار شارون أن عينه كانت على قصر بعبدا عند بدء الحملة العسكرية، وذكّر محدثه بأنه طلب منه أماكن سكن أعضاء مجلس النواب اللبناني، ولكن بشير لم يأخذ الأمر على محمل الجد. كما انتقد شارون إجراء الاتصالات الرسمية مع الحكومة اللبنانية عبر الأميركيين مطالبا بفتح قنوات اتصال مباشر.
ثم تطرق إلى الشؤون الميدانية حيث كان يسأل محدثه عن رأيه في كل تحرك ينوي القيام به ويسأله إذا كان بإمكانهم فعل ذلك، فعارض بشير بداية دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت في الفترة الراهنة، ثم وافق على دخولهم وراء الجيش اللبناني بحجة التأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام، على أن لا يظهر للعلن وجود تنسيق بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني، وطلب من محدثه التنسيق بهذا الشأن مع هورس، و(رئيس الجمهورية السابق العماد) ميشال عون و(الجنرال الإسرائيلي) أمير دروري.
أما بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة فقد علق بشير أن لبنان عانى عندما لم يكن الأميركيون يفهمونه، وقد ساعدت إسرائيل في إزالة سوء الفهم، لذا على الأطراف الثلاثة مناقشة مستقبل العلاقة بينهم، ورحب بقيام الإسرائيليين بشن هجمات على الجيش السوري مؤيدا تقديم دعم الجيش اللبناني لهم، ثم ناقش طلب وضع ضابط مخابرات إسرائيلي في مطار بيروت، ووافق على وضع تقني في برج المراقبة فقط، كما طالب بانسحاب الوحدة المتمركزة في مرفأ بيروت وتسليمه كليا للسلطة اللبنانية.
بعدها انتقل شارون للحديث عن اتفاقية السلام التي تهم إسرائيل كثيرا، حيث اعتبر بشير أن توقيعها قبل الانسحاب السوري يهدد المسيحيين الموجودين في مناطق النفوذ السوري وعددهم نصف مليون نسمة، كما أنه لا يريد قطع العلاقات مع الدول العربية ليس لأسباب سياسية، بل لوجود 300 ألف لبناني يعملون في هذه الدول، معظمهم من المسيحيين ويؤمنون موارد مالية كبيرة للبنان لا يستطيع الاستمرار من دونها. من جهته لفت شارون إلى وجود أطماع سورية تاريخية في لبنان، وشدد على وجوب توقيع الاتفاق لاستمرار العلاقة التي تربط البلدين والتي ترتكز الآن على وجوده وبشير في السلطة، الأمر الذي لن يدوم إلى الأبد، ووعد شارون محدثه ببدء المفاوضات بطريقة سرية، على أن تتضمن شقا علنيا وآخر سريا، وأن يجتمع بشير مع بيغن لإزالة أي عقبات قد تظهر خلال المفاوضات التي ستشمل كل النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وسمى بشير عن الجانب اللبناني (مدير عام الأمن العام اللبناني السابق) زاهي البستاني و(القيادي الكتائبي) جوزيف أبي خليل، وتوافق مع محدثه على الاجتماع إضافة إلى إسحاق شامير يوم الأربعاء في 15 سبتمبر لإطلاق المفاوضات.
وهنا النص الحرفي لمحضر الاجتماع بين بشير الجميل وآرييل شارون في بيروت بتاريخ 12 سبتمبر 82، بحضور بشير الجميل وج. فريحة (معاون بشير) وآرييل شارون.
شارون: كيف تسير الأمور؟
بشير الجميل: هناك تحسن، الوضع هادئ.
شارون: شكرا على دعوتك لي، إني العضو الأصغر سنا في الحكومة، وآسف للتشجنات التي حصلت، تركت حرسي الشخصي قبل أن آتي ولا أحد يعرف أين أنا الآن، أتيت إلى هنا لأرى كيف أحوال الناس، كيف مزاجهم حيث يعيشون.
بشير الجميل: آسف جدا لما حصل المرة الماضية، وأنا متأكد من أنك تفهم كيف كان مزاجي عند عودتي، كان علي مواجهة وضع لم أكن أنتظره أبدا، طريقة التعاطي معي لم تكن منتظرة أبدا، لقد اختلفنا سابقا، ولكننا تمكنا من حل المشاكل، لم أواجه أبدا وضعا مماثلا طوال علاقتي بالجانب الإسرائيلي، عندما كنا نتعرض للخطر كانت مساعدتكم عفوية أكثر منها سياسية كانت اتفاقياتنا حول طريقة تنفيذ الأمور، وليس إذا كانت ستنفذ أم لا، كيف نتعامل مع السوريين الموجودين على أرضنا وماذا ستكون بنود اتفاقية السلام، عندما كنا في إسرائيل واجهت وضعا، لم نعد نتكلم اللغة نفسها، لغة التبادل، آلمني هذا الوضع، لم أعرف ماذا كان الاتفاق، عندما قلت إني لا أريد أن أقابل أحدا، فإن السبب هو أني كنت أتساءل إذا كنا نتكلم اللغة ذاتها، خفت من العودة إلى نفس التصرف في حال تقابلنا مجددا، كان السيد بيغن يتكلم كما لو كنت سورياً أو فلسطينياً، وليس كصديق، الآن وقد أتيت إلى هنا، أطلب منك إعطائي تفسيرا لما حصل لا يمكن هدم ما أنجزناه سياسيا وعسكريا لأن بيغن قابل واينبرغر ولم يكن اللقاء إيجابيا، ما الذي حصل؟ ماذا يمكن أن أفعل شخصيا لآرييل شارون قبل إجهاض كل هذه العملية، نحن أصدقاء، وأنا أرحب بك هنا، لننسَ ما حصل.
شارون: أشكرك على استقبالك لي، لقد عدت المرة الماضية حزينا إلى غرفتي وأقدم لك اعتذاري، إن المكان الذي حصل فيه الاجتماع لم يكن ملائما لاستقبال الرئيس، ولكنه جيد بسبب قربه من نهاريا، لم يكن هناك من سيارات مخصصة لك ولرئيس الحكومة (احتقار لبشير الجميل في الاستقبال).
بشير الجميل: هذه ليست مشكلتي.
شارون: هناك أمور تقنية، سأدخل بالموضوع مباشرة، إن رئيس الحكومة شعر بالإهانة كونه لم يسمع أي كلمة بحقنا، أنا صديقك، هناك الكثيرون في إسرائيل لا يفهمون الوضع في لبنان، والعكس صحيح، لقد خضنا الحرب وواجهنا بسببها وضعا داخليا صعبا وانتقادات قاسية.



