هل ينبغي للبنان انتظار الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟

مفاوضات تحت النار

رويترز
رويترز
الحدود الإسرائيلية اللبنانية- إسرائيل، 14 مايو 2026

هل ينبغي للبنان انتظار الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟

تكشف الجبهة اللبنانية اليوم، بوضوح لافت، افتقار إسرائيل إلى استراتيجية متماسكة بعيدة المدى. فاستمرار الأعمال القتالية ضمن شروط مقيّدة، وفي ظل وقف إطلاق نار هش، بل غير قائم فعليا، مددته الولايات المتحدة 45 يوما إضافيا، لا يقدّم أي إيضاح حقيقي حول الأهداف النهائية التي تسعى إليها إسرائيل.

وشهدت الجولة الأخيرة من المحادثات، التي عقدت في واشنطن، توسيع وفدي الجانبين. فقد ترأس السفير السابق سيمون كرم الوفد اللبناني، فيما ضم الوفد الإسرائيلي ممثلين إضافيين عن الجيش الإسرائيلي ومجلس الأمن القومي. ووصفت البيانات الرسمية الاجتماعات بأنها "مناقشات بناءة"، معلنة إنشاء آلية تنسيق جديدة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي تحت إشراف أميركي. كما أفادت تقارير بأن الجانب اللبناني وافق على إدراج المحادثات ضمن مسار سياسي يهدف إلى الدفع نحو "سلام مستدام". ومن المتوقع أن يواصل المساران، الدبلوماسي والعسكري، نقاشاتهما في الأسابيع المقبلة.

في الوقت نفسه، يتواصل القتال على الأرض، موقعا خسائر في صفوف الجانبين. وقد حصرت إسرائيل ضرباتها إلى حد كبير في جنوب لبنان، مستثنية بيروت والشمال، بينما ركّز "حزب الله" بصورة متزايدة على ما يعده أحدث إنجازاته التكتيكية: المسيّرات المتفجرة.

وقد ترى إسرائيل، من جهتها، في نشوء مفاوضات سياسية مباشرة تجري تحت النار، وفي ظل استمرار القتال، إنجازا قائما بذاته. فمثل هذه المحادثات تطبّع تدريجيا فكرة الانخراط الدبلوماسي بين الطرفين، ولا سيما داخل الرأي العام اللبناني، بما في ذلك التصريح العلني بهدف كان يعد حتى وقت قريب أقرب إلى المحظور: "سلام مستدام".

غير أن الحملة العسكرية المتواصلة، التي تُدار ضمن هامش حركة مقيّد ومن دون إطار استراتيجي واضح، تنتهي عمليا إلى تعزيز موقع "حزب الله". فقد نجح التنظيم في ترسيخ الانطباع بأن الحكومة اللبنانية عاجزة عن إرغام إسرائيل على الانسحاب. وفي المقابل، تقوّض أعمال التدمير المستمرة في قرى الجنوب، وتزايد أعداد الضحايا المدنيين، السردية التي تسعى بيروت إلى ترسيخها، وهي استعادة السيادة اللبنانية.

الأخطر أن شمال إسرائيل عاد رهينة لـ"حزب الله"، وبحكم الارتباط، للحرب مع إيران، سواء كان القتال المباشر مع طهران قائما أم لا

والأخطر أن شمال إسرائيل عاد رهينة لـ"حزب الله"، وبحكم الارتباط، للحرب مع إيران، سواء كان القتال المباشر مع طهران قائما أم لا. كما أن الغموض المستمر المحيط بالسياسة الإسرائيلية الأوسع، أو على نحو أدق بالاستراتيجية الأميركية تجاه طهران، يزيد إحكام العقدة بين الساحتين اللبنانية والإيرانية. وبهذا المعنى، تبدو إسرائيل كأنها تلعب مباشرة في مصلحة إيران.

ما الذي يفسر غياب سياسة إسرائيلية متماسكة؟ يمكن التوقف عند ثلاثة عوامل رئيسة.

أ.ف.ب
الرئيس اللبناني جوزيف عون والدبلوماسي اللبناني سيمون كرم في قصر بعبدا الرئاسي في 8 مايو 2026

يتصل العامل الأول بالتحول الذي طرأ على العقيدة الدفاعية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول. فقد بات الاستنتاج السائد داخل قطاعات واسعة من المؤسسة الإسرائيلية أن سياسة الاحتواء السابقة انهارت، وأن الرد يجب أن يكون أشد قوة على التهديدات، بما في ذلك، عند الضرورة، الاحتفاظ بسيطرة ميدانية خارج حدود إسرائيل، كما يتجسد ذلك في لبنان وسوريا وغزة. غير أن هذا التحول، بطابعه العاطفي والارتجالي، لم يرافقه تفكير استراتيجي بالقدر نفسه من الصرامة.

أما العامل الثاني فيتعلق بتقلص هامش المناورة الإسرائيلي أمام واشنطن. فقد تبدو علاقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرئيس دونالد ترمب وثيقة ومفيدة سياسيا، لكن إسرائيل تواصل، في نهاية المطاف، مواءمة نفسها مع المصالح الأميركية، حتى حين لا تكون هذه المصالح مفهومة تماما في القدس، أو منسجمة بالكامل مع حساباتها.

في ظل هذه الظروف، لا تستطيع الحكومة، وفق حساباتها السياسية على الأقل، أن تظهر أمام الرأي العام الإسرائيلي بمظهر "الضعيف"، أو أن تبدو كأنها تفضل الدبلوماسية

ويكمن العامل الثالث، كما هي الحال غالبا في إسرائيل، في السياسة الداخلية، وتحديدا في الانتخابات المقبلة المتوقعة هذا الخريف. ففي ظل هذه الظروف، لا تستطيع الحكومة، وفق حساباتها السياسية على الأقل، أن تظهر أمام الرأي العام الإسرائيلي بمظهر "الضعيف"، أو أن تبدو كأنها تفضل الدبلوماسية، مهما كانت مبرراتها الاستراتيجية، على مواصلة استخدام القوة العسكرية، حتى حين تبدو هذه القوة عالقة في طريق استراتيجي مسدود.

أ.ف.ب
مركبة عسكرية إسرائيلية من طراز هامفي تمر بجوار مبان مدمرة في جنوب لبنان كما شوهدت من الجانب الآخر من الحدود في موقع بشمال إسرائيل في 7 مايو 2026

هل يمكن توقع أن تعتمد الحكومة الإسرائيلية الحالية استراتيجية سياسية أكثر تطورا، تستفيد من تبدل المزاج في بيروت، داخل الدوائر الرسمية وفي أوساط الرأي العام الأوسع؟ الأرجح لا. كما لا يُتوقع أن يبرز ضغط جدي من المعارضة، التي تخشى هي الأخرى أن يصورها الرأي العام الإسرائيلي على أنها "لينة" أو "ساذجة" في التعامل مع "حزب الله".

وفي الأسابيع المقبلة، سيتوقف الكثير على حسابات الرئيس ترمب الإقليمية والداخلية بشأن المواجهة مع إيران، وبالامتداد لبنان وسوريا. ومن المرجح أن يسعى نتنياهو إلى إطلاق حملة تودد مكثفة تجاه ترمب لترتيب لقاء علني مع الرئيس اللبناني قبل الانتخابات، بما يتيح له تأكيد "نجاح مقاربته السياسية"، أو تسجيل "إنجاز تطبيعي" حتى بعد كارثة "7 أكتوبر".

وسواء عُقد مثل هذا اللقاء أم لم يُعقد، فإن الفرصة الدبلوماسية الأوسع التي تتيحها الساحة اللبنانية ستبقى، على الأرجح، مجمدة وغير مستثمرة، إلى أن تبلغ إسرائيل لحظتها الحاسمة: يوم الانتخابات.

font change