تكشف الجبهة اللبنانية اليوم، بوضوح لافت، افتقار إسرائيل إلى استراتيجية متماسكة بعيدة المدى. فاستمرار الأعمال القتالية ضمن شروط مقيّدة، وفي ظل وقف إطلاق نار هش، بل غير قائم فعليا، مددته الولايات المتحدة 45 يوما إضافيا، لا يقدّم أي إيضاح حقيقي حول الأهداف النهائية التي تسعى إليها إسرائيل.
وشهدت الجولة الأخيرة من المحادثات، التي عقدت في واشنطن، توسيع وفدي الجانبين. فقد ترأس السفير السابق سيمون كرم الوفد اللبناني، فيما ضم الوفد الإسرائيلي ممثلين إضافيين عن الجيش الإسرائيلي ومجلس الأمن القومي. ووصفت البيانات الرسمية الاجتماعات بأنها "مناقشات بناءة"، معلنة إنشاء آلية تنسيق جديدة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي تحت إشراف أميركي. كما أفادت تقارير بأن الجانب اللبناني وافق على إدراج المحادثات ضمن مسار سياسي يهدف إلى الدفع نحو "سلام مستدام". ومن المتوقع أن يواصل المساران، الدبلوماسي والعسكري، نقاشاتهما في الأسابيع المقبلة.
في الوقت نفسه، يتواصل القتال على الأرض، موقعا خسائر في صفوف الجانبين. وقد حصرت إسرائيل ضرباتها إلى حد كبير في جنوب لبنان، مستثنية بيروت والشمال، بينما ركّز "حزب الله" بصورة متزايدة على ما يعده أحدث إنجازاته التكتيكية: المسيّرات المتفجرة.
وقد ترى إسرائيل، من جهتها، في نشوء مفاوضات سياسية مباشرة تجري تحت النار، وفي ظل استمرار القتال، إنجازا قائما بذاته. فمثل هذه المحادثات تطبّع تدريجيا فكرة الانخراط الدبلوماسي بين الطرفين، ولا سيما داخل الرأي العام اللبناني، بما في ذلك التصريح العلني بهدف كان يعد حتى وقت قريب أقرب إلى المحظور: "سلام مستدام".
غير أن الحملة العسكرية المتواصلة، التي تُدار ضمن هامش حركة مقيّد ومن دون إطار استراتيجي واضح، تنتهي عمليا إلى تعزيز موقع "حزب الله". فقد نجح التنظيم في ترسيخ الانطباع بأن الحكومة اللبنانية عاجزة عن إرغام إسرائيل على الانسحاب. وفي المقابل، تقوّض أعمال التدمير المستمرة في قرى الجنوب، وتزايد أعداد الضحايا المدنيين، السردية التي تسعى بيروت إلى ترسيخها، وهي استعادة السيادة اللبنانية.

