هل يستطيع لبنان استعادة جنوبه؟

لا تسعى إسرائيل إلى الهدوء وحده، بل إلى تغيير أعمق في قواعد المشهد الحدودي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
دخان خلف المباني عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور الجنوبية في 15 مايو 2026

هل يستطيع لبنان استعادة جنوبه؟

في 15 مايو/أيار، وبينما كانت إسرائيل تواصل غاراتها و"حزب الله" يمضي في هجماته بالطائرات المسيرة داخل لبنان، أعلنت واشنطن أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تمديد وقف إطلاق النار 45 يوما. هذا التزامن، أكثر من أي بيان رسمي، يلخص المشهد كما هو: مسار دبلوماسي يتحرك، وحرب لم تضع أوزارها فعليا.

فقد واصلت إسرائيل شن غارات جوية داخل لبنان، أدت إحداها أخيرا إلى مقتل قائد في "وحدة الرضوان"، القوة التي تماثل القوات الخاصة في "حزب الله"، بالتزامن مع إصدار أوامر بإخلاء عدد من القرى القريبة من الحدود، ضمن نطاق أوسع يمتد من الشريط الحدودي حتى نهر الليطاني، على مسافة تقارب 30 كيلومترا شمالا. في المقابل، واصل "حزب الله" هجماته بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد القوات الإسرائيلية داخل لبنان، وضد تجمعات سكنية حدودية داخل إسرائيل، مؤكدا أنه لن يلتزم بمحادثات يصفها بأنها "مؤامرة".

وإذا كانت المعارك حقيقة ماثلة، فإن المحادثات بدورها حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي تكتسب هذه المرة دلالة خاصة لأنها تشمل دولة لبنانية تبدو أكثر وضوحا في سعيها إلى إعادة تأكيد سيادتها. وقد وصف مسؤولون أميركيون الجولة الأخيرة بأنها "إيجابية ومثمرة"، فيما أدرجت بالفعل لقاءات عسكرية وسياسية لاحقة على جدول الأعمال، بينها محادثات في البنتاغون بشأن الترتيبات الأمنية، وأخرى في وزارة الخارجية الأميركية حول المسار السياسي الأوسع. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تفتح هذه المفاوضات بابا أمام نظام حدودي جديد، أم إنها لا تتجاوز كونها آلية لإدارة الواقع الهش في المنطقة؟

استراتيجية إسرائيل... "ديجا فو+"

تبدو الغاية المباشرة لإسرائيل واضحة، وهي أن تجعل حدودها الشمالية بمنأى عن تهديد تسلل "حزب الله"، وعن نيران الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيرة والصواريخ. فقد أكد مسؤولون إسرائيليون أنهم لا يريدون العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب، حين كان "حزب الله" يحتفظ ببنية عسكرية قريبة من الحدود، في وقت لم تنجح الرقابة الدولية ولا قرارات الأمم المتحدة في منع ذلك أو الحد منه. ومن هنا، تقوم الفكرة العملياتية الإسرائيلية الراهنة على إنشاء ما يسميه بعضهم داخل إسرائيل "منطقة دفاع متقدمة"، أي منطقة عازلة تستند إلى القوة المباشرة لا إلى الثقة. ولم تكتف إسرائيل بالإبقاء على وجودها، بل أصدرت أيضا أوامر بإخلاء عدد من القرى على طول الحدود، وتحدث مسؤولون إسرائيليون عن تطبيق "نموذج غزة" في جنوب لبنان. وتبدو النية واضحة: لا يتعلق الأمر فقط بإبقاء التجمعات المدنية الإسرائيلية بمنأى عن نيران "حزب الله" المباشرة، بل أيضا بمواصلة الضغط عليه عبر تحميل القرى التي سمحت له بالعمل في محيطها كلفة هذا الخيار.

لم تعد المعادلة في لبنان محصورة بين الحرب والدبلوماسية، بل باتت أيضا سباقا بين "حزب الله" والدولة اللبنانية على من يستطيع أن ينسب إلى نفسه فضل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وإعادة الانتظام إلى الجنوب

يفسر هذا المنطق إصرار إسرائيل على مواصلة الضغط بالتوازي مع المحادثات. فحتى خلال وقف إطلاق النار، استمرت في استهداف ما وصفته بمواقع تابعة لـ"حزب الله"، وأبقت قواتها في أجزاء من جنوب لبنان. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لا يتناقض ذلك مع الدبلوماسية، بل يعزز أوراقها: تمضي المفاوضات، بينما ترسم القوة الوقائع التي قد تأتي الدبلوماسية لاحقا لتمنحها صفة رسمية.

غير أن إسرائيل تتحرك على وقع تجاربها السابقة في لبنان. فحتى عام 2000، احتفظت بمنطقة عازلة داخل لبنان إلى جانب جيش لبنان الجنوبي، وانتهت تلك التجربة إلى إخفاق استراتيجي. وأي محاولة إسرائيلية لإعادة إنشاء منطقة عازلة بالقوة وحدها تهدد بتكرار النمط ذاته، خصوصا إذا أبقت المدنيين اللبنانيين في حالة نزوح، وحولت الجنوب مرة أخرى إلى ساحة احتلال بلا أفق زمني واضح للانسحاب. فعلى مدى 18 عاما، لم تنجح تجربة إسرائيل في لبنان في حماية الإسرائيليين، بل عززت صورة "حزب الله" بوصفه مدافعا عن لبنان. والجديد اليوم أن إسرائيل تنخرط أيضا، ولو على مضض، مع الدولة اللبنانية، لأن أي نتيجة قابلة للاستمرار تحتاج إلى سلطة سيادية أقوى على الجانب الآخر من الحدود. لكن المعضلة أن استعادة السيادة اللبنانية، في الواقع وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلا، ستحتاج إلى سنوات، وستبقى مهددة بفعل محاولة إسرائيل نفسها التحوط من المخاطر.

رويترز
جنود من الجيش اللبناني في موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة في منطقة الجية جنوب بيروت، لبنان، 13 مايو 2026

ولا تقف حسابات الحكومة الإسرائيلية عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد إلى الداخل أيضا. فبعد عمليتها ضد "حزب الله" عام 2024، قالت إنها وجهت ضربة قوية للجماعة، والأهم أنها رأت في ذلك تحقيقا لأحد الأهداف المركزية للحرب التي بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين فتح "حزب الله" جبهة ضد إسرائيل دعما لـ"حماس"، وهو تأمين الحدود الشمالية بما يسمح بعودة السكان الذين أجلوا منها إلى منازلهم.

غير أن تجدد القتال في لبنان كشف مجددا هشاشة هذا الادعاء. فما سُوّق بوصفه لحظة "إنجاز المهمة" لا يبدو اليوم تحولا استراتيجيا بقدر ما يذكّر بنمط مألوف في الصراع بين إسرائيل ولبنان: مكسب تكتيكي سريع، ثم عودة التهديد نفسه إلى الواجهة من دون حل حاسم.

وقد وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحادثات في إطار أوسع، إذ ربطها بهدفين استراتيجيين، هما نزع سلاح "حزب الله" والتوصل إلى صيغة ما من التسوية السياسية مع لبنان. ولا يعني ذلك أن التطبيع الكامل بات قريبا، لكنه يكشف أن إسرائيل تختبر ما إذا كان إضعاف "حزب الله" والتحول السياسي في لبنان قد فتحا نافذة لم تكن متاحة من قبل.

لذلك، لا تسعى إسرائيل إلى الهدوء وحده، بل إلى تغيير أعمق في قواعد المشهد الحدودي. ففي السيناريو الأفضل بالنسبة إليها، يتراجع الوجود العسكري لـ"حزب الله" بعيدا عن الجنوب، ويتولى الجيش اللبناني دورا أوضح، ويمنح أي ترتيب مقبل إسرائيل ضمانات يمكن فرضها، أو هامشا مقبولا للتحرك إذا فشلت تلك الضمانات. أما إذا تعذر ذلك، فستعود إسرائيل إلى النمط نفسه الذي اعتادته في إدارة الأمن، وهو نمط لم يقدّم حلا فعليا للمعضلة.

هل يستطيع لبنان- وليس "حزب الله"- استعادة الجنوب؟

هنا تبرز أهمية الحسابات اللبنانية. فلم تعد المعادلة في لبنان محصورة بين الحرب والدبلوماسية، بل باتت أيضا سباقا بين "حزب الله" والدولة اللبنانية على من يستطيع أن ينسب إلى نفسه فضل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وإعادة الانتظام إلى الجنوب.

على الأرجح، لن تفضي المحادثات في المدى القريب إلى أكثر من وقف لإطلاق نار مضبوط بإطار أمني

يسعى لبنان إلى إثبات أن مؤسسات الدولة قادرة، عبر التفاوض ونشر القوات واستقطاب الدعم الدولي، على تحقيق ما اعتادت الميليشيات الادعاء أنه حكر عليها. ويمكنه أن يراهن في ذلك على تعب اللبنانيين من الحرب، حتى داخل البيئة المؤيدة لـ"حزب الله" نفسها. فقد تحولت مساهمة "الحزب" في جر لبنان إلى حربين إقليميتين، الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم خلال حرب إيران عام 2026، إلى عبء سياسي متزايد عليه. وبات من الأصعب على "الحزب" أن يرسخ صورته بوصفه مدافعا عن لبنان، حين يبدو أنه قاتل، قبل أي شيء آخر، دفاعا عن قضايا لا تخص لبنان وحده.

في المقابل، يريد "حزب الله" أن يحافظ على حجته السياسية الأساسية، وهي أن السلاح وحده هو ما يجبر إسرائيل على التراجع. ومن هنا يواصل هجماته اليومية، بما فيها استخدام طائرات مسيرة بمنظور الشخص الأول، لرفع كلفة بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان. والمفارقة أن الجيش الإسرائيلي لا يبدو مهيأ بما يكفي لهذا النوع من التهديد، رغم أن استهداف "حزب الله" للقوات المنتشرة في مواقع إسرائيلية داخل لبنان كان متوقعا، ورغم أن هذه الطائرات أصبحت أداة شائعة في ساحات قتال عالية الحدة، ولا سيما في أوكرانيا. لذلك لا تبقى مسألة قدرة إسرائيل على مواجهة الطائرات المسيرة مجرد تفصيل تكتيكي، إذ إن قدرة "حزب الله" على الاستمرار في ضرب القوات الإسرائيلية ستفتح بابا لسؤال أوسع: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الإبقاء على وجودها في جنوب لبنان؟

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

كل هجوم ناجح يعزز رواية "حزب الله" بأن المقاومة ما زالت ضرورة، وكل اختراق دبلوماسي تحققه بيروت يعزز الرواية المقابلة للدولة اللبنانية، وهي أن لبنان قادر على استعادة سيادته من دون أن يرهن مستقبله لأجندة إيران الإقليمية.

وقد تعاملت بيروت مع هذه النقطة بحذر. فالدولة اللبنانية تريد أن تنأى بنفسها عن المشهد الإقليمي الأوسع، وأن لا تبقى ساحة هامشية في حرب أكبر لا تملك قرارها. ولا يعني ذلك أن إيران خرجت من المعادلة، بل أن القيادة اللبنانية ترى في هذه اللحظة فرصة نادرة لتخفيف الارتباط بين جبهتها الجنوبية والمواجهة الأوسع بين إيران وإسرائيل.

ما الذي يمكن أن تقدمه المحادثات؟

على الأرجح، لن تفضي المحادثات في المدى القريب إلى أكثر من وقف لإطلاق نار مضبوط بإطار أمني. فتمديده 45 يوما، بالتزامن مع محادثات عسكرية مرتقبة بين الجانبين في البنتاغون، يوحي بأن الطرفين يحاولان صوغ مظلة للاستقرار تتجاوز سلسلة هدن مؤقتة تنتهي واحدة تلو الأخرى. لكن من دون موافقة "حزب الله"، سيبدو هذا الوقف أقرب إلى صراع منخفض الوتيرة، محدود جغرافياً وقابل للاشتعال فجأة، منه إلى وقف فعلي للأعمال العدائية.

ويبقى ترسيم الحدود، إذا تحقق، النتيجة السياسية الأبرز لهذه المحادثات. فإذا انتهى إلى ترتيب نهائي في هذا الشأن، فسيكون في وسع لبنان تقديمه بوصفه مكسبا وطنيا تحقق عبر الدبلوماسية وعمل الدولة، لا عبر حرب الميليشيات وحدها. وسيكون لذلك قيمة سياسية واضحة، إذ يثبت أن إسرائيل لا تستطيع الإبقاء على وجود داخل لبنان إلى أجل غير مسمى من دون كلفة دبلوماسية واستراتيجية، كما يمنح بيروت فرصة للقول إن استعادة الحقوق اللبنانية جاءت عبر الدولة، لا عبر "حزب الله".

خلف الأهداف الأمنية الإسرائيلية المباشرة، تتشكل معركة أوسع على مستقبل لبنان، ستمتد على مدى سنوات وعلى مراحل متباينة، ولا يمكن اختصارها في ميزان القوة وحده

غير أن الذهاب أبعد من ذلك، أي إلى نزع سلاح "حزب الله" فعلا جنوب نهر الليطاني، يبقى أكثر صعوبة بكثير. فقد حاول الجيش اللبناني المضي في هذا الاتجاه ضمن خطة "درع الوطن" التي كشف عنها العام الماضي، لكن التقدم ظل محدودا. وهاجم "حزب الله" الخطة واعتبرها "خطيئة كبيرة"، وسعى بكل ما لديه إلى تفريغها من مضمونها. ومع أن الجيش اللبناني قال إنه أنهى نزع سلاح "الحزب" جنوب الليطاني، فقد أظهرت الأسابيع الماضية أن "حزب الله" ما زال حاضرا في تلك المنطقة. والواقع أن أي خطة جدية لنزع سلاحه تحتاج إلى جيش لبناني أقوى، وإلى توافق أوسع على معنى الدولة السيادية غير الطائفية.

ولكي تحتكر الدولة اللبنانية استخدام القوة على نحو فعلي، لا يكفي أن تُعلن قرارا بنزع سلاح "حزب الله"، بل يجب أن تملك القدرة على فرضه، وأن يقتنع الجنود المكلفون بتنفيذه بشرعيته. وحتى الآن، لم يصمد "حزب الله" لأنه القوة الأفضل تسليحا في البلاد فحسب، بل لأن لبنان لم ينجح بعد في بناء إطار وطني غير طائفي يطمئن مكوناته المختلفة ويكفل لها الحماية. وقد يتزايد تململ بعض الشيعة اللبنانيين من "الحزب"، لكن الدولة نفسها ما زالت، في نظر كثيرين، مصدر قلق أكبر.

تكشف هذه التعقيدات أن الصراع أبعد من أن يطوى قريبا. فخلف الأهداف الأمنية الإسرائيلية المباشرة، تتشكل معركة أوسع على مستقبل لبنان، ستمتد على مدى سنوات وعلى مراحل متباينة، ولا يمكن اختصارها في ميزان القوة وحده. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت البنادق ستصمت 45 يوما إضافيا، بل ما إذا كانت هذه النافذة ستمنح لبنان فرصة لاستعادة الجنوب قبل أن يعيد "حزب الله" فرض سيطرته، ولبدء التحول إلى دولة لم يكتمل بناؤها بعد، في وقت يهدد فيه "الدفاع المتقدم" الإسرائيلي بأن يتحول إلى تورط أوسع مما كان مخططا له.

font change