ستيغ داغرمان

ستيغ داغرمان

استمع إلى المقال دقيقة

شكّل القلق بملء زخمه الحاد، معضلة وجودية لصاحب مقولة: "قلقي هو الأفدح في العالم على الإطلاق".

ستيغ داغرمان (1923-1954)، كاتب سويدي منتحر، أنجز مسارا إبداعيا مدهشا، في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر والسيناريو. وعلى عكس فرانز كافكا، ملهمه الأثير، حقق شهرة خارقة في حياته وليس بعد مماته، وذاعت حقيقته الأدبية منذ روايته الأولى "الأفعى" 1945، الممعنة في مضاعفات الحرب العالمية الثانية على بلده، وانفرد بشعبية صارخة عبر نجاحات نصوصه التالية، "جزيرة الملعونين" 1946، و"الخريف الألماني" 1947، و"ألعاب ليلية" 1947، و"متاعب الزفاف" 1949، وصولا إلى "حاجتنا إلى العزاء" 1955، فصار بوقت وجيز أمير كتابة تسلط الأضواء على منجزه بوفرة وتلهب سيرته الشخصية الصحف بكل مكان، كل هذا المجد الطارئ، جلب له ثروة كبيرة جعلته يدمن على اقتناء السيارات الفارهة.

بالمقابل، فإن داغرمان السوداوي، هو من أقلية الكتاب المريبين الذين لا يطمئنون لنعمة الشهرة، إذ فضل العيش بعكس ما كانت تمليه عليه حياة الأضواء المستعرة عبر رجات مواقفه الصادمة من الحياة الهشة ورؤيته الحادّة إلى معضلة الوجود بعنف.

من نصوصه اللاسعة "أن تقتل طفلا" وهي قصة مدهشة في حبكتها تعتمد بلاغة خاصة للتقابلات وتؤسس لجمالية التضاد. المفارقة الصارخة هي ما تنجح القصة في تحقيقه بشكل بديع الحياكة، وصقيل الطرز: رجل يحلق ذقنه في المطبخ وامرأة تعد القهوة وطفل يزرّر قميصه. الرجل يعد الطفل برحلة عبر قارب في عرض النهر والطفل يتخيل هذه النزهة بابتهاج وشغف، والمرأة تطلب من طفلها أن يذهب إلى الجيران من أجل استعارة قطع سُكر لأنه نفد ببساطة في خزانة المطبخ.

ثم رجل ثان بملامح سعيدة يقف في محطة بنزين بقرية غير بعيدة، يصور سيارته وفتاته، فيما يعد هذه الأخيرة برحلة عبر قارب في عرض البحر وتغمض الفتاة عينيها وتتخيل تلك النزهة العجيبة هي الأخرى.

عندما يصل الرجل السعيد القرية الثالثة بسيارته الزرقاء وهو طاعن في الحبور أو في السعادة بالأحرى، يصادف عبوره ذاك، رجوع الطفل من الجيران وهو يحمل قطع السكر لأمه، وتشاء المصادفة المؤلمة أن يدهس الرجل السعيد الطفل، ويرديه قتيلا على الطريق فتتبعثر قطع السكر البيضاء في المكان مضرجة بدم الحادثة.

موت الطفل لا يمكن للزمن أن يمحو جرحه الغائر في ذاكرة الرجل السعيد، الرجل الذي ما عاد سعيدا، كما لا يستطيع محو الألم النابت كفطر في قلب أم الطفل، الأم التي نسيت أن تشتري سكرا.

وإن لم يكن الخطأ خطأ الرجل، فالألم الأبدي سيظل يشطر وجوده، وبذا يتمنى لو أن الحياة ترجع به إلى تلك الدقيقة الفجائعية، قبل وقوع الحادثة الأليمة، ليرتب الأشياء ويتداركها وهذا ما لن يحصل بالتأكيد، لأن الأمر فات أوانه.

ذلك هو فخ التناقض الصارخ المدبر لقدرية الحدث، وتلك هي سخرية المفارقة التي تنسج الحكم الصادم حول حقيقة الحياة، حياة دون رحمة، ذات عدوانية تضع حدّا لجمال يوم كان كل شيء جاهزا فيه ليكون سعيدا.

لحظة داغرمان كانت التجسيد الأشمل لقلق جيل بكامله في عالم مضغوط بين انشطارات الذات وخيبات التجربة الجماعية

وهكذا قُدِّر لصباح سعيد أن يكون حزينا، وقُدِّر لرجل سعيد أن يصير كئيبا إلى الأبد، وقُدِّر لقهوة دون سكر أن تصير أكثر مرارة. ترسم هذه القصة عالمها ببراعة سينمائية، من خلال عين كاميرا تتنقل عبر وحدات سردية من زاوية بانورامية ذات دقة عالية في تصوير المشاهد، فالسارد يعلم بتفاصيل الحكاية، بل ويستبق الحدث بيقين ويحدس بما سيقع، وما سيقع لا يعدم روح القصة وخيط المتعة الذي تتعقّب القراءة ضوءه، بل يتشكل كتحفيز وتحريض على دنو منعطف الصدمة في الحكاية.

يوهمنا السارد بالحياد، لكن عينه الباردة ما تني تتحد بنفسية الشخصيات وتتماوج بصدى جوانيتهم. وللتنويه فقد حول المخرج السويدي ألكسندر سكارجرد هذه القصة إلى فيلم قصير سنة 2002.

العبث واللامعنى الكامنان وراء قدرية العيش، وقسوة الوجود، هي بعض انعكاسات وخيمة لحياة ستيغ داغرمان، الذي غادرت أمه وهو طفل المنزل دون مبرر، كذا مات جده الذي تبناه ببندقية أمام المنزل، كما فقد أعز أصدقائه أثناء انهيار ثلجيّ. كل هذا لا يعني بالضرورة تأثيرا آليا في مواقفه وكتابته المتعدّدة، ولكن الموقف أعمق من ذلك، إذ إن لحظة داغرمان، كانت التجسيد الأشمل لقلق جيل بكامله في السويد، في عالم مضغوط بين انشطارات الذات وخيبات التجربة الجماعية.

هكذا تحفرُ نصوصُ داغرمان بضراوةٍ الألمَ، وتطلق صيحتها المفزعة باستحالةِ العزاءِ في وجودٍ محزنٍ لا يبقى للإنسان فيه من خيار سوى امتحانٍ واحدٍ لحريته، هو امتحان الانتحار، كما كتب في أحد نصوصه وترجم الفعل إلى حقيقةٍ مريبةٍ، ذات خريفٍ عندما أنهى حياته بمرأب داخل سيارته، فأن تعيش وفق اعتقاده لا يعني في الحقيقة سوى أن تؤجل انتحارك يوما تلو آخر، وأما الرعب المزدوج الذي ظل يخشاه فهو ما أشار إليه مجازيا: الفأس المعلقة فوقي، والجلاد الكامن في داخلي.

font change