شهدت رام الله، ومعها ساحات فلسطينية وعربية أخرى، انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، في لحظة فلسطينية لا تحتمل قراءة تنظيمية ضيقة. فالمؤتمر، الذي التأم في الرابع عشر من مايو/أيار واستمر ثلاثة أيام بمشاركة نحو 2600 عضو توزعوا بين الضفة الغربية وقطاع غزة ومصر ولبنان، لم يكن مجرد محطة داخلية لتجديد هيئات الحركة الأكبر في "منظمة التحرير" والعمود الفقري للسلطة الفلسطينية، بل اختبار سياسي بالغ الحساسية لموقع "فتح" في النظام السياسي الفلسطيني، ولمستقبل السلطة، ولترتيبات المرحلة التالية في ظل سؤال الخلافة وما بعد الرئيس محمود عباس.
وجاء المؤتمر الذي اعتبر الحدث الأهم فلسطينيا خلال العام الجاري في توقيت مثقل بالأسئلة والضغوط. فحرب غزة أعادت خلط المشهد الفلسطيني والإقليمي، والسلطة الفلسطينية تواجه واحدة من أعمق أزماتها المالية والسياسية، فيما تتصاعد الدعوات العربية والدولية لإصلاح مؤسساتها وتجديد شرعيتها. وفي الداخل "الفتحاوي"، لم تعد مسألة تجديد الأطر القيادية شأنا تنظيميا فحسب، بل تحولت إلى مدخل لقياس قدرة الحركة على استعادة المبادرة، واحتواء التنافس الداخلي، وجسر الفجوة المتسعة بينها وبين الشارع الفلسطيني.
لذلك حظي المؤتمر باهتمام فلسطيني وإقليمي ودولي واسع، ليس لأنه حدث حزبي دوري موسمي، بل لأنه انعقد في قلب أزمة أعمق تمس مستقبل القضية الفلسطينية ذاتها. فحركة "فتح"، بوصفها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تجد نفسها اليوم أمام اختبار مزدوج: أن تُجدد شرعيتها التنظيمية من الداخل، وأن تثبت في الوقت نفسه قدرتها على البقاء لاعبا مركزيا في مرحلة تتغير فيها موازين القوة، وتتراجع فيها ثقة الجمهور بالمؤسسات السياسية، وتتقدم فيها أسئلة الإصلاح والتمثيل والقيادة على غيرها.

وانعقد المؤتمر ضمن سلسلة استحقاقات انتخابية فلسطينية بدأت بالانتخابات البلدية التي جرت في السادس والعشرين من أبريل/نيسان في الضفة الغربية ومدينة دير البلح جنوبي قطاع غزة، على أن تتبعها انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وقد وصف الرئيس محمود عباس هذا العام بأنه "عام الانتخابات"، وهو توصيف فتح بدوره بابا واسعا من التساؤلات في الشارع الفلسطيني حول استمرار تعذر إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، بعد نحو عقدين من الزمن على آخر انتخابات عامة، في مقابل قدرة السلطة والحركة على تنظيم استحقاقات انتخابية أخرى أقل حساسية سياسيا.
وكان المجلس الثوري لحركة "فتح" قد وصف انعقاد المؤتمر الثامن بأنه "استحقاق تنظيمي وضرورة سياسية"، بهدف تجديد الشرعية التنظيمية، وضخ دماء جديدة في الأطر القيادية، وتعزيز موقع الحركة في مواجهة التحديات الوطنية. غير أن دلالة المؤتمر تجاوزت هذه الأهداف المعلنة. إذ جاء في سياق تتداخل فيه تداعيات حرب غزة، وأزمة السلطة، وضغوط الإصلاح، وتصاعد المنافسة داخل "فتح" على قيادة المرحلة الأصعب في تاريخ النضال الفلسطيني.
وتصدّر الأسير مروان البرغوثي، ومدير جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج، قائمة الفائزين بأعلى الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية، في نتيجة اعتبرت ترسيخا لمعادلة "القيادة الجماعية"، حيث جمعت هذه النتيجة بين الرمزية النضالية والكفاحية التي يجسدها البرغوثي، المعتقل في السجون الإسرائيلية، وبين ثقل المؤسسة التنفيذية والأمنية، والحضور التنظيمي والشعبي الداخلي، وشبكة العلاقات الدولية والنوعية التي يمثلها اللواء فرج، وبذلك بدت النتائج كأنها تمهد الطريق أمام صيغة قيادة جماعية لإدارة الشؤون "الفتحاوية" والفلسطينية العامة في المرحلة الانتقالية.
وعلى صعيد البنية التنظيمية، كشفت الأرقام الرسمية عن تحول بارز باتجاه ضخ دماء جديدة في عروق الحركة. إذ بلغت نسبة الفائزين من جيل الشباب دون سن الخامسة والأربعين في انتخابات المجلس الثوري نحو 35 في المئة، في خطوة تعكس محاولة لتقليص الفجوة مع الشارع والاستجابة للمطالب القاعدية بتجديد الأطر التنظيمية، كما أكدت البيانات الرسمية للجنة الانتخابات حدوث تغيير بنسبة 50 في المئة في تركيبة اللجنة المركزية، بعد فوز تسعة أعضاء جدد من أصل ثمانية عشر، بالتوازي مع صعود واسع للقيادات الشابة والميدانية في انتخابات المجلس الثوري، التي تنافس فيها 450 مرشحا على 80 مقعدا، فيما سجلت المرأة حضورا بنسبة 18 في المئة في الهيئتين القياديتين، في حين حظي قطاع الأسرى والمحررين بنسبة تمثيل بلغت 22 في المئة، بما يعيد الاعتبار لثقل تجربة السجون في توجيه البوصلة السياسية للحركة.

