بعد ستة عقود… بعض خلاصات التجربة الوطنية الفلسطينية

موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل

أ.ف.ب
أ.ف.ب
فتاة فلسطينية أمام مركز الشيخ رضوان الصحي التابع لوكالة (الأونروا) شمال مدينة غزة في 6 أغسطس 2025، بعد غارة جوية وقصف جوي إسرائيلي

بعد ستة عقود… بعض خلاصات التجربة الوطنية الفلسطينية

من الصعب معرفة التصور المستقبلي الذي كان يكمن في أذهان قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، بخاصة المتمثلة في "فتح"، التي أطلقت تلك الحركة (1965) وقادتها، وطبعتها بطابعها وحددت خياراتها الاستراتيجية السياسية والكفاحية على مدار العقود الماضية.

بيد أن مراجعة للأفكار أو المسلمات، التي عبّرت عنها تلك القيادة في حينه، قد تقدم لنا بعضا من الإجابات على تلك المسألة، من دون إطلاق أحكام قيمية عليها وفقا لعقلية اليوم، أو تبعا لمآلات ودروس تلك التجربة الطويلة والمضنية والمؤلمة والمكلفة، رغم تأكيد مشروعيتهما بالنسبة للمستقبل.

منذ البداية كانت الفكرة المركزية، التي راودت تلك القيادات، تتعلق بتحرير فلسطين، وعودة اللاجئين، كتعبير عن رفض النكبة، وتقويض إسرائيل، التي قامت على حساب الشعب الفلسطيني.

مشكلة تلك الفكرة، على أحقيتها، أنها لم تبال بموازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، ولا بالمعطيات العربية والإقليمية والدولية، غير المواتية، وافتقاد الشعب الفلسطيني القدرة على توليد حركة وطنية مستقلة، بحكم تجزئته، وافتقاده إلى قاعدة مستقلة.

وفي العموم فقد كانت تلك نظرة إرادوية، ومتفائلة، استمدت مشروعيتها، في ذلك الزمن، من رواج حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وانقسام العالم إلى معسكرين، إمبريالي معادٍ واشتراكي مساند.

الفكرة الثانية، في إدراكات القيادات الفلسطينية، آنذاك، والتي حاولت بها استدراك ضعف حال الشعب الفلسطيني، من كل النواحي، وتاليا إضفاء نوع من "العقلانية"، على الفكرة الأولى، تمثلت بالاستناد إلى البعد العربي في تحرير فلسطين، في ذلك الزمن "القومي"، إذ إن الفلسطينيين طليعة الكفاح من أجل التحرير، وأيضا أن إسرائيل تستهدف الأمة العربية، وأن فلسطين هي القضية المركزية لتلك الأمة؛ وكلها تبينت، في التجربة، عن تبسيط، وتسرع، عدا عن أنها، حتى من الناحية النظرية، لم تكن تتمتع بحد أدنى من العقلانية، أو الواقعية.

أيضا نلاحظ هشاشة تلك الفكرة في انحسار فكرة الصراع العربي، الدولتي، ضد إسرائيل، وانفتاح مسار التطبيع معها، إذ تلاشت، عمليا، فكرة فلسطين كقضية مركزية، ومقولة إن "السلام يبدأ من فلسطين والحرب تبدأ من فلسطين".

نلاحظ انحسار فكرة الصراع العربي، الدولتي، ضد إسرائيل، وانفتاح مسار التطبيع معها، إذ تلاشت، عمليا، فكرة فلسطين كقضية مركزية

فكرة الكفاح المسلح، هي الركن الثالث، في رؤية القيادة الفلسطينية، للشكل الكفاحي اللازم لتحرير فلسطين، هديا على خطى التجربتين الجزائرية والفيتنامية، وعلى أساس أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، بحيث طبعت تلك الفكرة التجربة الفلسطينية، بطابعها، على صعيد السياسة والثقافة والممارسة، حتى غدت بمثابة معيار للصدقية النضالية، وبمثابة مقدس، خارج النقد والمساءلة والمحاسبة.

ومشكلة تلك الفكرة أنها اعتمدت، مثل الأولى، على البعد العربي "القومي"، بمشاركة الجيوش العربية، إلا أنها تبينت عن خيبة أمل، بسبب هزيمة تلك الجيوش، خاصة التي تتبع لدول "قومية"، في حرب يونيو/حزيران (1967)، وأيضا، لأن حرب أكتوبر/تشرين الأول (1973) كانت آخر الحروب العربية-الإسرائيلية، إذ بعدها تم "التطبيع" مع وجود إسرائيل عمليا، وبات الصراع معها، نظريا، يتعلق فقط باستعادة الأراضي المحتلة في تلك الحرب.

أما من جهة الكفاح المسلح الفلسطيني، فبدا قاصرا عن توجيه ضربات موجعة لإسرائيل، تجبرها على تغيير سياساتها، بل إن الحركة الوطنية الفلسطينية، كقوى مسلحة، دخلت في مواجهة مع الأنظمة المستضيفة، في الأردن ثم لبنان ثم مع سوريا (في لبنان).

أ.ف.ب
فلسطينيون مسلحون أمام صورة لزعيمهم الراحل ياسر عرفات في مخيم وافل للاجئين الفلسطينيين في وادي البقاع شرق لبنان، 24 أبريل 2020

وفي كل الأحوال فإن المعطيات العربية والإقليمية والدولية لم تكن لتسمح بتمكين الفلسطينيين من الاستثمار في معاناتهم وتضحياتهم وبطولاتهم، لا بواسطة الكفاح المسلح، ولا بواسطة المفاوضات، كما تبين في غضون تلك التجربة، وتحولاتها.

هكذا تبين بالتجربة إخفاق، أو هشاشة، الركائز التي شكّلت مصدرا لإلهام القيادات، التي أطلقت الحركة الوطنية الفلسطينية، في منتصف الستينات، وما فاقم منها أن تلك القيادات لم تقف ولا مرة لمراجعة تلك الركائز، أو لنقد تجربتها، أو تعديل خياراتها السياسية والكفاحية، في الأردن، ولبنان، والأرض المحتلة، سواء بشكل الكفاح المسلح أو المفاوضات، وكمنظمة وفصائل وسلطة.

بين لحظتي الصعود والأزمة

في محاولة تلخيص تلك التجربة لنلاحظ، مثلا، أن الحركة الوطنية الفلسطينية اكتسبت شرعيّتها، وتوسّعها، عربيا، بعد هزيمة يونيو 1967، بالنظر لما أحدثته من هزّة في الوجدان العربي، مع حاجة الأنظمة للتغطية على تلك الهزيمة، عبر تعويض الجماهير العربية، وصرفها عن محاسبتها، ما أفاد بحرية الحركة للفصائل، وخاصة لـ"فتح"، حينها، لكن ذلك اشتغل لفترة محدودة، فبعدها حصل الصدام في الأردن (1970)، وخرجت الفصائل إلى لبنان، حيث تكررت تلك التجربة، مع حرب أهلية ممتدة (1976-1982)، انتهت بإخراج الفصائل  وانتهاء الظاهرة الفلسطينية المسلحة  بواسطة الاجتياح الإسرائيلي.

بعد ذلك أتت حرب أكتوبر (1973)، وأعقبها خروج مصر من دائرة الصراع مع إسرائيل، بعقد اتفاقية كامب ديفيد (1978)، التي اعتبرت آخر الحروب الدولتية العربية-الإسرائيلية، وقد نجم عنها، أيضا، غياب الصراع العربي-الإسرائيلي، بالاعتراف بوجود إسرائيل، وحصر الأمر في مجرد انسحابها من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب.

في هذه الظروف، أي التورط في الحرب الأهلية في لبنان، وتآكل مفهوم الصراع العربي ضد إسرائيل، وضغوط الاتحاد السوفياتي، وجدت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها مضطرة للتكيف مع الواقع الجديد، بالتماهي مع الخط الدولي والعربي بحصر الصراع ضد إسرائيل باستعادة الأراضي التي احتلتها في حرب 1967، وذلك في برنامج "النقاط العشر"، الصادر عن اجتماع المجلس الوطني الدورة 12 (1974) ما يعني أن القيادة الفلسطينية عرفت حدود دورها، وإمكانياتها، لكن مشكلتها أنها لم تعرف، أو لم تتصرف، على أساس أن هذا الأمر يتطلب تغييرا في البني والخطابات وأشكال العمل؛ الأمر الذي ظل يفاقم من أزمتها.

هكذا تبين بالتجربة إخفاق أو هشاشة الركائز التي شكّلت مصدرا لإلهام القيادات، التي أطلقت الحركة الوطنية الفلسطينية، في منتصف الستينات، ما فاقم منها أن تلك القيادات لم تقف ولا مرة لمراجعة تلك الركائز، أو لنقد تجربتها، أو تعديل خياراتها 

تبعا لكل ذلك فإن أواسط السبعينات، التي شكّلت ذروة صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وشرعيتها، عربيا ودوليا، شكّلت، أيضا، بداية هبوطها، وأزمتها المستمرة حتى الآن. وهذا يفيد بأن معظم الإنجازات الوطنية الفلسطينية كانت قد تحققت بين 1965 و1975، أي قبل نصف قرن، ما يستنتج منه أن الحركة الوطنية الفلسطينية وصلت منذ زمن طويل إلى سقف لم يعد بوسعها تجاوزه، ما يفسر كل الإخفاقات والإحباطات الفلسطينية.

بعد ذلك، أي بعد الخروج من لبنان، وانتهاء ظاهرة العمل الفلسطيني المسلح من الخارج، أتت الانتفاضة الأولى (1987-1993) بمثابة جسر لإنقاذ الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد تم استثمارها بعقد اتفاق أوسلو (1993)، وبالتحول إلى سلطة، في جزء من الأرض على جزء من الشعب، مع جزء من الحقوق، وربما أن ما ساهم في هذه النقلة، عدا التغيرات الدولية والإقليمية والعربية، نشوء حركة "حماس"، التي بدت بمثابة بديل لقيادة المنظمة و"فتح"، وكمنافس لها على المكانة والشرعية والقيادة.

أيضا، هنا ظلت قواعد عمل القيادة الفلسطينية على حالها، في حين أن هذا التحول الكبير، من حركة تحرر إلى سلطة، كان يحتاج إلى وقفة مراجعة نقدية، وطرق جديدة في العمل، وبنى مؤسسية أكثر من السابق، إلا أن الاستنكاف عن ذلك، مع الضغوط الإسرائيلية، أدى إلى تراجع "فتح"، لصالح "حماس"، التي باتت شريكا لها في القيادة والسلطة.

أتت حرب أكتوبر (1973)، وأعقبها خروج مصر من دائرة الصراع مع إسرائيل، بعقد اتفاقية كامب ديفيد (1978)، التي اعتبرت آخر الحروب الدولتية العربية-الإسرائيلية

وفي الواقع، فإن صعود "حماس"، خاصة بعد رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، أدى إلى إحداث انقسام، أو شرخ كبير في وجدان الفلسطينيين، إذ إن الأمر لم يعد يقتصر على الخلاف السياسي، والفوز بالانتخابات (2006)، وتاليا الانقسام والسيطرة على غزة (2007) إذ بات ثمة انشقاق عمودي في الحركة الوطنية الفلسطينية، كأن ثمة فصيل بمرجعيات وطنية مقابل فصيل بمرجعيات دينية، بل إن الوضع بدا وكأن ثمة شعبين.  

تلك هي الأوضاع الصعبة والمعقدة والكارثية التي أتى في مناخاتها هجوم "طوفان الأقصى"، إذ لا يوجد إطار عربي وإقليمي ودولي داعم للكفاح الفلسطيني، لا المسلح ولا التفاوضي، بخاصة مع شبهة علاقة "حماس" بإيران، وميليشياتها في دول المشرق العربي، ومع حال التعب والإحباط والاستنزاف في أوساط الفلسطينيين في الداخل والخارج، جراء الانقسام، وجراء الإخفاق في مخنلف الخيارات الكفاحية والسياسية، إلى درجة أن الانطباع الأغلب لدى الفلسطينيين بات خاليا من الأمل، وكأن "طوفان الأقصى" أتى لطي الصفحة الأخيرة في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

بعض دروس التجربة الماضية

بناء على كل تلك التعقيدات والإشكاليات، ودروس تلك التجربة الغنية، بنجاحاتها وإخفاقاتها، وإدراك الواقع الدولي والإقليمي والعربي، الذي لا يسمح للفلسطينيين، أو لا يمكنهم، من الاستثمار في معاناتهم وتضحياتهم ونضالاتهم، وباعتبار أن إسرائيل ما زالت بمثابة وضع دولي، في الشرق الأوسط، وليست مجرد دولة فيه، فإن ذلك يفترض بالفلسطينيين، البحث عن صيغ أكثر مواءمة، في المدى المنظور، لبناء معطيات يمكن أن تتطور لاحقا، في ظروف مواتية، لتقريبهم من استعادة حقوقهم، بهذا المستوى أو ذاك.

هذا يتطلب، مثلا، فتح الخيارات الوطنية الفلسطينية، أو عدم حصرها بخيار إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة (1967) الذي بات له نصف قرن، وقد أفرغ من مضمونه على الأرض، وإيجاد نوع من خيارات تتأسس على المطابقة بين الشعب والأرض والقضية.

أ.ف.ب
جندي إسرائيلي يقف حارسًا خلال تظاهرة للفلسطينيين في موقع طريق جديد قيد الإنشاء لاستخدام المستوطنين الإسرائيليين بالقرب من قرية بيت عور الفلسطينية، غرب رام الله في الضفة الغربية المحتلة، في 29 سبتمبر 2025

يفيد ذلك بعدم حصر الصراع مع إسرائيل على الأرض، فقط، إذ إن ذلك يتطلب، أيضا، إضفاء معانٍ، أو مضامين، ملموسة أكثر على فكرة التحرير من خلال الصراع على الحقوق، أي حقوق الإنسان، في المواطنة، أي في الحرية والكرامة والمساواة، فهذه هي اللغة التي يفهمها العالم اليوم أكثر، من غيرها، وهي التي تعزل إسرائيل، الاستعمارية والعنصرية، وهي التي تجعل للفلسطيني مصلحة مباشرة بالكفاح من أجل حقوقه، مع التمسك بقيم العدالة والحقيقة، بالمطابقة بين الشعب والأرض والقضية، وعدم النزول تحت سقف الشرعية الدولية.

وعلى صعيد الخيارات الكفاحية، يفترض ملاحظة أن الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، هي التي فرضت شكلها الكفاحي (المسلح) على الفلسطينيين، في كافة أماكن وجودهم، لكن هذا الشكل، عمليا، استبعد الأشكال الكفاحية التي انتهجها الشعب الفلسطيني في 48، وفي الضفة والقطاع (قبل إقامة السلطة)، التي انتهجت أشكال الكفاح السياسي والشعبي، والانتفاضة الشعبية. وهذا الخلل بدا واضحا في الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، إذ تبين غياب، أو ضعف، قدرة الفلسطينيين في مناطق 48 وفي الضفة على توليد أشكال كفاحية ولو سلمية يمكنها إسناد الفلسطينيين في غزة، وهو الأمر الذي حدث فعلا إبان الانتفاضة الأولى (1987-1993)، وإبان هبة الشيخ جراح (2019).

صعود "حماس" أدى إلى انقسام أو شرخ كبير في وجدان الفلسطينيين، فالأمر لم يعد يقتصر على الخلاف السياسي، والفوز بالانتخابات (2006)، وتاليا الانقسام والسيطرة على غزة (2007) إذ بات ثمة انشقاق عمودي في الحركة الوطنية الفلسطينية

ويستنتج من الفكرتين السابقتين، أن الافتراق الفلسطيني في الخيارات السياسية، يشمل الخيارات الكفاحية، أيضا، وأن تلك الخيارات لا تطابق الواقع، أو لا تتناسب مع إمكانيات الشعب الفلسطيني، والمعطيات المحيطة به، بعيدا عن العواطف والتمنيات.

مشكلة الفلسطينيين، أيضا، تتضمن ضعف إدراكهم لضرورة إيجاد معادلة تتعلق بالمجتمع الإسرائيلي، بصوغ مشتركات أو تقاطعات، بين الحركة الوطنية الفلسطينية مع اليهود الإسرائيليين المناهضين للصهيونية، وللفاشية الإسرائيلية، ولإسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، وقد بينت حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل في غزة تلك الإمكانية، داخل إسرائيل وخارجها، سيما وقد تبين أن اليمين القومي والديني المتطرف (المتمثل بحكومة نتنياهو) لا يستهدف الفلسطينيين فقط، بالاحتلال والاستيطان والعنصرية، وإنما أيضا تغليب الطابع الديني اليهودي في إسرائيل على طابعها كدولة ليبرالية وديمقراطية (نسبة لمواطنيها اليهود)، وهذا تفصيل مهم، وإن لم يكن كافيا، يجب الاشتغال عليه وتطويره ورفع سقفه، وضمن ذلك الاستثمار في التناقضات الداخلية في إسرائيل بين المتدينين والعلمانيين والشرقيين والغربيين واليمين واليسار.

باختصار، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، مع الاحترام لكل التضحيات والبطولات، ليست الأولى من نوعها التي لا تنجح في تحقيق أهدافها، إذ حصل ذلك لكثير من التجارب التاريخية التي عرفتها البشرية، وضمنها التجربة الوطنية الفلسطينية، في المراحل السابقة.  

font change