الشعب الفلسطيني... العامل الغائب في معادلة ترمب للشرق الأوسط

تفصيل ثانوي

رويترز
رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي بعد اجتماع في نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 2025

الشعب الفلسطيني... العامل الغائب في معادلة ترمب للشرق الأوسط

استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحرارة رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع في مقر إقامته بولاية فلوريدا، (مار-آ-لاغو)، في مشهد علني يعكس تماسك المواقف بين الرجلين على جبهات تمتد من غزة إلى إيران، وصولا إلى التحديات القانونية والسياسية التي يواجهها نتنياهو في الداخل. وجاء هذا اللقاء بعد أسابيع من الإشارات والتكهنات حول احتمال وجود فجوات تكتيكية بين الزعيمين في ملفات محورية، من بينها الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب ذات النقاط العشرين بشأن غزة.

لدى ترمب طموحات واسعة لخلق إرث تاريخي بوصفه صانع سلام، حتى وهو يكثف العمليات العسكرية في أماكن بعيدة مثل فنزويلا ونيجيريا، فيما يظل تحقيق سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط على رأس أولوياته.

غير أن عنصرا محوريا ظل غائبا عن نهج ترمب منذ ولايته الأولى، وهو مرشح لأن يعرقل أي تقدم جوهري في المنطقة: بذل جهد حقيقي لإعلاء صوت ملايين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس، وإدراجهم طرفا رئيسا في سلام قابل للاستمرار.

أعاد الاستعراض العلني للتلاقي بين ترمب ونتنياهو هذا الأسبوع تأكيد حقيقة باتت مألوفة، وهي أن السياسة الأميركية ما زالت تتعامل مع الشعب الفلسطيني بوصفه تفصيلا ثانويا ملحقا بالعلاقة الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية، التي تظل أولوية عليا في مقاربة ترمب للشرق الأوسط.

وكان هذا هو الحال إلى حد كبير خلال ولاية ترمب الأولى. فبعد بعض الإشارات الودية الأولى وتبادل العبارات الدافئة مع قادة السلطة الفلسطينية في العام الأول من ولايته، اتجه ترمب إلى سياسة تقوم على أقصى درجات الضغط والعزل تجاه الفلسطينيين، فأغلق المكتب الدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة، وقطع المساعدات الأميركية عن الفلسطينيين عام 2018. وفي مطلع عام 2020، أصدرت الإدارة الأولى لترمب خطة "السلام من أجل الازدهار" التي لم تحظ إلا بقدر محدود من إسهام الفلسطينيين وتعرضت لانتقادات من قياداتهم. كما أبرم ترمب في ولايته الأولى اتفاقات تطبيع بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، من دون أن يمنح القضية الفلسطينية أولوية حقيقية.

لكن من المستبعد أن يتمكن من تكرار هذه المعادلة وهو يسعى اليوم إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية وإلى سلام أوسع في الشرق الأوسط. فأكثر من عامين من حرب مدمرة بين إسرائيل و"حماس" في غزة، مقرونة بتزايد عدم اليقين في السلوك الإسرائيلي، والضربات العسكرية التي نفذتها عبر الشرق الأوسط خلال العام الماضي، دفعت دولا عربية محورية مثل السعودية إلى مزيد من الحذر والتحفظ في بناء علاقات أوثق مع إسرائيل.

في لقائه مع نتنياهو هذا الأسبوع، قال ترمب إنه غير قلق حيال أي شيء تفعله إسرائيل في غزة، مؤكدا أن إسرائيل أوفت بالتزاماتها  في اتفاق غزة "مئة في المئة"

ومع بداية ولاية ترمب الثانية، كان ثمة اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق الأسرى، لكنه لم يصمد سوى بضعة أسابيع قبل أن تقرر إسرائيل إنهاءه واستئناف عملياتها العسكرية وفرض حصار على غزة، ما فاقم الوضع الإنساني لملايين الفلسطينيين طوال الربيع والصيف والخريف من تلك الولاية. وفي أكتوبر/تشرين الأول، توصل فريق ترمب إلى اتفاق ثان لوقف إطلاق النار ضمن خطة من عشرين نقطة لا تزال، عن قصد وبقدر استثنائي، غامضة في أسئلة جوهرية، من بينها الجهة التي ستتولى حكم الفلسطينيين في غزة تحديدا، وكيف سيتم تنفيذ هدف الخطة المتمثل في نزع سلاح "حماس".

وفي لقائه مع نتنياهو هذا الأسبوع، قال ترمب إنه غير قلق حيال أي شيء تفعله إسرائيل في غزة، مؤكدا أن إسرائيل أوفت بالتزاماتها  في اتفاق غزة "مئة في المئة"، على الرغم من الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك، بما في ذلك استمرار الضربات العسكرية وتواصل القيود الإسرائيلية على إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وهدد ترمب "حماس" بأنها ستدفع ثمنا باهظا إذا واصلت رفض نزع سلاحها، كما قال إن عددا من الدول التي قد تنضم إلى قوة الاستقرار الدولية المتصورة لغزة يمكن أن تؤدي دورا في نزع سلاح الحركة، وهو احتمال يبدو ضعيفا بالنظر إلى حجم المخاطر المترتبة عليه.

أ.ف.ب
لقطة جوية تُظهر فلسطينيين متجمعين في سوق مؤقت أُقيم وسط حي دمّرته الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة

لكن العامل الأبرز الغائب عن معادلة ترمب للشرق الأوسط يظل الشعب الفلسطيني. فخطة النقاط العشرين تتضمن مجلس سلام دوليا يتولى ترمب رئاسته، وتخصص مقاعد لفلسطينيين لم تحدد أسماؤهم بعد ضمن لجنة حكم انتقالية مؤقتة من تكنوقراط فلسطينيين غير مسيسين، توكل إليهم إدارة الخدمات العامة والبلديات لسكان غزة. ويقال إن ترمب يعتزم في مطلع عام 2026 الانتقال من العموميات إلى التفاصيل في هذه النقاط الحاسمة، غير أن الدلائل قليلة على أن ترتيبات الحوكمة المقترحة ستمنح السلطة الفلسطينية دورا ذا وزن في هذه الجهود، جزئيا لأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تعارض هذا التصور. وتلك هي الحلقة الأضعف في خطة ترمب، كما أنها سمة مزمنة في مقاربته للشرق الأوسط: الاكتفاء بخطوات محدودة لا ترفع الفلسطينيين إلى موقع الشريك في الحل، ولا تمنحهم صوتا أقوى في إدارة شؤونهم.

النهج العام لترمب في خفض مستوى العلاقات مع الفلسطينيين لا يبشر بحوكمة مستدامة ولا بسيادة قانون ونظام قابلين للحياة

وفوق ذلك، فإن النهج العام لترمب في خفض مستوى العلاقات مع الفلسطينيين لا يبشر بحوكمة مستدامة ولا بسيادة قانون ونظام قابلين للحياة. ففي هذا الصيف، حظرت إدارته سفر جميع حاملي جوازات السفر الفلسطينية إلى الولايات المتحدة، بمن فيهم كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية وفلسطينيون عاديون كانوا يخططون للزيارة من أجل التعليم أو العلاج. ومؤخرا، أدرجت إدارة ترمب الفلسطينيين ضمن حظر أوسع للتأشيرات يشمل أيضا سوريين ومواطنين من عدة دول أفريقية. ويضاف إلى ذلك أن مسؤولين كبارا في إدارة ترمب، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، يستخدمون كلمة "فلسطيني" كإهانة سياسية يوجهونها لخصومهم في الداخل، في صدى لما قاله ترمب نفسه حين كان مرشحا رئاسيا عام 2024، وهو ما لا يرسم صورة تبعث على الأمل للفلسطينيين الذين يريدون أن يُحترم صوتهم وأن يكونوا جزءا من مستقبل الشرق الأوسط في مقاربة ترمب.

مسار أكثر فاعلية للمضي قدما

إذا كانت إدارة ترمب تريد أن ترى تقدما جوهريا ودائما في الشرق الأوسط، فعليها أن تجري تصحيحا للمسار على الجبهة الفلسطينية. فالدول العربية المحورية، التي كثيرا ما تباينت مواقفها في قضايا أساسية، تبدو اليوم أكثر توحدا من أي وقت مضى في دعمها لرفع شأن الفلسطينيين والمطالبة بمسار يفضي إلى حل الدولتين. ويشمل ذلك دولا خليجية عربية يتوقع ترمب منها توفير تمويل كبير وموارد أخرى لإعادة إعمار غزة، ودعم جهود أوسع للتكامل الإقليمي.

ويفاخر ترمب بأن سلوكه غير قابل للتوقع، وقد أقدم أحيانا على خطوات أربكت الحكومة الإسرائيلية الحالية في الملف الفلسطيني. ففي خريف هذا العام، أطلق تحذيرا صارما على هيئة خط أحمر ضد أي مساع إسرائيلية محتملة لضم الضفة الغربية. وفي هذا الأسبوع بالذات، أفادت تقارير بأن ترمب وكبار مساعديه حذروا نتنياهو من المسار المزعزع للاستقرار الذي تنتهجه حكومته في الضفة الغربية.

غير أن التقدم نحو سلام مستدام سيظل بعيدا ما لم يقترن ذلك بانخراط أكثر رسوخا مع الشعب الفلسطيني، انخراط يرفع أصواته في مساعي بناء السلام في المنطقة، ويجري بطريقة منسقة مع شركاء في الشرق الأوسط تختلف مقارباتهم اختلافا واضحا عن مقاربة الحكومة الإسرائيلية الحالية. ومن دون ذلك، تبدو مساعي ترمب لدفع خطته ذات النقاط العشرين نحو المرحلة الثانية غير مرشحة لإنتاج سلام دائم في المنطقة.

font change