موت المسرح العربي؟

موت المسرح العربي؟

استمع إلى المقال دقيقة

إذا كان المسرح العربي الحديث عرف وفي فترة قصيرة تيارات شتى من التجارب المسرحية استوحاها من الغرب ومن الشرق (اليابان والصين)، فلم تتلاقح ولم تتصارع ولم تتحول إلى معطيات أو مفردات تستخدم في النتائج المسرحية، فيبدو أن هذا "اللاتراكم" أو بالأحرى هذا الإفراغ الدائم للمخزون الطليعي، ظهر في مختلف العناصر المسرحية (الأداء، التقنيات، النص...) لكنه أكثر ما تجلى في الإخراج. بعدما انتقلت السلطة إليه من النص، باعتباره المحرك والمنظم والمفسر والمسؤول عن مختلف هذه العناصر، فهو زمن المخرج. والقرن العشرون كان عصر المخرج برغم وجود كتاب كبار عرب وغير عرب. فهو صاحب الرؤيا والسلطة العليا.

هذا ما جرى في الغرب أيضا مع أندريه أنطوان وستانسلافسكي وصولا إلى برشت وغروتوفسكي ومنوشكين، ومن خلال ذلك جاءت المدارس الإخراجية العديدة وانزرعت في المسرح العربي وأنتجت أعمالا مهمة ورائدة. ويمكن أن نذكر في هذا الإطار المسرح الجديد في تونس، مع المنصف السويسي وعلي بن عياد. وكذلك تجارب إبراهيم جلال وصلاح القصب وجواد الأسدي في العراق، ومنير أبو دبس وريمون جبارة وروجيه عساف ويعقوب الشدراوي في لبنان، وأسعد فضة وفواز الساجر في سوريا، وصقر الرشود وفؤاد الشطي في الكويت والطيب الصديقي، والطيب العلج في المغرب، وعبد القادر علولة وزياني الشريف في الجزائر، وكرم مطاوع وسعد أردش ونبيل الألفي في مصر... إلخ.

شكلت مجموعة كبيرة من المخرجين المتأثرين بالاتجاهات الأجنبية ظاهرة مسرحية مهمة ضمت تعددا في الرؤيا وفي الممارسة، وكونت ريبرتوارات غنية وخصبة. كأنما حاولت هذه المجموعة تأصيل الأبجديات المسرحية الخارجية وتحويلها مفردات في لغتها الإخراجية الخاصة. وعلينا هنا تحديد الفترة التي برزت فيها هذه الظاهرة المسرحية وانتشارها المتزامن تقريبا في العواصم العربية ما بين بدايات الستينات ونهايات الثمانينات، وفي هذه المساحة الزمنية ازدحمت المقولات والنظريات والإنجازات وكذلك القضايا السياسية والأيديولوجية والاجتماعية بحيث اختلطت تعابير المسرح الطليعية بوظائفه المباشرة وغير المباشرة، الرسمية والهامشية، الخاصة والعامة. وهذا يعني أنه تشكل عندنا في تلك الفترة ما يمكن أن نسميه حركة مسرحية متوازنة، جمعت بين المسرح السياسي والشعبي والنخبوي والتراثي والوافد، ومن الظلم نفي وجود مثل هذه الحركة المتنوعة الخصبة المتوازية. ومن الظلم القول إن عندنا مسرحا في العالم العربي وليس عندنا مسرح عربي. ومن الظلم القول إنه لم تبرز عندنا أعمال مهمة يوازي بعضها ما يقدم في الغرب.

من الظلم القول إن عندنا مسرحا في العالم العربي وليس عندنا مسرح عربي

على أن هذه الحركة المسرحية المتنوعة عمرت قصيرا، والمخرجون الذين كان لهم الدور الأساسي في بنائها وتطويرها بدّل معظمهم اختياراته من دون أن يربط بين رصيده أو منجزه وبين مشروعه أو تجاوزه، فجاء هذا التبديل وكأنه قطع مع الذات أولا، وكأنه انتفاء تفاعل ما مع ما يجري حوله، فكانت قطيعة مزدوجة كي لا أقول متعددة. فـالبرشتي انتقل مثلا إلى مسرح القسوة من دون أن يحتوي هذا التجريب (إذا جاز أن يكون تجريبا) على بنية تجربة المخرج أو بالأحرى على مخزون تجاربه. فبدا الأمر قفزا بلا جسور أو روابط، بين أسلوب وآخر. والذي اعتمد "المسرح الفقير" (غروتوفسكي) مثلا انتقل إلى نوع من المسرح الجمالي أو حتى الاستهلاكي كاسرا مع تجربته في عز نهوضها. فظهرت كل تجربة وكأنها وأد لأخرى، أو بديل منها.

إن هذا التنكر المتواصل للتجارب الذاتية عند المخرجين شوش رؤاهم، وأربك ممارساتهم، مما أدى إلى فقدان بصمات، أو تكوين اتجاهات متكاملة أو دينامية في تحولاتها. وإذا أضفنا ظاهرة هجرة المخرجين الطليعيين إلى التلفزيون والمسارح التجارية أو إلى مشاريع أخرى، اكتملت دائرة الحصار والعزلة على المسرح. وعندما نجد أنفسنا أحيانا نطالب الجمهور بدعم المسرح الجدي علينا أولا مطالبة أهل المسرح أنفسهم بهذا الدور.

إن كل ذلك أدى إلى انبثار التجارب عن بعضها، وإلى وضع المسرح في زوايا وأطر مغلقة، وإلى انتفاء تنامي الحركة المسرحية وإنضاجها، وانتقلت عدوى هجرة المسرح من المخرجين إلى الممثلين والتقنيين، حتى بدا المسرح اليوم يتيما خاليا أو شبه خال من أهله، لا من يغذيه ولا من يدعمه ولا من يطوره ولا من يحبه ويشغف به. أي كأن الحالة المسرحية التي لفت في تلك الفترة الذهبية كل عناصر المسرح قد تلاشت، ووهنت حتى بات يخشى البعض أن يقول إن المسرح العربي اليوم في طريقه إلى الانقراض.

على هذا الأساس نجد الجيل الجديد من المسرح العربي، ضائع، بلا هوية، ولا اتجاه ولا تقنية ولا انخراط في محاولة تجديد المسرح. إنه جيل من دون أساس، ومن دون رؤية، بل ومن دون محاولة التزام الواقع بتفرعاته وقضاياه وأزماته... والأهم غابت عنه محاولة التجريب، ومسرح بلا هوية يقع في التبسيط، وربما في التقليد ومحاولة البحث عن لغة جديدة، وقضايا جديدة، سواء كان ملتزما لرؤية أو لقضية أو يحلم بالبحث عن طرق جديدة.

ومن شاهد بعض الأعمال الشبابية اليوم في بيروت، وفي العالم العربي، في بعض المهرجانات يجد أن المسرح في درجاته السفلى، أقرب إلى التسلية، والاتجاه، لكي لا نقول إلى التسلية، انطلاقا من أن الجمهور يريد ذلك. والمؤسف أن بعض التلفزيونات والمسرحيات العربية التجارية تقدم أعمالا تافهة لا نص فيها ولا إخراج ولا حتى ممثلين مقتدرين: فمن يسيطر اليوم على المسرح العربي الذي اعتمد الكوميديا والقفشات والأغاني، والارتجالات السهلة، كأنه يساهم في خراب المسرح.

من يسيطر اليوم على المسرح العربي الذي اعتمد الكوميديا والقفشات والأغاني، كأنه يساهم في خراب المسرح

السؤال الكبير: ماذا يريد الجيل الجديد إذا كانت الحركة المسرحية العربية في المهرجانات، لا تجد فيها الروائع والأعمال التجريبية الكبيرة التي عرفها العالم العربي، بل بعض الممثلين المهرجين، حيث تقدم مسرحياتهم في البداية في ساعة ونصف الساعة الثانية، لتصبح، مع الارتجالات السخيفة، أربع ساعات.

السؤال: أين هو المسرح الجدي التجريبي الذي عرفه العرب؟ أكيد أنه في بعض المخازن المسرحية في أمكنة مهجورة ومغلقة.

font change