جيل ينتظر دوره... إشكالية القيادة داخل الحزب الديمقراطي الأميركي

سؤال التجديد

غيتي/أ.ف.ب
غيتي/أ.ف.ب
زعيم الأقلية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث برفقة عدد من النواب الديمقراطيين خلال لقاء في مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة، في 18 ديسمبر 2025

جيل ينتظر دوره... إشكالية القيادة داخل الحزب الديمقراطي الأميركي

حدد الدستور الأميركي الحد الأدنى لعمر المترشح لعضوية مجلس الشيوخ بثلاثين عاما، ولمجلس النواب بخمسة وعشرين عاما، لكنه لم يضع حدا أقصى لعمر العضو في كليهما.

ومع بداية الدورة التشريعية للكونغرس رقم 119 الحالي، شكل جيل طفرة المواليد (الذين ولدوا في الفترة من 1946 إلى 1964) الغالبية العظمى لأعضاء مجلس الشيوخ حيث بلغوا ستين من إجمالي مئة عضو، ونحو 39 في المئة من مجلس النواب (170 عضوا).

لكن "جيل إكس" (الذين ولدوا في الفترة من 1965 إلى 1980) يشكلون 41 في المئة من أعضاء مجلس النواب (180 عضوا)، مقابل 15 في المئة ينتمون لجيل الألفية (المولودين في الفترة من 1981 إلى 1996)، و4 في المئة ينتمون لما يسمى بالجيل الصامت (وهم المولودون في الفترة من 1928 إلى 1945)، فيما ينتمي عضو واحد- ماكسويل فروست المولود بعد عام 1996- إلى "جيل زد".

ويضم الكونغرس الحالي 24 عضوا تجاوزت أعمارهم ثمانين عاما ومع هذا قرر أكثر من نصفهم خوض انتخابات التجديد النصفي القادمة.

ووفقا لبحث أجراه "معهد بيو"، يقترن التغير في التركيبة العمرية للكونغرس بتحولات أخرى، منها تزامن التراجع التدريجي في عدد المشرعين المنتمين إلى جيل طفرة المواليد أو الجيل الصامت- الذين بلغ الكثير منهم سن الرشد خلال الحروب الأميركية في كوريا وفيتنام- مع انخفاض طويل الأمد في نسبة المشرعين من قدامى المحاربين. كما أدى ظهور أجيال أصغر سناً من المشرعين إلى تغييرات إضافية منها تزايد التنوع العرقي والإثني في الكونغرس.

واختارت قيادات من الحزب الديمقراطي ممن بلغوا الثمانين ونيف عدم الترشح مرة أخرى، ومن بينهم رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي (84 عاما) بعد أن أمضت نحو 40 عاما بالكونغرس، ونائبها السابق ستيني هوير (86 عاما).

ويرى الكثير من المراقبين أن الحزب الديمقراطي أصبح يعاني من الشيخوخة وسيطرة كبار السن على مفاصله، لاسيما مع وفاة ثمانية من نوابه المتقدمين في العمر خلال هذه الدورة التشريعية فقط، وبات أيضا يواجه صراعا في الأيديولوجيات بين الشيوخ الذين يمثلون أغلبية يسار الوسط ويتبنون توجهات عتيقة توالي الشركات وتحبذ الالتزام بالحصافة السياسية، وبين اليسار المتشدد الذي يتشكل أغلبه من أجيال الشباب المتحمس الذي ما فتئ يتحدى القوالب القديمة ويصبو إلى إحداث تغييرات جذرية تواكب نزعات العصر.

يرى الكثير من المراقبين أن الحزب الديمقراطي أصبح يعاني من الشيخوخة وسيطرة كبار السن على مفاصله، لاسيما مع وفاة ثمانية من نوابه المتقدمين في العمر خلال هذه الدورة التشريعية فقط


وقد بدأت حرب الأجيال داخل الحزب الديمقراطي حتى من قبل الأزمة التي أثارها إصرار الرئيس السابق جو بايدن على الترشح للرئاسة وأداؤه المخزي في المناظرات الانتخابية أمام الرئيس دونالد ترمب. وانبرى كثيرون من الليبراليين والشباب الديمقراطيين لتحدي الحرس القديم ونزول ساحة الوغى الانتخابي في تمهيديات هذا العام ومن بينهم النائب سيث مولتون البالغ من العمر 46 عاما الذي أعلن خوض السباق على مقعد مجلس الشيوخ الذي يشغله زميله في الحزب إدوارد ميركي البالغ من العمر 79 عاما. ويدفع مولتون بأن ميركي الذي ظل يتنقل بين مقاعد مجلسي الكونغرس لنصف قرن لم يعد الشخص المناسب لتلبية متطلبات هذه المرحلة ومواكبة تطلعات المستقبل.  

وفي ولاية مين أعلن المحارب القديم غرام بلاتنر (41 عاما) النزول أمام حاكمة ولاية مين جانيت ميلز (77 عاما) من أجل الترشح لانتزاع مقعد السيناتور الجمهورية سوزان كولنز بالولاية التي تميل إلى الديمقراطيين، واصفا المنافسة مع ميلز بصراع الأجيال.  

غيتي
مبنى الكونغرس الأميركي

وفي تنيسي أعلن عضو المجلس التشريعي للولاية جاستن بيرسون (30 عاما) تحدي النائب ستيف كوهين (76 عاما) الذي خدم بالكونغرس لنحو نصف قرن ومقارعته على مقعده في الانتخابات التمهيدية. واعتبر بيرسون أن الزمن الآن اختلف عما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي.

ورغم أن مسألة السن لا تختص فقط بالديمقراطيين- إذ إن دونالد ترمب هو أكبر شخص في تاريخ الولايات المتحدة يتولى الرئاسة، وأكبر عضو بمجلس النواب هو الجمهوري هال روجرز (87 عاما) كما أن الجمهوري تشارلز غراسلي (92 عاما) هو أكبر عضو بمجلس الشيوخ- إلا أن هذه المسألة تمثل قضية سياسية محورية بالنسبة للديمقراطيين الذين لا يزالون يتخبطون في حالة من التيه ويتحسسون سبيلا للخروج منها منذ خسارتهم للبيت الأبيض والكونغرس في الانتخابات الأخيرة.

وقد أقدم اثنان فقط من بين أكبر عشرة ديمقراطيين سنا في الكونغرس على التقاعد وهما السيناتور ديك ديربن والنائب داني ديفيز، فيما سيكمل ثالث، وهو نائب ساوث كارولينا جيمس كليبرن، في مقعده. حيث لا يواجه منافسة من أي من غرمائه الديمقراطيين. ويواجه ما يقرب من ثلث النواب الديمقراطيين الذين يمثلون كاليفورنيا، أكبر معاقلهم، منافسة في تمهيديات الانتخابات النصفية من أعضاء بالحزب.

ويشكو شباب الديمقراطيين من شيخوخة حزبهم منذ سنوات ومن ثم استطاعوا في عام 2022 انتخاب حكيم جيفري زعيما للديمقراطيين في مجلس النواب ليتولى القيادة بعد نانسي بيلوسي التي يصغرها بنحو 30 عاما. واكتسب منطقهم زخما بعد أداء بايدن في الحملة الانتخابية الرئاسية أمام ترمب.

وفي كناتيكت، تقدم ليوك برونين (46 عاما) ليتحدى النائب جون لارسون (77عاما) الذي أذكت إصابته بنوبة تشنجات في قاعة الكونغرس في فبراير/شباط الماضي حملة تطالب بتجديد شباب الحزب رغم إصرار لارسون الذي خدم 15 دورة متتالية في مجلس النواب دون منافس على لياقته للترشح مرة أخرى. ويؤكد برونين أن الوقت حان لكي ينظر الديمقراطيون في المرآة ويتحلوا بالشجاعة الكافية لإحداث تغييرات جذرية.

وتتجاوز الهوة بين الجيلين مسألة العمر، إذ يرى الشباب أن التهديد الفريد الذي يشكله ترمب يتطلب فكرا مبتكرا وتكتيكا ووسائل جديدة للتواصل، ويشككون في قدرة الحرس القديم على الإبحار في هذه الأنواء السياسية التي تختلف عن الأزمنة التي بدأوا فيها مسيرتهم السياسية.

يرى الشباب أن التهديد الفريد الذي يشكله ترمب يتطلب فكرا مبتكرا وتكتيكا ووسائل جديدة للتواصل، ويشككون في قدرة الحرس القديم على الإبحار في هذه الأنواء السياسية التي تختلف عن الأزمنة التي بدأوا فيها مسيرتهم السياسية 


وقد استشعر عدد من الأعضاء الكبار هذا التغيير في اتجاه الرياح السياسية ومن ثم قرروا الإحجام عن الترشح مرة أخرى، ومن بينهم نائب نيويورك جيرولد نادلر (78 عاما)، وسيناتور منيسوتا تينا سميث (67 عاما) مع الاعتراف صراحة بالحاجة الملحة إلى تولى جيل جديد مقاليد القيادة.

بيد أن بعض هؤلاء الشيوخ لا زال يصر على مواصلة النضال ومنهم نائب تنيسي كوهين الذي يؤكد أنه سيؤدي وهو في عمر 76 الآن مثلما كان يؤدي بفعالية وعمره 26 لأنه بارع في التشريع، وهو ذات المنطق الذي كان يتبناه بايدن خلال حملته القاضية.

هل لا يزال الناخب الديمقراطي يصغي إلى نوابه المسنين؟ 

لم يعد الأميركيون يتورعون عن مواجهة المسنين من المسؤولين، وفي مقدمتهم نوابهم المشرعون، بحقيقة سنهم، وهو ما لم يكن يحدث من قبل في المجتمع الأميركي الذي يراعي حساسية هذا الأمر لدى هذه الشريحة من الآدميين. ومن هذا ما حدث في واشنطن العاصمة عندما اجتمع عدد من الشخصيات لمناقشة قدرة إلينور هولمز نورتون، نائبة واشنطن العاصمة التي لا تتمتع بحق التصويت بعد أن بلغت من العمر 88 عاما، على مواصلة العمل. وصرح  مستشار لعمدة العاصمة علنا بأن نورتون لم تعد قادرة على الإبحار في مياه السياسة كما كانت من قبل. لكن نورتون رفضت هذه المخاوف بشأن عمرها وأكدت أنها تنوي الترشح لولاية أخرى، متعجبة من أسباب المطالبة بتقاعدها! لكن دونا برازيل، المنظرة الاستراتيجية للحزب الديمقراطي واجهتها صراحة بأن الوقت قد حان لكي تتنحى بعد أن باتت تنسى الأسماء وتتلعثم في تجميع الجمل وتتعثر في قراءة البيانات أو التعرف على زملائها القدامى.

وقد شحذت معضلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة من عزيمة الليبراليين التقدميين وأذكت شهيتهم في عدم التسامح مع إصرار المسنين على نفس النهج بعد ما تسبب فيه بايدن، وأيضا رفض قاضية المحكمة العليا اليسارية روث بادر جينسبيرغ التنحي لكي تتيح للرئيس الديمقراطي ترشيح قاضية أخرى ليبرالية بدلا من الانتظار حتى تولي ترمب لكي يضيف إلى المنصة قاضيا محافظا آخر يصوت إلى جانب الجمهوريين، فضلا عن وفاة السيناتور الديمقراطية ديانا فاينستاين في مكتبها بالكونغرس بعد أن بلغت التسعين عاما.

وازداد الإحباط والمخاوف لدى ولايات عديدة تعد معاقل لسيطرة الديمقراطيين وفي مقدمتها كاليفورنيا التي سيواجه فيها نصف النواب الحاليين منافسة شرسة من نظرائهم الديمقراطيين في الانتخابات النصفية القادمة، إلى جانب ميريلاند وماساتشوستس.

ويرى الديمقراطيون أن الانتخابات المقبلة تتيح فرصة نادرة لمواجهة أجندة الرئيس ترمب من خلال استرداد أغلبية مجلسي الشيوخ والنواب من الجمهوريين.

أ ف ب
يلقي عمدة مدينة نيويورك، زهران مامداني، خطابه بمناسبة مرور 100 يوم على توليه منصبه في ماسبيث، نيويورك، في 12 أبريل 2026

ويعول جيل التحدي الذي ينافس شاغلي المقاعد النيابية على توظيف المناخ الإعلامي الذي يسهل على الطامحين المغمورين المستجدين على الساحة السياسية الانتشار واقتحام مدارك الناخبين، مثلما فعل زهران ممداني في  نيويورك في الانتخابات التمهيدية على الترشح لمنصب عمدة المدينة من خلال سيل فيديوهاته على وسائل التواصل. وينزل هؤلاء الشباب الساحة رغم التحذيرات من الآثار العكسية لمغامراتهم بتشتيت الموارد التي يحتاج إليها الحزب بشدة للفوز في الدوائر المتأرجحة. لكن سبق السيف العذل حيث برزت الانقسامات الأيديولوجية في الواجهة وأطلت الهوة بين الأجيال برأسها وتفاقم الشعور بالضيق من الوضع الراهن وتفوق الكثير من المتطلعين الشباب على أقرانهم الشيوخ في جمع التبرعات من أمثال إريك جونز البالغ من العمر 34 عاما والذي يتحدى النائب مايك تومسون البالغ من العمر 74 عاما إذ تمكن من جمع مليون دولار خلال 24 ساعة فقط. جونز الذي يتبنى خطابا شعبويا يدغدغ مشاعر الطبقة المتوسطة من الناخبين يرى أن الحزب الديمقراطي أصبح "حزب النخبة". واتهم آخرون من الطامحين بني حزبهم من الجيل القديم بالفشل في مواكبة حقبة ترمب، ويعتقدون أن التغيير الشامل هو السبيل لإعادة إحياء الحزب من جديد وتجديد ركائز المؤسسة بأسرها، وليس فقط تطعيم صفوفه بعدد من الكوادر الشابة. فمواجهة الحزب الجمهوري الذي كان يؤمن ذات يوم بالديمقراطية بنفس الوسائل التقليدية لم يعد صالحا اليوم.

ويتفق الفريق الآخر مع الطامحين الجدد على الحاجة إلى التغيير، لكنه لا يرى أن مهاجمة الديمقراطيين بعضهم البعض هو السبيل الصحيح لهذا التغيير، محذرين من أن هذا يشق صفوف الحزب ويصب في النهاية لصالح الجمهوريين.

تظل مسألة العمر عاملا مهماً في حسم أزمة الديمقراطيين، لكن العامل الأهم يكمن في تبني خطاب وسياسات تلمس اهتمامات الناخب على غرار النهج الناجح الذي سلكه عمدة نيويورك الشاب زهران ممداني 


وتظل مسألة العمر عاملا مهماً في حسم أزمة الديمقراطيين، لكن العامل الأهم يكمن في تبني خطاب وسياسات تلمس اهتمامات الناخب على غرار النهج الناجح الذي سلكه عمدة نيويورك الشاب زهران ممداني الذي أسر قلوب مؤيديه بالعزف على آلامهم وآمالهم والتماهي مع معاناتهم وامتلاك القدرة والشجاعة على السباحة ضد تيار الرأسمالية الجارف بل وضد تيار التحالفات العتيقة والشرسة من "وول ستريت" إلى الجماعات الداعمة لإسرائيل، على ما عرف عنها من السطوة والنفوذ.

وهذا ما يجعل كثيرا من الأميركيين ينادون بوضع حد أقصى لعمر النائب لإتاحة الفرصة أمام جيل جديد وفكر متطور وحماس مؤثر وتحديث المؤسسة الديمقراطية العتيقة التي لا تفتأ تكرر نفسها وسط عالم لا يتوقف عن التطور والتغير.

وثمة تذكرة يمكن استلهامها من تجربة ممداني في نيويورك، وهي أن الحرس القديم لن يتخلى هكذا بسهولة عن السلطة في الحزب، بل يجب على الطامحين ممن يمتلكون الموهبة والعزيمة وطول النفس أن ينتزعوها من بين أنيابه انتزاعا. وعلى عواجيز الحزب أن يعلموا أن تفضيل الأقدمية على الكفاءة والموهبة والقدرة على التواصل مع الجماهير ومعايشة قضاياهم اليومية وكسر قوالب الأداء المتحجر سياسيا هو ما أفضى بالديمقراطيين إلى هذا المستوى الفوضوي من التخبط والارتباك

font change