قد يكون طوفان نهر الفرات الأخير، والخوف من الكارثة، عاد بالكثيرات والكثيرين كما عاد بي إلى فيلم عمر أميرالاي التسجيلي "طوفان في بلاد البعث" عام 2003.
الكارثة تتخطى الطوفان ذاته، وهي تضع هشاشة محافظات شرق سوريا التي عانت فيض الحروب والجفاف والتفتت والتهميش والظلم سابقا، وتعاني الإهمال والإغفال والتقصير لاحقا بعد التحرير، في بؤرة الضوء والخشية على مصيرها وأهلها، أولئك الذين قاوموا أعتى طاغية، بالشعر والفن والأدب والنضال السياسي.
أودع أميرالاي لنا فيلمه هذا بعد عام من طوفان وتهدم سد زيزون، أقصى سهل الغاب بِـرِيفِ حماه، وسدود أخرى مجاورة وتصدعات أصابت سد الفرات. وكانت الخسائر البشرية كما المادية والزراعية وثروة البلاد قد أوجعت كثيرا البلاد. وقد رأى الفيلم أن تهدم سد بناه نظام فاسد، يتكشف عن الفساد في بناء كل السدود التي بناها وسيبنيها هذا النظام.
في فيلمه هذا قرر أميرالاي العودة إلى مكان تصوير فيلمه الأول الذي كان رحب فيه بمشروع بناء سد الفرات ولام نفسه لاحقا على هذا الترحيب: "عام 1970 كنت من مؤيدي تحديث بلدي سوريا بأي ثمن، ولو كان الثمن تكريس فيلمي الأول للإشادة بأحد منجزات (حزب البعث) الحاكم، بناء سد الفرات. واليوم ألوم نفسي على ما فعلت. فانهيار أحد السدود التي شيدها "البعث" مؤخرا وتشقق سدين آخرين أحدهما سد الفرات، واحتمال تعرض باقي السدود للمصير ذاته، كل ذلك يجعلني أعود لتفقد المكان الذي قادني إليه في يوم من الأيام حماسي الشاب. حول بحيرة الأسد يمتد اليوم بلد اسمه سوريا الأسد". كان أميرالاي يقصد النظام في رفضه، وولى الأسد وبقي السد للبلد.
سخر الفيلم من آلية تشييد النظام لبنية النظام، تم تدشين السد في أعقاب "حرب تشرين" التحريرية. كي ينفخ التدشين في عظمة النصر.
كان "طوفان بلاد البعث" طوفانا في الفساد التربوي والتعليمي وعسكرة البلاد التي انتهجها الأب والابن. وكما افتخر الأب بالإنجازات التحريرية القومية، افتخر الابن بالتحديث.
يفتت الفيلم بسخرية وسينما جمالية ذات موقف أخلاقي صارم من البشاعة، أسطورة إنجازات النظام الذي اعتمد التضخيم في كل شيء، في القمع، في الرقابة، في البروباغندا، في التعذيب، في نهب البلاد، في الرعب وفي الضجيج والعنف الذي رافق عهده، وفي فكرة خلود الأسد.
حول بحيرة الأسد كان يمتد بلد أطلقوا عليه اسم سوريا الأسد. من هذه الـ"سوريا" اختار المخرج قرية اسمها "الماشي" في منطقة منبج قرب الفرات. اعتبر أميرالاي قرية "الماشي" صورة مصغرة عن سوريا الأسد. فهي تدار من قبل شيخ عشيرة من آل الماشي، أمضى أربعين عاما عضوا في مجلس الشعب، "وكان حافظ الأسد بالنسبة له صرحا ديمقراطيا راسخا أرسى فجر التصحيح". وكانت مدرسة الماشي في قرية الماشي تدار من قبل ابن أخ عضو مجلس الشعب من عائلة الماشي أيضا في عهد بشار الأسد.
كان طوفان بلاد البعث طوفانا في الفساد التربوي والتعليمي وعسكرة البلاد التي انتهجها الأب والابن
في لقطة فريدة بدلالاتها وقسوة ما تشي به من استلاب، خصصت قاعة في المدرسة لاستقبال جهاز كمبيوتر. يقدم لنا مدير المدرسة الصناديق التي علب بها الجهاز: كرتونة الكمبيوتر، وكرتونة الكيبورد، وكرتونة الطابعة، وكرتونة الشاشة. وضعت الكراتين على منصة في صدر القاعة احتراما ودلالة على رمزية المكرمة التي أرسلها الرئيس بشار الأسد للمدرسة. ولم تكن قاعة الكمبيوتر سوى الدليل القاطع على تحديث التعليم في عهد بشار الأسد. حدث المدير اسم المدرسة إلى سوريا بشار حافظ الأسد.
يصل الفيلم إلى ذروة الطوفان، حين تقرأ طفلة في نهاية المرحلة الابتدائية في حصة القراءة مقطعا من الدرس المقرر عن نهر الفرات: "في الخامس من يوليو/تموز دخل نهر الفرات إلى المدرسة الجديدة ليتعلم كيف يقرأ ويكتب وكيف يمارس الحب مع الحقول الجديدة، وعلى باب المدرسة نزع الرئيس حافظ الأسد عن النهر عباءته الطينية، وقص له شعره الأشعث، كنهر متحضر، السد عمل قومي من أعمال التحرير مما يعني أن لفلسطين حصتها فيه".
تحررت سوريا من طوفان البعث، تحررت من سوريا الأسد، ودخلت في زمنها الجديد الخاص والعام، الحاجة الملحة إلى تحقيق العدالة الانتقالية ودولة المواطنة والانتخابات الحرة، وكل ما يمكن أن يجفف ضيم سنوات الاستبداد الطويلة؛ كي تتفتح سوريا على تعدديتها الثقافية وثرائها الإثني والديني والحضاري وتنهض. ليست المرة الأولى التي يفعل السوريون فيها المستحيل، فالشعب الذي هزم أعتى طاغية، سيستطيع.