بينما تشهد الجغرافيا السياسية العالمية تحولات كبرى، وتدور الحروب والأزمات الرئيسة، من سوريا إلى أوكرانيا وإيران، في الجوار المباشر لتركيا، تبدو أنقرة منشغلة باضطراب داخلي عميق يطال صميم حياتها السياسية.
فقد أُقصيت أخيرا قيادة "حزب الشعب الجمهوري"، حزب المعارضة الرئيس، بزعامة أوزغور أوزيل، الذي انتُخب رئيسا للحزب في مؤتمره عام 2023، بعدما ألغى القضاء ذلك المؤتمر وأمر بالعودة إلى الوضع الذي كان قائما قبله. وبذلك عاد كمال كليتشدار أوغلو، الرئيس السابق للحزب، إلى القيادة مع فريقه القديم، بعد مسيرة خسر خلالها الانتخابات الإحدى عشرة كلها على مدى 13 عاما من رئاسته للحزب.
وفي ظل قيادة أوزيل، تلقى "حزب العدالة والتنمية"، الذي فاز بكل انتخابات خاضها منذ وصوله إلى السلطة عام 2002، أكبر هزيمة انتخابية في تاريخه خلال الانتخابات المحلية عام 2024، بعدما فاز "حزب الشعب الجمهوري" في المدن الكبرى جميعها، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة وأزمير.
ومنذ ذلك الحين، أخذت متاعب "حزب الشعب الجمهوري" تتكاثر. فأكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول ومرشح "حزب الشعب الجمهوري" للرئاسة، والذي كان يُنظر إليه على أنه أقوى منافسي رجب طيب أردوغان، موقوف الآن ويحاكم منذ مارس/آذار 2025 بتهم فساد. كما أُلغيت شهادته الجامعية، وهي شرط للترشح للرئاسة، وأُقيمت ضده أخيرا قضية منفصلة بتهمة التجسس السياسي.
وخلال العامين الماضيين، أُقيل، إلى جانب إمام أوغلو، نحو 50 من رؤساء البلديات التابعين لـ"حزب الشعب الجمهوري" بتهم فساد، وسُجن عدد منهم، فيما حل محل بعضهم أوصياء عينتهم الحكومة.
وأعلن كمال كليتشدار أوغلو، الذي عاد إلى المنصب بموجب حكم قضائي، أن الحزب سيعقد مؤتمرا حزبيا وانتخابات قيادية فور أن يصبح الحكم القضائي، المطعون فيه حاليا، نهائيا.
ويرى أنصار أوزغور أوزيل أن عودة كمال كليتشدار أوغلو وفريقه إلى قيادة "حزب الشعب الجمهوري" لم تأتِ عبر إرادة قواعد الحزب، بل بفعل قرار قضائي، ولذلك يصفونهم بـ"حزب الشعب الجمهوري المعين". ويعتقد هؤلاء أن القيادة الجديدة لن تتخلى عن موقعها طوعا، ولن تفسح المجال لانتخابات داخلية قد تعيد أوزيل وفريقه، بل ستسعى إلى البقاء حتى موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وقد انحازت الغالبية الساحقة من قواعد "حزب الشعب الجمهوري" ومؤيديه إلى أوزغور أوزيل، غير أن الأحكام القضائية تمنح كليتشدار أوغلو أفضلية قانونية.
وفي هذه المرحلة، لا يبدو أي من الطرفين مستعدا للتراجع، فيما يصب الصراع بين الجناحين المتنازعين داخل "حزب الشعب الجمهوري" في مصلحة الحزب الحاكم.
وترفض حكومة "حزب العدالة والتنمية" الاتهامات القائلة إن ما يجري جزء من مشروع مدبر لإضعاف المعارضة وتفتيتها عبر توظيف مؤسسات الدولة ومواردها، ولا سيما القضاء وأجهزة إنفاذ القانون.
وقال الرئيس رجب طيب أردوغان، زعيم "حزب العدالة والتنمية"، إن الاضطراب الراهن ناجم عن صراعات داخلية في "حزب الشعب الجمهوري"، وعن مخالفات قانونية ارتكبها بعض مسؤوليه. وأكد أن الحكومة لا صلة لها بما يجري، وأن القضاء المستقل يؤدي واجبه فحسب، في حين يقول "حزب الشعب الجمهوري" وشخصيات معارضة أخرى إن استقلال القضاء لم يعد قائما في تركيا.


