إقصاء قيادة "حزب الشعب الجمهوري"... قضية قضائية أم هندسة سياسية؟

اتهامات لأردوغان بتهيئة الأرضية التي تتيح له الترشح لولاية ثالثة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أوزغور أوزيل، زعيم حزب الشعب الجمهوري، يدلي ببيان عقب مداهمة الشرطة لمقر الحزب في أنقرة، في 24 مايو 2026

إقصاء قيادة "حزب الشعب الجمهوري"... قضية قضائية أم هندسة سياسية؟

بينما تشهد الجغرافيا السياسية العالمية تحولات كبرى، وتدور الحروب والأزمات الرئيسة، من سوريا إلى أوكرانيا وإيران، في الجوار المباشر لتركيا، تبدو أنقرة منشغلة باضطراب داخلي عميق يطال صميم حياتها السياسية.

فقد أُقصيت أخيرا قيادة "حزب الشعب الجمهوري"، حزب المعارضة الرئيس، بزعامة أوزغور أوزيل، الذي انتُخب رئيسا للحزب في مؤتمره عام 2023، بعدما ألغى القضاء ذلك المؤتمر وأمر بالعودة إلى الوضع الذي كان قائما قبله. وبذلك عاد كمال كليتشدار أوغلو، الرئيس السابق للحزب، إلى القيادة مع فريقه القديم، بعد مسيرة خسر خلالها الانتخابات الإحدى عشرة كلها على مدى 13 عاما من رئاسته للحزب.

وفي ظل قيادة أوزيل، تلقى "حزب العدالة والتنمية"، الذي فاز بكل انتخابات خاضها منذ وصوله إلى السلطة عام 2002، أكبر هزيمة انتخابية في تاريخه خلال الانتخابات المحلية عام 2024، بعدما فاز "حزب الشعب الجمهوري" في المدن الكبرى جميعها، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة وأزمير.

ومنذ ذلك الحين، أخذت متاعب "حزب الشعب الجمهوري" تتكاثر. فأكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول ومرشح "حزب الشعب الجمهوري" للرئاسة، والذي كان يُنظر إليه على أنه أقوى منافسي رجب طيب أردوغان، موقوف الآن ويحاكم منذ مارس/آذار 2025 بتهم فساد. كما أُلغيت شهادته الجامعية، وهي شرط للترشح للرئاسة، وأُقيمت ضده أخيرا قضية منفصلة بتهمة التجسس السياسي.

وخلال العامين الماضيين، أُقيل، إلى جانب إمام أوغلو، نحو 50 من رؤساء البلديات التابعين لـ"حزب الشعب الجمهوري" بتهم فساد، وسُجن عدد منهم، فيما حل محل بعضهم أوصياء عينتهم الحكومة.

وأعلن كمال كليتشدار أوغلو، الذي عاد إلى المنصب بموجب حكم قضائي، أن الحزب سيعقد مؤتمرا حزبيا وانتخابات قيادية فور أن يصبح الحكم القضائي، المطعون فيه حاليا، نهائيا.

ويرى أنصار أوزغور أوزيل أن عودة كمال كليتشدار أوغلو وفريقه إلى قيادة "حزب الشعب الجمهوري" لم تأتِ عبر إرادة قواعد الحزب، بل بفعل قرار قضائي، ولذلك يصفونهم بـ"حزب الشعب الجمهوري المعين". ويعتقد هؤلاء أن القيادة الجديدة لن تتخلى عن موقعها طوعا، ولن تفسح المجال لانتخابات داخلية قد تعيد أوزيل وفريقه، بل ستسعى إلى البقاء حتى موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقد انحازت الغالبية الساحقة من قواعد "حزب الشعب الجمهوري" ومؤيديه إلى أوزغور أوزيل، غير أن الأحكام القضائية تمنح كليتشدار أوغلو أفضلية قانونية.

وفي هذه المرحلة، لا يبدو أي من الطرفين مستعدا للتراجع، فيما يصب الصراع بين الجناحين المتنازعين داخل "حزب الشعب الجمهوري" في مصلحة الحزب الحاكم.

وترفض حكومة "حزب العدالة والتنمية" الاتهامات القائلة إن ما يجري جزء من مشروع مدبر لإضعاف المعارضة وتفتيتها عبر توظيف مؤسسات الدولة ومواردها، ولا سيما القضاء وأجهزة إنفاذ القانون.

وقال الرئيس رجب طيب أردوغان، زعيم "حزب العدالة والتنمية"، إن الاضطراب الراهن ناجم عن صراعات داخلية في "حزب الشعب الجمهوري"، وعن مخالفات قانونية ارتكبها بعض مسؤوليه. وأكد أن الحكومة لا صلة لها بما يجري، وأن القضاء المستقل يؤدي واجبه فحسب، في حين يقول "حزب الشعب الجمهوري" وشخصيات معارضة أخرى إن استقلال القضاء لم يعد قائما في تركيا.

تعاني تركيا منذ سنوات تضخما مرتفعا، فيما يشكل ارتفاع كلفة المعيشة الهم الأكبر للرأي العام التركي. فالتضخم، الذي بلغ نحو 120 في المئة عام 2015، ولم يتراجع إلا إلى 33 في المئة، بحسب الأرقام الرسمية

ويتهم "حزب الشعب الجمهوري" الحكومة التركية بأنها أوكلت إلى أكين غورليك، كبير المدعين العامين السابق في إسطنبول والمقرّب من "حزب العدالة والتنمية"، مهمة توظيف القضاء لإضعاف الحزب وتفكيكه، بعد تعيينه أخيرا وزيرا للعدل بقرار من أردوغان.

وبحسب المعارضة، فإن الهدف الأوسع من ذلك هو تهيئة الأرضية القانونية والسياسية والبرلمانية التي تتيح للرئيس أردوغان الترشح لولاية ثالثة، وهو ما لا يسمح به الدستور الحالي، ثم الفوز في الانتخابات المقبلة.

ومن المقرر أن تُعقد الانتخابات في مايو/أيار 2028. غير أن ثمة حديثا عن احتمال تقديم موعدها إلى الربع الأخير من عام 2027، فضلا عن احتمال آخر يتمثل في دعوة "حزب العدالة والتنمية" إلى انتخابات مبكرة خلال أشهر قليلة، إذا رأى أن ميزان القوى الانتخابي يميل لمصلحته.

رويترز
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع سلجوق بيرقدار، رئيس مجلس إدارة شركة بايكار التركية للصناعات الدفاعية، وهالوك بيرقدار، الرئيس التنفيذي للشركة، ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، في حفل ختام معرض ساها الدولي للدفاع والطيران، إسطنبول

وفي هذا السياق، تبرز أربعة ملفات رئيسة في حسابات "حزب العدالة والتنمية" عند تحديد موعد الانتخابات:

إضعاف حزب المعارضة الرئيس

أثار تصاعد شعبية "حزب الشعب الجمهوري"، وأكرم إمام أوغلو على وجه الخصوص، قلق الرئيس أردوغان وحزبه الحاكم، اللذين يسعيان إلى تحييد هذا التهديد باستخدام كل أداة متاحة.

تغيير الحسابات البرلمانية

للحصول على العدد اللازم من النواب في البرلمان، أي 400 من أصل 600، بما يتيح تمرير تعديلات دستورية تسمح للرئيس أردوغان بالترشح لولاية جديدة وتمهد لإصلاحات قانونية أخرى، يحتاج الحزب إلى أصوات إضافية. ويمكن تحقيق ذلك عبر انتقال نواب من أحزاب أخرى، وحشد دعم حزب سياسي آخر. وفي هذه الحالة، لا يبدو أن هناك مصدرا ذا وزن حقيقي سوى "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب"، المؤيد للأكراد.

إنجاز مشروع "تركيا بلا إرهاب"

يراهن "حزب العدالة والتنمية" على أن إنهاء إرهاب "حزب العمال الكردستاني" على نحو دائم، وحل ما يسمى القضية الكردية، قد يضمنان له دعم "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" المؤيد للأكراد، ويجذبان إليه بعض الناخبين الأكراد على الأقل في الانتخابات. غير أن المجتمع التركي شديد الحساسية تجاه هذه القضية البالغة التعقيد. وإذا لم تجر الأمور وفق الخطة المرسومة، فقد يجد "حزب العدالة والتنمية" نفسه يخسر أصواتا وهو يحاول كسبها.

تجاوز التحديات الاقتصادية

تعاني تركيا منذ سنوات تضخما مرتفعا، فيما يشكل ارتفاع كلفة المعيشة الهم الأكبر للرأي العام التركي. فالتضخم، الذي بلغ نحو 120 في المئة عام 2015، لم يتراجع إلا إلى 33 في المئة، بحسب الأرقام الرسمية. كما أن حزم الحوافز الحكومية المقدمة للمستثمرين الأجانب لم تحقق النتائج المتوقعة. أما أسعار الفائدة، والمبالغة في قيمة العملة، وأرقام البطالة، فتقف كلها في موقع معاكس لما تريده الحكومة.

يُعزى امتناع أردوغان المستمر عن توجيه أي انتقاد إلى الولايات المتحدة، رغم إدانته الشديدة لإسرائيل بسبب فلسطين والحرب مع إيران، إلى تقديره لسياسات ترمب تجاه تركيا، وحرصه على عدم تعريض علاقته الجيدة بالرئيس الأميركي للخطر

وتحتاج الحكومة إلى بيئة داخلية إيجابية كي تهيئ الشروط السياسية والاقتصادية التي تريدها. غير أن المؤشرات لا توحي بقرب انتهاء التطورات السلبية التي تهز السياسة التركية، بل ترجح تعمق الانقسامات القائمة وظهور تصدعات إضافية.

وتحمل قمة حلف شمال الأطلسي، التي ستعقد في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز، وسيحضرها قادة الدول الأعضاء في الحلف، ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أهمية كبيرة للرئيس أردوغان. فإلى جانب المكانة التي تمنحها استضافة القمة، ستتاح للرئيس أردوغان فرصة عرض رؤيته أمام المجتمع الدولي على أوسع نطاق ممكن، فضلا عن استضافة الرئيس ترمب.

ويتوقع كثير من المحللين أن تشهد مرحلة ما بعد قمة حلف شمال الأطلسي تطورات جديدة ضد المعارضة، قد تشمل رفع الحصانة البرلمانية عن بعض أعضاء أحزاب المعارضة واعتقالهم، بمن فيهم أوزغور أوزيل. وإذا مضت الحكومة في تشديد الضغط على المعارضة، فإنها ستجازف بتعزيز الاتهامات القائلة إن تركيا باتت في ظل نظام حكم يبتعد باطراد عن الديمقراطية.

وفيما تنشغل الجبهة الداخلية بهذه التطورات، تتداخل حسابات الداخل التركي مع ملفات الخارج، ولا سيما العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقضايا الشرق الأوسط وإسرائيل.

وقد شهدت العلاقات التركية-الأميركية تحسنا ملحوظا في عهد ترمب، وإن بقيت ملفات ثنائية عدة عالقة، من بينها إخراج تركيا من برنامج مقاتلات "إف-35".

أ.ف.ب
كمال أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري (CHP) المعارض الرئيسي في تركيا، يلقي خطابا في مقر الحزب بأنقرة في 30 مايو 2026

كما رحبت أنقرة بسياسة ترمب في سوريا، وبقرار واشنطن وقف الدعم المقدم إلى "وحدات حماية الشعب الكردية"، أو إعادة ضبطه على الأقل.

ويُعزى امتناع أردوغان المستمر عن توجيه أي انتقاد إلى الولايات المتحدة، رغم إدانته الشديدة لإسرائيل بسبب فلسطين والحرب مع إيران، إلى تقديره لسياسات ترمب تجاه تركيا، وحرصه على عدم تعريض علاقته الجيدة بالرئيس الأميركي للخطر.

أما علاقات تركيا مع إسرائيل فشديدة التوتر، وتتخللها سجالات لفظية متكررة. فقد وصف الرئيس أردوغان إسرائيل بأنها دولة ترتكب إبادة جماعية، كما يتصدر صفوف المعسكر المناهض لنتنياهو.

في المقابل، تنسق إسرائيل مع خصوم تركيا التقليديين، أي اليونان والقبارصة اليونانيين، في شرق المتوسط، وتنتهك سيادة سوريا، وتكثف ضغوطها في الولايات المتحدة، داخل الكونغرس والإدارة، لدفع واشنطن إلى الضغط على أنقرة.

تركيا وإسرائيل، رغم الخطاب الحاد، حريصتان على أن لا يبلغ التوتر حد الصدام العسكري

ويرى بعض المحللين أن خطر انزلاق التوترات السياسية إلى مواجهة مسلحة كان سيزداد لولا ترمب، فيما يشير آخرون إلى أن تركيا وإسرائيل، رغم الخطاب الحاد، حريصتان على أن لا يبلغ التوتر حد الصدام العسكري.

وقد تتصاعد المشكلات أيضا على الجبهة التركية-الأوروبية، بعدما أعلن أعضاء في البرلمان الأوروبي عزمهم الدفع باتجاه حمل مجلس الاتحاد الأوروبي على اتخاذ إجراءات ضد تركيا على خلفية التطورات السياسية الداخلية الأخيرة.

أ.ف.ب
مقاتلات من حزب العمال الكردستاني يصطفون لوضع أسلحتهم في حفرة خلال مراسم في السليمانية، بإقليم كردستان العراق،11 يوليو 2025

ورغم أن تركيا مرشحة منذ زمن طويل لعضوية الاتحاد الأوروبي، فإن أيا من الطرفين لا يبدي حماسة حقيقية لهذا المسار، باستثناء أشكال محدودة من التعاون في ملفات الدفاع والطاقة والهجرة غير الشرعية.

وإذا لم تُضبط الاضطرابات الداخلية في تركيا، فقد تتفاقم أكثر، مع تداعيات تتجاوز حدود الداخل وتمتد إلى الشؤون الدولية.

font change

مقالات ذات صلة