مالي وطوارقها... حين تُنتج الدولة عدوّها

مالي وطوارقها... حين تُنتج الدولة عدوّها

قد تتحوّل الأحداث الراهنة في دولة مالي إلى كارثة ذات أبعاد عالمية في أي لحظة، ومع ذلك لا يستطيع أي متابع للأوضاع العامة هناك أن يتخذ مواقف سياسية واضحة وأخلاقية متسقة تجاهها، لكثرة ما يعتريها من تعقيد وتشابك على كافة المستويات. فطرفا النزاع المتصارعان يكادان يتطابقان في كل شيء تقريباً، قيماً وسلوكاً، وإن تباينا في الأفكار والآفاق التي يطرحانها لمستقبل البلاد ومجتمعاتها المتداخلة بالضرورة مع محيطها الإقليمي والعالم أجمع.

فمن جهة، ثمة تنظيم أصولي مسلح هو "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، يقوم في جوهره على أبناء عرقية الطوارق، ويستند إلى جماعات عرقية أخرى تتشابه ظروفها مع المظالم التاريخية للطوارق، وإن كانت أقل عدداً، كقبائل الفولاني. يشنّ هذا التنظيم هجمات عنيفة على مراكز المدن ومقار الجيش والمؤسسات الحكومية منذ أشهر، لا يُراعي فيها حُرمة المدنيين من نساء وأطفال، ولا يأبه بالبنية التحتية، ساعياً إلى تأسيس نظام حكم ديني متطرف بقيادة شخصيات لا تُخفي روابطها مع أشد التنظيمات الراديكالية تطرفاً على مستوى العالم.

وفي مواجهته، ثمة سلطة عسكرية انقلابية حاكمة لا تقلّ اندفاعاً في سلوكها الحربي عمّا تمارسه الجماعة المتطرفة ذاتها، وهو ما توثّقه تقارير المنظمات الدولية. وتمارس هذه السلطة ملاحقة سياسية مفتوحة بحق الشخصيات والأحزاب والمؤسسات المدنية كافة، ولا تتطلع إلا إلى تشييد نظام عسكري دائم الحكم يستمد شرعيته الداخلية من رضا الخارج، ومن نخب اقتصادية واجتماعية محلية مرتبطة بمنظومة العسكر ومستفيدة منها.

ولم تنشأ هذه الثنائية المستعصية من فراغ، بل هي نتاج أدوات وسياقات بعينها أطاحت بدول كثيرة وأنظمة حكم متعددة واستقرار مجتمعات أخرى، مرّت لغير صدفة بالمسارات والخيارات السياسية والأيديولوجية ذاتها.

في مالي، مرّت مرحلة تفكك الاستعمار الفرنسي في غرب أفريقيا فوق الجسد السياسي والثقافي لـ"أمة الطوارق"، دون أن تمنحهم أي كيان سياسي خاص بهم، أو مناطق حكم ذاتي، أو حتى اعترافاً دستورياً بحقوقهم السياسية والثقافية. فانتفضوا رفضاً للإقصاء الذي طالهم، فسحقتهم الآلة العسكرية الناهضة في البلاد آنذاك. وعلى هذا الأساس السياسي وهذا الخطاب الأيديولوجي المناهض للطوارق، تمكّن العسكريون الماليون من تكريس شرعيتهم عبر انقلابات متتالية شهدتها البلاد مرات عديدة فيما بعد.

النُخب السياسية والثقافية في مالي على تنوّعها، ليست بريئة من نزعة قومية وطنية مضمرة تحمل في داخلها كل الاستبطانات الفاشية، تحت غطاء خطاب الوحدة الوطنية وصون وحدة البلاد

وعلى امتداد مراحل الدولة الحديثة، ظلّت المناطق الشمالية التي يقطنها الطوارق عُرضة لأشد صنوف التمييز السياسي والقانوني والاقتصادي، مع محاولات ممنهجة لطمس الهوية الثقافية وإحكام السيطرة الأمنية، فتحوّلت إلى ما يشبه المستعمرة الداخلية داخل دولة مالي، التي تهيمن عليها نُخب الجنوب المركزية اقتصادياً وسياسياً ورمزياً.

جرّاء ذلك، ونتيجة لموجات القمع المتواصلة، تشرّد الطوارق شعباً ومجموعات مسلحة وقوى سياسية في بلدان الجوار، وباتوا لقمة سهلة بيد الأنظمة المحيطة، كنظام القذافي في ليبيا، الذي وظّفهم في مشاريعه. لكنهم أيضاً، وبسبب حالة المحق والنكران المزمنة التي طالتهم في بلادهم، انخرطوا في تيارات أيديولوجية شديدة التطرف، قومية ويسارية وقبلية وقارية، جاءت الأصولية الإسلامية الراهنة آخر تجلياتها.

يقدّم استعصاء مالي الراهن، الذي يهدد بالتحوّل إلى كارثة في أي لحظة، نموذجاً صارخاً يُضاف إلى سلسلة طويلة من التجارب العالمية، تُثبت كل واحدة منها كيف أن مقدمات بعينها لا تُنتج في نهاية المطاف إلا الكارثة، مهما تأخر موعدها وتعدّدت مساراتها. وهذه المقدمات هي: الإفراط في مركزية الدولة، وتغليب الحلول العسكرية والأمنية على نظيراتها السياسية التوافقية، واستئثار جماعة قومية أو دينية أو مناطقية بالثروة المادية والرمزية للبلاد على حساب الجماعات الأقل عدداً وحضوراً، وترك أبناء هذه الجماعات المهمّشة ليكونوا أدوات بيد القوى والأنظمة المحيطة.

غير أن هذه القراءة السياقية لن تبلغ رؤية واضحة ومعرفة ناضجة دون ممارسة نقد جذري مزدوج لتاريخ هذا البلد ومساراته؛ نقد داخلي ونقد خارجي.

فالنُخب السياسية والثقافية في مالي على تنوّعها، واليسارية والوطنية منها بصفة خاصة كـ"التجمع الديمقراطي الأفريقي" الذي يُعدّ رائد استقلال البلاد، ليست بريئة من نزعة قومية وطنية مضمرة تحمل في داخلها كل الاستبطانات الفاشية، تحت غطاء خطاب الوحدة الوطنية وصون وحدة البلاد. هذه النخب تتحمّل مسؤولية تاريخية لا يمكن إغفالها تجاه ما يجري اليوم.

ومثلها في ذلك قوى المراكز العالمية، التي تحصر استراتيجياتها وسلوكياتها تجاه الدول الضعيفة في أدوات بالغة الانتهازية؛ إذ إنها مستعدة لدعم الأنظمة العسكرية والشمولية بكل صورة طالما حافظت على مصالحها وشبكات نفوذها، وكثيراً ما تتدخل لصالحها لضبط موازين القوى الداخلية، حتى حين يكون المآل النهائي لذلك كله هو الكارثة بعينها.

font change