الحرب داخل يمين إيران

انقسام قديم جديد داخل اليمين الإيراني

المجلة
المجلة

الحرب داخل يمين إيران

صاغ أحد أجنحة المؤسسة المتشددة في إيران الاتفاق الذي أنهى حربها مع الولايات المتحدة، فيما قد يتولى جناح آخر من المعسكر نفسه تمزيقه والانقضاض عليه. ومن أراد أن يعرف هل سيصمد السلام، فالأجدر به أن يراقب الصراع بين المتشددين أنفسهم، لا موقف الإصلاحيين.

في الليالي التي أعقبت اتفاق إيران والولايات المتحدة على إنهاء الحرب، احتشدت جموع في طهران. كانت التجمعات منظمة، وهدفها محدد على نحو لافت: ليس بنود الاتفاق، وإنما رجلان بعينهما: وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، اللذان قادا فريق التفاوض الإيراني. واتهمهما المتظاهرون بالخيانة، قائلين إنهما عقدا صفقة مع أميركا وتناسيا مقتل "المرشد الأعلى" للبلاد، علي خامنئي.

وتكمن دلالة المشهد في الجهة التي وقفت وراءه. فأعلى الأصوات الرافضة لهذا الاتفاق جاءت من داخل المعسكر المتشدد نفسه، وهي تهاجم صفقة أبرمها رجال مثل عراقجي وقاليباف، وكلاهما ينتمي، في الجوهر، إلى التيار المتشدد التقليدي. ومن هنا، قد يفتح الاتفاق الباب أمام ما يشبه حربا أهلية داخل اليمين السياسي الإيراني.

نص انقلب على أصحابه

خارج إيران، يميل كثير من المعلقين إلى الافتراض السهل بأن المتشددين يعرقلون الصفقات الدبلوماسية، وأن البرغماتيين يصنعونها. غير أن هذه الصفقة تقلب هذه الصورة رأسا على عقب. فقد أنتجتها المؤسسة المدعومة أمنيا، وقاد مسار التفاوض قاليباف، الآتي من صفوف "الحرس الثوري". وليس لاتفاق بهذا الحجم أن يرى النور من دون موافقة "الحرس" نفسه، الذي خرج من الحرب القوة الأشد هيمنة داخل النظام. ومع ذلك، ثمة فصيل متشدد منافس، يرى في المسار كله صفقة تفريط.

هذا الفصيل المتشدد الذي يقود الهجوم هو "جبهة بايداري" (الصمود) وحلفاؤها في مجلس الشورى. وكان محمود نبويان، أحد قياديي الجبهة، قد سافر بالفعل إلى إسلام آباد مع فريق التفاوض، ولكنه عاد ليتخذ الموقف الأكثر تشددا، مطالبا بتطهير الوفد من "مهندسي الاتفاق النووي المشين"، في إشارة شبه صريحة إلى عراقجي، الذي كان قبل عقد نائبا لكبير مفاوضي الاتفاق النووي عام 2015. وأعلن نبويان أن أي اتفاق تطبخه مثل هذه الأيدي لن يكون سوى خسارة فادحة.

اليمين الإيراني يخوض حربا داخلية منذ عقدين، وما الخلاف الراهن إلا جولة جديدة في صراع قديم

أما أمير حسين ثابتي، وهو متشدد متمرد آخر، فشبّه التفاهم المؤلف من أربع عشرة نقطة بالاتفاق النووي ومعاهدة تركمانجاي، في إشارة إلى المعاهدة التي تسببت في خسارة إيران لبعض أراضيها لصالح روسيا عام 1828، وهي المعاهدة التي ظلت في الذاكرة الإيرانية رمزا عميقا للإذلال الوطني. وأصر على أن المفاوضين تحركوا من دون مباركة "المرشد الأعلى" الجديد. واتهم كامران غضنفري الرئيس مسعود بزشكيان بوقف الحرب من دون إذن وبـ"إنقاذ إسرائيل"، كما اتهم الفريق بإخفاء النص الإنكليزي للاتفاق عن الرأي العام. أما علي خضريان، نائب بايداري الذي أصبح وجها مألوفا على شاشة التلفزيون الرسمي، فطالب بإغلاق حتى قنوات التواصل الخلفية، وقطع اتصالات عراقجي بالكامل مع محاوره الأميركي. وعدد أبو الفضل أبو ترابي ما وصفه بسلسلة الخيانات الأميركية منذ اتفاقات الجزائر عام 1981، متسائلا: كم مرة ينبغي لإيران أن تلدغ "من الجحر نفسه؟".

أ ف ب
صافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال اجتماعهما قبل محادثات السلام الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد في 11 أبريل 2026

تتلاقى الاتهامات في نغمة واحدة: السرية، والاستسلام، وتجاوز الخطوط الحمراء لـ"المرشد" الجديد، وتكرار أخطاء عام 2015. وما يجمع أصحابها ليس بديلا متماسكا، إذ لا يشرح أي منهم كيف كان يمكن لإيران أن تنهي الحرب بطريقة أخرى، وإنما رغبة مشتركة في حرمان خصومهم من تسجيل انتصار.

خصومة قديمة وليس خلافا طارئا

لا شيء في هذا كله جاء ارتجالا، وهنا تكمن المسألة الأساسية. فاليمين الإيراني يخوض حربا داخلية منذ عقدين، وما الخلاف الراهن إلا جولة جديدة في صراع قديم. وهذا بالفعل ما أشار إليه محسن رفيق دوست، أحد مؤسسي "الحرس الثوري" ووزيره الأسبق، في مذكراته التي نشرها هذا الربيع. فقد وجّه رفيق دوست سهامه مباشرة إلى "جبهة بايداري"، وقال إنها ليست سوى "امتداد للنهج الأحمدي نجادي"، مؤكدا أنه يرفض كل من ينتمي إليها. وصوّر أحمدي نجاد رجلا بارعا في السير على الحبال، ركب موجة شعبوية حملته إلى السلطة، من غير أن يؤمن يوما بحكم رجال الدين. كان يزعم أنه يحكم عبر خط خاص مع الإمام الغائب، واستعمل تلك النزعة الغيبية لتفريغ سلطة "المرشد الأعلى" من مضمونها. بل بلغ به الأمر أن وصفه بـ"أنور السادات الإيراني"، متسائلا عن مصير نحو 700 مليار دولار من عائدات النفط التي تدفقت على البلاد خلال رئاسته، بين عامي 2005 و2013.

كان رفيق دوست في مذكراته يصفي حسابات قديمة. غير أن هذه الحسابات تحديدا هي ما يفسر الحاضر. فقد خرج "تيار بايداري" من معسكر أحمدي نجاد، الذي لم تثق به قط أجيال المؤسسين في "الحرس الثوري"، فيما يقف رجال المؤسسة الذين أبرموا هذه الصفقة مع إدارة ترمب على الضفة الأخرى من ذلك الانقسام. وفي مقدمة هؤلاء قاليباف، الذي أشاد به رفيق دوست صراحة، قائلا إن يوما واحدا له في بلدية طهران يساوي أكثر من عامين لأحمدي نجاد، وقد شغل الرجلان منصب عمدة طهران في فترتين مختلفتين. أما "المعسكر المتشدد" الذي يتخيله المراقبون الأجانب كتلة واحدة صماء، فهو في الواقع معسكران متنافران منذ زمن طويل، يفصل بينهما عداء لا تصنعه السياسات وحدها، بل الأنساب السياسية، وشبكات الرعاية، وصراع ممتد منذ عقود حول من يملك تمثيل الثورة والنطق باسمها.

الاتفاق، في جوهره، إقليمي المضمون: إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي، وبند يلزم إسرائيل بإنهاء حربها في لبنان

يتخذ هذا الشرخ أكثر من اتجاه، لكنه يبقى صراعا داخل اليمين، لا بين اليمين وخصومه. ففي الربيع الماضي، وقبل إبرام الاتفاق، كانت "جبهة بايداري" والشبكة المحيطة بسعيد جليلي، لا "الحرس الثوري"، هي من تحركت ضد قاليباف، ساعية إلى إطاحته من رئاسة البرلمان في أدق لحظات المسار الدبلوماسي، في محاولة لإقصاء أحد أعمدة قناة التفاوض. لكنه صمد. وكان "الحرس" في الجهة المقابلة من ذلك الصراع: فالاتفاق لم يكن ليتم من دون موافقته، وقاليباف صعد أصلا من بين صفوفه. أما أركان النظام غير المنتخبين، من كبار رجال الدين إلى "مجلس صيانة الدستور"، فقد لزمت صمتا لافتا، تاركة الساحة لفصيل برلماني لا يملك من أدوات التأثير إلا مقاعده البرلمانية ومنابره الإعلامية.

تلك هي الهواجس الكامنة خلف استعراض الشارع. فالمفاوضون يستندون إلى دعم من أعلى المستويات، من قبول "الحرس الثوري" إلى مكتب "المرشد" الجديد، بينما يقاتل "تيار بايداري"، بعدما استُبعد من اتفاق عجز عن منعه، من أرضية مجلس الشورى واستوديوهات التلفزيون الرسمي. إنه فصيل تقوم مكانته على ديمومة المواجهة، ويثقل عليه أن يرى سلاما تفاوضيا ينقل زمام المبادرة إلى خصومه.

الجوار ساحة للصراع

تبلغ الخلافات بين هذه التيارات ذروتها عند السؤال عن الغاية من الاتفاق. هنا يتحول موقف طهران من جيرانها إلى ساحة النزاع الأساسية. فالاتفاق، في جوهره، إقليمي المضمون: إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي، وبند يلزم إسرائيل بإنهاء حربها في لبنان، ثم وعد يظل مخيما على المرحلة الثانية، قوامه عودة رأس المال الأجنبي إلى اقتصاد مغلق ومحاصر.

وبحسب "رويترز"، يتصور الإطار إنشاء صندوق استثمار خاص بقيمة 300 مليار دولار، تحت اسم "صندوق إعادة الإعمار والتنمية"، لتوجيه الأموال إلى قطاعات الطاقة واللوجستيات والتصنيع والنقل في إيران. وقد تعهدت شركات من الولايات المتحدة ودول الخليج العربية وآسيا بأكثر من نصف المبلغ، بينها شركات من كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة وماليزيا. وهذه أموال خاصة، لا أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وقد شدد ترمب على أن واشنطن نفسها لن تستثمر شيئا.

أب
فتيات ايرانيان يغنين امام لوحة كبيرة للامام الخميني والمرشد السابق علي خامنئي وخلفيته مجتبى خامنئي في طهران في 29 ابريل

غير أن ذلك كله مشروط. فقد قال نائب الرئيس الأميركي إن إيران لن تحصل على شيء من هذه الأموال ما لم تفكك برنامجها النووي، وتسلم مخزونها المخصب، و"تتحول بالكامل" كدولة. وكانت طهران قد طالبت أولا بتعويضات حرب تبلغ 400 مليار دولار، لكن واشنطن رفضت ذلك، فتحول الصندوق إلى مخرج بديل، مخصص، بحسب التقارير، لمنشآت دمرتها الحرب أو أرهقتها، مثل "مجمع مباركة" العملاق للحديد والصلب، والمصافي، والمطارات.

تصب الأزمة الاقتصادية زيتا إضافيا على نار الصراع. فبحسب أرقام الحكومة نفسها، اختفى نحو مليوني وظيفة خلال الحرب، وكان جانب كبير من الضرر ناجما عن إغلاق الإنترنت لأشهر لا عن الصواريخ

بالنسبة إلى التيار المحافظ البرغماتي، تكمن الجائزة هنا: عملة صعبة لإعادة بناء اقتصاد محطم، انطلاقا من رهان يرى أن التعافي، لا الحصار المفتوح، هو ما يحمي الدولة والنظام الإسلامي. وقد التقط الخبير الاقتصادي سعيد ليلاز هذه الروح حين رد على المتشددين بتعبيرهم المفضل نفسه، مذكرا بأن تركمانجاي، في نهاية المطاف، كانت معاهدة لا صك استسلام.

أما رافضو "بايداري"، فيرون في الأموال الخليجية والغربية حصان طروادة. وقد ركز نبويان على هذه النقطة تحديدا، محذرا من أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين كلمة في كيفية إنفاق أموال إعادة الإعمار. وبحسب منطقه، تكون السيادة قد رُهنت مقابل المال. وهكذا يصبح الجيران الذين قد يمولون تعافي إيران، في نظر المعسكر الأول، طريق الخروج من الكارثة، وفي نظر المعسكر الآخر، أداة تبعية جديدة.

من يمسك بزمام الأمور؟

حتى الآن، تمسك المؤسسة الرسمية بزمام المبادرة. فهي التي صنعت الاتفاق، وقد أشار مكتب "المرشد الأعلى" الجديد إلى موافقته عليه. غير أن "تيار بايداري" لا يزال يملك ما يكفي لجعل أي تسوية باهظة الكلفة: مقاعد في البرلمان، ومنابر في التلفزيون الرسمي، وقدرة على تحويل أي اتفاق إلى اختبار للولاء لـ"المرشد". ويبقى المتغير الحاسم هو قدرة مجتبى خامنئي، الذي لم يُختبر بعد وصعد بدعم فصيل واحد لا بإجماع النظام كله، على ضبط اقتتال اليمين مع نفسه كما فعل والده لأكثر من ثلاثة عقود. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات كثيرة إلى أنه قادر على ذلك.

وتصب الأزمة الاقتصادية زيتا إضافيا على نار الصراع. فبحسب أرقام الحكومة نفسها، اختفى نحو مليوني وظيفة خلال الحرب، وكان جانب كبير من الضرر ناجما عن إغلاق الإنترنت لأشهر لا عن الصواريخ. وتجاوز تضخم أسعار الغذاء مئة في المئة، وقد ينكمش الناتج هذا العام بنسبة العُشر. هذا الخراب هو أقوى حجة يملكها البرغماتيون للدفاع عن الاتفاق، وهو أيضا أعمق مخاوف الرافضين، لأن أي تعاف ناجح سيكرس نفوذ الفصيل الذي حققه.

لم توحد الحرب اليمين الإيراني. لقد كشفت عمق انقسامه القديم، ومنحت كل فصيل سلاحا جديدا يشهره في وجه الآخر. أما الإصلاحيون والمنفيون الإيرانيون، فيقفون متفرجين على هذا الصراع. ومن يريد أن يرى إلى أين تتجه إيران، نحو سلام قابل للصمود أو عودة إلى حافة الهاوية، فعليه أن يراقب إلى أي مدى سينقلب المتشددون بعضهم على بعض.

font change