يدفع الأردن كلفة جغرافيا ثقيلة تحاصره فيها الأزمات، وهذه واحدة من لحظات الكلفة الثقيلة، حين لا تعود الجغرافيا مجرد خريطة في الكتب المدرسية، بل تتحول إلى خطوط تماس مفتوحة من ثلاث جهات، فمن الشرق تأتي ارتدادات حرب لم تنته تماما، حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية في منتصف يونيو/حزيران 2026، ومن الشمال تتدحرج فوضى الجنوب السوري بما تنتجه من تهريب وسلاح وميليشيات، ومن الغرب يكبر زلزال الضفة الغربية، بما يحمله من تهديد سياسي وديموغرافي ووجودي للمملكة.
المسألة ليست في أن الأردن يواجه أزمة جديدة، فهذه دولة اعتادت أن تعيش على حافة أزمات المنطقة، وأن تعبر بينها بأقل الخسائر الممكنة، بل وامتلكت تاريخيا قدرة نادرة على تحويل التحديات، بكل قسوتها، إلى فرص لمصلحتها، لكن المقلق هذه المرة أن الأزمات لم تعد تأتي واحدة بعد الأخرى، بل صارت تتزامن وتتشابك، ولم تعد خارجية بالكامل، بل باتت تطرق المجال الحيوي الأردني مباشرة، في السماء والحدود والهوية السياسية للدولة.
في الملف الإيراني، لم يعد الأردن بعيدا عن النار كما يحب البعض أن يتخيل، بل دولة باتت هي نفسها هدفا معلنا في حسابات طهران، وهذا ليس تفصيلا عسكريا عابرا، بل انتقال من موقع الدولة التي تدير المخاطر إلى موقع الدولة التي يمكن أن تصبح جزءا من بنك أهداف الآخرين.
من هنا- وبحذر- أفهم حرص الخطاب الرسمي الأردني طوال هذه الأشهر على ذلك التوازن الدقيق، في الدفاع عن السيادة الجوية من دون الانزلاق إلى حرب الآخرين، وإسقاط الصواريخ من دون الذهاب إلى اتهامات مباشرة تستدعي ردا، لكن هذا التوازن تعرض لاختبارات تهزه بعنف في كل موجة تصعيد، وحين وقّعت واشنطن وطهران مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران 2026، كان ذلك مثل نافذة انفراج محتملة على الجبهة الشرقية، لكنها لم تغلق الملف فعليا، فالتزامات إيران النووية لا تزال محل تفاوض، وشبكات التمويل والسلاح لا تموت بجرة قلم.
الضفة الغربية هي الملف الأعمق والأخطر، فهي ذلك الخطر الذي يتسلل إلى سؤال الدولة نفسه، إلى معنى الأردن، وإلى ذاكرته، وإلى واحدة من أكثر عقد أمنه الوطني حساسية
في الشمال الأردني، تبدو الأزمة أقل ضجيجا لكنها لا تقل خطورة، فالجنوب السوري، لم يخرج بعد من منطق الحرب، وسقوط نظام الأسد لم ينتج دولة مكتملة السيادة، بل ترك فراغات أمنية واسعة، تحركت فيها شبكات تهريب الكبتاغون والسلاح، وجماعات محلية مسلحة، وأسواق سوداء تشكلت خلال سنوات الحرب.
الرسالة الأردنية عبر الضربات الجوية ضد أهداف داخل الأراضي السورية كانت واضحة، فالأردن لم يعد يكتفي بانتظار الخطر عند حدوده، لكن هذا الخيار، على ضرورته، ليس بسيطا، فهو يحتاج إلى حسابات دقيقة مع دمشق، ومع مجتمعات الجنوب السوري، ومع واشنطن التي تخوض هي الأخرى ضرباتها في سوريا ضد تنظيم "داعش".
أما الضفة الغربية فهي الملف الأعمق والأخطر، فهي ذلك الخطر الذي يتسلل إلى سؤال الدولة نفسه، إلى معنى الأردن، وإلى ذاكرته، وإلى واحدة من أكثر عقد أمنه الوطني حساسية.
في فبراير/شباط 2026 أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون لتصنيف أراض واسعة في الضفة بوصفها "أراضي دولة"، فردت عمّان بأشد لغة دبلوماسية أطلقتها منذ سنوات. وفي أبريل/نيسان استقبل الملك عبد الله الثاني، الرئيس محمود عباس في عمّان، في إشارة أردنية واضحة إلى ضرورة إبقاء التنسيق مع السلطة الفلسطينية في أصعب لحظاتها، لكن الحقيقة أن المسألة بالنسبة للأردن لا تتعلق بالموقف المبدئي وحده، ولا حتى بالدفاع السياسي عن الفلسطينيين فقط، بل تتعلق مباشرة بسؤال التهجير.
والضم الإسرائيلي للضفة، حتى لو جاء متدرجا وبلا احتفالية صريحة، يفتح الباب على هذا السؤال، وسؤال التهجير ليس وهما سياسيا ولا فزاعة خطابية، بل جزء من الذاكرة العميقة للدولة والمجتمع، وأي ضغط واسع على الفلسطينيين في الضفة، سيعيد إلى عمّان ذلك السؤال المؤجل، الذي شكّل لعقود أحد أكثر خطوط الأمن الوطني حساسية، ولذلك لا أرى في التحرك الأردني مجرد دبلوماسية تقليدية، بل محاولة لإغلاق الباب مبكرا، أمام سيناريو لا يحتمل الأردن حتى التفكير فيه.
المطلوب اليوم ليس فقط رد الفعل الجيد، بل بناء تصور استراتيجي يتعامل مع التزامن نفسه بوصفه الخطر الأكبر
إن خطورة اللحظة الأردنية تكمن في أن هذه المحاور لا تعمل منفصلة، فالضغط الإيراني يستنزف الدفاعات، ويشد المملكة نحو مواجهة لا تريدها، والفوضى السورية تفتح أبواب السلاح والمخدرات، وتستهلك الجيش والأجهزة الأمنية على الحدود، والضفة الغربية تضغط على أعصاب الدولة وهويتها وعلاقاتها الإقليمية، وحين تجتمع هذه الملفات الثلاثة لا يعود الأمر إدارة أزمة واحدة، بل إدارة بيئة كاملة من التهديدات المتحركة. لهذا لا أميل إلى القراءة المطمئنة أكثر مما ينبغي، ولا إلى القراءة الكارثية التي تلغي قدرة الدولة الأردنية على الحركة، فالأردن لا يقف عاجزا، لكنه أيضا لا يملك ترف التعامل مع هذه الملفات كما لو أنها حرائق منفصلة، المطلوب اليوم ليس فقط رد الفعل الجيد، بل بناء تصور استراتيجي يتعامل مع التزامن نفسه بوصفه الخطر الأكبر.
أمام هذا المشهد، أرى أن الأردن يقف أمام ثلاثة مسارات رئيسة:
الأول هو إدارة الاستنزاف، وهو في رأيي الأكثر ترجيحا في المدى القريب، وفيه يواصل الأردن سياسته الراهنة: اعتراض الصواريخ من دون إعلان حرب مفتوحة، وضرب شبكات التهريب من دون توسيع المواجهة، وتحدي الضم دبلوماسيا من دون كسر العلاقة مع إسرائيل أو واشنطن، وهذا المسار يحافظ على الاستقرار، لكنه مكلف، لأنه يتطلب يقظة عسكرية دائمة وموارد لا تتوقف.
الثاني هو الانفراج الإقليمي: فإذا أنتجت مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تسوية أكثر ثباتا، فإن هذا سيخفف الضغط من الشرق، ويمنح الأردن هامشا لإعادة ترتيب أولوياته، لكنه لن يحل مشكلة الجنوب السوري، ولن يوقف مسار الضفة الغربية، لأن كلا من هذين الملفين يملك ديناميكياته الخاصة، ولا ينتظران توقيع واشنطن وطهران.
أما المسار الثالث فهو التموضع الاستراتيجي الجديد، وهو الأصعب لكنه الأكثر أهمية، وفيه يستطيع الأردن أن يعمل على تحويل أزماته المتزامنة إلى أوراق تفاوض في الترتيب الإقليمي القادم، مستندا إلى علاقته الوثيقة بواشنطن، وقنواته مع دمشق، ودوره "الخاص والمتعب" في القدس، وعلاقاته مع الرياض وأبوظبي والعواصم الأوروبية، وفي هذا المسار لا يكتفي الأردن بإطفاء الحرائق، بل يسعى إلى تثبيت موقعه في أي تسوية إقليمية قادمة.
ليس سهلا هذه المرة أن يكتفي الأردن بمهارات النجاة التي أتقنها طويلا، فالنجاة مهمة، نعم، لكنها لم تعد كافية في منطقة يعاد رسم خرائطها بالنار والفراغ، والسؤال اليوم ليس ما إذا كان الأردن قادرا على الصمود، فتاريخه القريب يقول إنه قادر، السؤال الحقيقي هو بأي ثمن، وبأي دور سيكون كل ذلك؟
الأردن موهوب بحكم الخبرة الطويلة في إدارة الأزمات من حوله، لكنه يحتاج أكثر إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو يحتاج إلى أن يحوّل موقعه من ساحة تتلقى الصدمات إلى دولة قادرة على أن تفاوض على شكل الإقليم الذي سيولد بعد العاصفة، فالصمود حين لا يتحول إلى دور، يبقى مجرد انتظار طويل للعاصفة التالية.