بيل بولتي... رجل الأعمال الذي قد يُدير أسرار أميركا

إرث عائلي في قطاع الإنشاءات مهّد الطريق إلى المال والسياسة

أ.ب
أ.ب
بيل بولتي يتحدث إلى الصحفيين في البيت الأبيض في 2 سبتمبر 2025 في واشنطن العاصمة

بيل بولتي... رجل الأعمال الذي قد يُدير أسرار أميركا

استمراراً للنهج الذي سلكه الرئيس دونالد ترمب في اختيار عناصر إدارته من أهل الثقة أكثر من أهل الاختصاص، عيّن ترمب صديقه الملياردير بيل بولتي مديراً مؤقتاً لإدارة الاستخبارات الوطنية التي تضم ثمانية عشر جهازاً، خلفاً لتولسي غابارد التي استقالت بعد محاولة للسباحة ضد التيار السائد في إدارته.

ولا يتمتع بولتي بأي خبرة أو خلفية في أروقة الاستخبارات المدنية أو العسكرية.

وفي دأبه على تجميع الكثير من المناصب في أيدي معاونيه، أعلن ترمب أن بولتي سيحتفظ بمناصبه كمدير للوكالة الفيدرالية للتمويل العقاري وكرئيس لأكبر مؤسستين فيدراليتين عملاقتين للتأمين على القروض العقارية، وهما: فاني ماي، وفريدي ماك، اللتان تُديران تعاملات تتجاوز 10 تريليونات دولار، وذلك رغم اعتراض الكثير من النواب الديمقراطيين والجمهوريين على السواء على هذا الاختيار.

وُلد بولتي في فلوريدا عام 1988 لأسرة ثرية، وكان الوريث الوحيد لجده ملياردير الإنشاءات المعمارية، والابن الأول لنورين ومارك بولتي قبل أن يتزوج أبوه من أخرى. وكان جده ويليام بولتي هو مؤسس "مجموعة بولتي للإنشاءات العقارية". عمل بولتي خلال المرحلة الثانوية لدى شركة إنشاءات، وتخرج من جامعة نيو ويسترن حاملاً بكالوريوس الصحافة الإذاعية. وخلال دراسته الجامعية التقى زوجته المهندسة الكيميائية، وعمل بعد تخرجه لدى عدة شركات في مجال استثمارات رأس المال، قبل أن يؤسس شركة "بولتي كابيتال" عام 2011، التي ضمّت أكثر من 200 موظف وأُدرجت ضمن قائمة "فوربس 30" للشركات الناشئة التي تقل أعمار أصحابها عن 30 عاماً، لا سيما بعد أن حققت إيرادات سنوية بلغت 30 مليون دولار. وفي عام 2016، عُيّن بولتي عضواً بمجلس إدارة مجموعة بولتي التي يرأسها جده، ليصبح أصغر عضو يشغل هذا المنصب في واحدة من أكبر 500 شركة حسب "تصنيف فوربس". لكن مجلس إدارة المجموعة ما لبث أن أقاله عام 2020، بعد رحيل جده واستيلائه على المواقع الإلكترونية للمجموعة واستغلالها لمشاريعه الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ثم أنشأ بولتي مؤسسة للتبرعات الخيرية على "تويتر" جذبت أكثر من ثلاثة ملايين متابع. وفي يوليو/تموز 2019، مدحه الرئيس ترمب بعد وعده بمنح سيارتين لاثنين من قدماء المحاربين إذا أعاد ترمب نشر تغريدة المديح له مرة أخرى. وزعم بولتي أنه التقى ترمب مراراً وأن الأخير كان مطلعاً على أنشطة مؤسسته الخيرية. وبدأ بولتي بعد ذلك في التبرع بسخاء لأنشطة الحزب الجمهوري وللجنة القومية للحزب ولحملة ترمب الانتخابية عام 2024. وتتباين تقديرات ثروة بولتي بين 200 مليون و3 مليارات دولار، فيما صرّح بأنه سينأى بنفسه عن إدارة شركاته إذا تولى مناصب سياسية، بعد أن شرع في مساعيه لدى ترمب لتولي حقيبة وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، التي آلت في النهاية إلى سكوت تيرنر. بيد أن ترمب رشّحه في اليوم التالي لتنصيبه في يناير/كانون الثاني 2025 لرئاسة الوكالة الفيدرالية للتمويل العقاري. وحاز بولتي على موافقة مجلس الشيوخ بعد تصويت جميع الأعضاء الجمهوريين وثلاثة من الديمقراطيين على تعيينه.

واستهلّ بولتي رئاسته للوكالة الفيدرالية بإحكام سيطرته على عملاقي التأمين على الرهون العقارية، فاني ماي وفريدي ماك، وإقالة 14 عضواً قيادياً بمجالس إدارتيهما، وإلغاء الكثير من السياسات والقرارات التي اتخذتها المؤسستان في عهد الرئيس السابق جو بايدن، ومن بينها برامج وُضعت بغرض مكافحة عمليات الاحتيال والظلم في مجال القروض العقارية. كما فصل العشرات من موظفي المؤسستين دون سابق إنذار، مستهدفاً بشكل خاص إدارة الإشراف على مراعاة العدل في سياسات الإسكان بأنظمة البنوك الفيدرالية للقروض العقارية. كما أصدر بولتي الكثير من القرارات التي تُعرقل تطبيق السياسات الرامية إلى مراعاة التنوع والمساواة والشمول التي وضعتها إدارة بايدن، وزعم أنه فصل نحو 25 في المئة من موظفي الوكالة الفيدرالية للتمويل العقاري، واتهم أكثر من 100 من مسؤولي فاني ماي وفريدي ماك بالضلوع في سلوكيات غير أخلاقية بالمؤسستين. وفي خطاب موجه للمفتش العام بالمؤسسة الفيدرالية للقروض العقارية، طالب الديمقراطيون بمجلس الشيوخ بإجراء تحقيقات في عمليات الفصل التي أقدم عليها بولتي.

وفي يونيو/حزيران 2025، وجّه بولتي مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك باعتماد العملات المشفّرة من بين الضمانات التي تخوّل الحصول على القروض العقارية، وأمر بمراجعة شاملة لمكاتب التقييم الائتماني، مما تسبب في هبوط قيمتها السوقية بأسواق الأسهم.

غيتي
بيل بولتي في واشنطن العاصمة في 27 فبراير 2025

وجّه بولتي مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك باعتماد العملات المشفّرة من بين الضمانات التي تخوّل الحصول على القروض العقارية


ووفقاً لـ"وول ستريت جورنال"، انتهج بولتي سياسات مفاجئة أعلنها عبر "تويتر" دون استشارة المسؤولين والخبراء، كما أوعز إلى مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك باعتماد مكاتب أخرى للتقييم الائتماني بعد التشكيك في جدارة المكاتب التقليدية بالثقة. وأدت سياسات بولتي إلى تفاقم أزمة المساكن في البلاد، لا سيما للطبقات المتوسطة والفقيرة، بدلاً من الوفاء بالوعود التي قطعها ترمب فور توليه السلطة بحلّها خلال فترة قصيرة، حتى أن "بلومبرغ نيوز" اتهمته بالعمل ضد أجندة ترمب لتوفير المساكن للمواطنين.

وأنشأ بولتي موقعاً إلكترونياً لكشف ما أسماه ممارسات الاحتيال العقاري، تبيّن أنه ليس أكثر من شَرَك لتصفية الحسابات مع خصوم ترمب وأعدائه السياسيين، ومن بينهم ليتيشا جيمس، نائبة عام نيويورك، التي ادّعت أن محل إقامتها الرئيس في فيرجينيا بينما تبيّن أنه في نيويورك، وهو ما استغله ترمب في التشهير بها ووصفها على منصته "تروث سوشيال" بـ"النصابة"، وأحالها بولتي إلى وزارة العدل للتحقيق معها بتهمة التزوير في مستندات رسمية للحصول على قرض عقاري مدعوم.

واستخدم بولتي الأداة ذاتها في استهداف النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف، الذي قاد تحقيقات الكونغرس مع ترمب بغية إقالته. كما استغلها بولتي في إقالة وإحالة أحد أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأميركي وأحد نواب فيرجينيا إلى التحقيق، وفي المطالبة باستقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول.

ووفقاً لصحيفة "بوليتيكو"، أثارت تصرفات بولتي استياء الكثير من المسؤولين الجمهوريين، حتى إن وزير الخزانة سكوت بيسنت هدد بلكمه في أحد النوادي بسبب اغتيابه له لدى ترمب.

وفي يونيو/حزيران الجاري، فاجأ ترمب الجميع بترشيح بولتي مديراً لأجهزة الاستخبارات الأميركية التي تضم وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ووكالة الأمن القومي، خلفاً لغابارد التي ستغادر منصبها بنهاية الشهر بذريعة إصابة زوجها بسرطان العظام. وبحكم موقعه، سيُناط ببولتي تقديم المشورة للرئيس بشأن قضايا الأمن والتجسس ومكافحة الإرهاب، وهي مهام لم ينخرط فيها يوماً من قريب أو بعيد. وحسب تدوينات ترمب، فإن بولتي سيحتفظ بباقي مناصبه، مما يوحي بأن ترمب يريد تضييق دائرة ذوي الحظوة والثقة من حوله، على غرار ماركو روبيو الذي يشغل مناصب وزير الخارجية ورئيس مجلس الأمن القومي ورئيس الإدارة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، وشون دافي الذي يشغل منصب وزير النقل ومدير "وكالة ناسا" بالإنابة، وتود بلانش وزير العدل، ومدير مكتبة الكونغرس بالإنابة في الوقت ذاته.

وأثار ترشيح بولتي لهذا المنصب عاصفة من الانتقادات في صفوف الجمهوريين والديمقراطيين، إلا أن ترمب لا يزال يصر على اختياره لشغل المنصب بالإنابة رغم الترشيح.

وقد حاول بولتي مراراً حث ترمب على تعيينه في هذا المنصب، مبدياً تأييده لسياساته الخارجية، لا سيما حربه على إيران. وأشارت تقارير إلى أن ترمب تحمّس لقراره بعد تشجيع من مستشاره السياسي روجر ستون وآخرين في حركة "ماغا"، الذين وصفوا بولتي بـ"البلدوزر" ولمسوا فيه الجرأة على الإفصاح عن الكثير من المعلومات السرية الحساسة. وأشاد ستيف بانون بقرار تعيين بولتي، واعتبره صفعة على وجه مجلس الشيوخ وطعنة في ظهر "الدولة العميقة".

ولاحقاً صرّح ترمب لـ"وول ستريت جورنال" بأنه طلب من بولتي فصل موظفين بإدارة الاستخبارات وأيّد إغلاقها. ودافع البيت الأبيض عن ترشيح بولتي لهذا المنصب الحساس، مؤكداً أنه مُصلح عركته الخبرة في حفظ المعلومات الحساسة وتصحيح مسار مؤسسات حكومية عملاقة، فضلاً عن تمتعه بكاريزما قيادية صارمة وبالنزاهة والالتزام بمصالح "أميركا أولاً". وأضاف البيت الأبيض أن لبولتي سجلاً حافلاً في إنقاذ المؤسسات المتعثرة وصيانة الأصول الأميركية الحساسة والتصدي لمراكز القوى، وهي سمات مطلوبة لحماية المواطن الأميركي ومواجهة التهديدات العالمية، حسب بيانه.

ووفقاً لـ"سي إن إن"، فإن بولتي لم يحصل بعد على التصريح الأمني المطلوب لشغل الوظيفة. وأعرب عدد من النواب الديمقراطيين عن تخوفهم من أن انعدام الخبرة في مجال الاستخبارات والولاء الأعمى لترمب سيغويانه لإساءة استخدام سلطاته. كما قوبل ترشيحه بارتياب من قبل بعض الجمهوريين، من أمثال السيناتور التكساسي جون كورنين ومسؤولين بالإدارة. وأعرب جون ثيون، زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ، عن معارضته لاستخدام هذا المنصب لتصفية الحسابات مع الخصوم. وانتابت أوساط الاستخبارات هواجس ومخاوف من تعيين بولتي، الذي تسبب ترشيحه في عرقلة تجديد العمل بالقسم 702 من قانون التحريات والاستخبارات الأجنبية، بعد توعّد الديمقراطيين بعدم تجديده ما لم يسحب ترمب ترشيح بولتي. وقال السيناتور الديمقراطي عن فيرجينيا، الذي يشغل موقع نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إن أوساط مجتمع الاستخبارات مرعوبة من احتمال كشف أي معلومات لبولتي.

أ.ب
شارك بولتي (أقصى اليسار) في جولة الرئيس ترمب ومسؤولين آخرين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بواشنطن

 

بولتي لم يحصل بعد على التصريح الأمني المطلوب لشغل الوظيفة. وأعرب عدد من النواب الديمقراطيين عن تخوفهم من انعدام الخبرة في مجال الاستخبارات والولاء الأعمى لترمب


ووصف ترمب المعارضين لترشيح بولتي بـ"اليسار الديمقراطي المتطرف الذين يتحركون بدوافع حزبية"، رغم علمه بأن ثمة شخصيات جمهورية قوية تشاطرهم الرفض، علاوة على ما ينص عليه القانون الفيدرالي من أنه "ينبغي أن يتمتع مدير الاستخبارات الوطنية بخبرة واسعة في الأمن القومي". إلا أن لترمب السلطة في تعيين بولتي في هذا المنصب مؤقتاً لمدة 210 أيام دون الحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ.

ولفت السيناتور الديمقراطي مارك وارنر إلى أن تولي بولتي هذا المنصب الحساس قد يسبب أضراراً جسيمة، لا سيما أنه لم يحصل على تصريحات أمنية وسيصبح مطلعاً على معلومات في غاية الخطورة وقد يُستدرج لكشفها عن جهل. وأشار إلى أن قيادات بأجهزة الاستخبارات بل وحكومات أجنبية أعربت عن قلقها. وأضاف وارنر أن الشيء الأكيد الذي يعلمه عن بولتي هو أنه سيفعل أي شيء يطلبه منه ترمب، مثلما فعل في استخدام المؤسسة الفيدرالية للتمويل العقاري لتصفية الحسابات مع خصوم ترمب. وحذّر وارنر من أن تعيينه سيكون كارثة وخطراً على الأمن القومي.

وردّ ترمب في تغريدة على منصة "إكس" متسائلاً: "لماذا يخشى الديمقراطيون من تعيين بولتي بينما سيتولى المنصب مؤقتاً؟ ما الذي يخفونه؟ لا بد أن هناك شيئاً خطيراً".

وأمام هذه العاصفة المناوئة لتعيين بولتي، أعلن ترمب ترشيح جاي كلايتون، النائب العام للضاحية الجنوبية لنيويورك والرئيس السابق لهيئة أسواق المال والأوراق المالية، مديراً دائماً لإدارة الاستخبارات الوطنية. ويحظى كلايتون برضا الكثير من النواب بالحزبين. إلا أن ترمب لا يزال يصر على تعيين بولتي مديراً مؤقتاً لأجهزة الاستخبارات قبل أن يُقرّ مجلس الشيوخ تعيين كلايتون.

وقبل يوم من إعلان ترشيح كلايتون مديراً دائماً للاستخبارات الوطنية، طلب ترمب من الكونغرس تمديد العمل بقانون التجسس على الأجانب في الداخل والخارج، والذي يسمح للحكومة الأميركية بمراقبة وتعقب الأهداف الأجنبية في الخارج دون تصريح. وأوضح أن بولتي سيظل مديراً مؤقتاً للاستخبارات لفترة وجيزة، دون أن يحدد هذه الفترة.

بيد أن تولي بولتي المنصب ولو مؤقتاً لن يحول دون تمتعه بكافة السلطات التي يمتلكها المدير الدائم لهذه الأجهزة على مدى الفترة القانونية. وليس هناك من عجب وراء التخوف من تولي بولتي هذا المنصب، إذ بات معروفاً بتملقه الشديد للرئيس وتقليده إياه، حتى أطلق عليه بعض المقربين لقب "ترمب الصغير" بسبب تحزبه وإفراطه في استخدام وسائل التواصل.

وزادت هذه المخاوف بعد تصريح ترمب منذ أكثر من أسبوعين بأن بولتي سيعمل على التنقيب عن أشياء تتعلق بـ"تزييف الانتخابات"، مما يُذكي نظريات المؤامرة من وراء ترشيحه.

font change