جو كينت... إرث الحروب الفاشلة وإرهاق المحاربين القدامى

الجندي الذي قال لا

رويترز
رويترز
جو كينت، يلقي خطابا خلال تجمع لدعم المتهمين في هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول، في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 18 سبتمبر 2021

جو كينت... إرث الحروب الفاشلة وإرهاق المحاربين القدامى

استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت تكشف عن شرخ داخل المؤسسة الأمنية الأميركية. لكن هل يجسّد هذا الجندي السابق خيبة أمل جيل من المحاربين الذين أعادوا النظر في الحروب التي خاضوها؟

أثارت استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، صدمة لدى كثيرين في الكونغرس، نظرا إلى كونه من كبار داعمي الرئيس دونالد ترمب في السابق، إذ كان يجسد روح الجندي الأميركي المدافع عن حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" (ماغا). إلا أن هذه الاستقالة لم تكن مفاجئة لأولئك الذين خدموا في الجيش الأميركي وعرفوا جو. وفي الواقع، لم يكن السؤال ما إذا كان هذا الجندي السابق في القوات الخاصة، المعروفة باسم القبعات الخضراء، والعضو السابق في القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، سيتنحى، بل متى سيفعل ذلك؟

ثمة عدد متزايد من المحاربين القدامى، سواء في صفوف القوات النظامية أو في القوات الخاصة تحديدا، أصيبوا بخيبة أمل من الحروب التي لا تنتهي، والتي أودت بحياة أعز أصدقائهم وزملائهم. وكان الأمر أشد إيلاما بالنسبة إلى كينت، إذ فقد زوجته، وكانت أيضا جندية في القوات الخاصة، وقُتلت على يد "داعش" في حرب يقول كينت اليوم إن إسرائيل دبرت فصولا منها، إلى جانب الهجوم الحالي على إيران.

ومن الأهمية بمكان التعرف إلى المسيرة المهنية لكينت وآرائه العسكرية اللاحقة، التي باتت تستأثر بحيز واسع وتطبع جيل "الحرب على الإرهاب"، كي نلقي الضوء على التحول الدراماتيكي الذي أثارته استقالته في أروقة الإدارة الأميركية.

نخبة النخبة

تأثر كينت، كغيره من أبناء العائلات العسكرية الأميركية ذات الحس الوطني المرتفع، بأفلام هوليوود والقصص الواقعية عن القوات الخاصة التي تتسلل خلف خطوط العدو. وبحكم طبيعة عملها، تضطلع القوات الخاصة بأصعب الأدوار وأخطرها في الحرب والسلم. وبعيدا عن دائرة الأضواء الإعلامية التي تحيط بعمليات الانتشار النظامية، كان رجال مثل كينت يوجدون في أراضي العدو بأعداد قليلة، يواجهون خصومهم في معاقلهم من دون البنية التحتية التي تحتاجها الوحدات العسكرية النظامية. وهذا يعني قضاء فترات طويلة في عزلة شبه كاملة، ضمن مجموعات صغيرة لا تتجاوز عشرات الرجال، سواء في جبال أفغانستان أو في صحارى اليمن وسوريا والعراق.

وكان كينت قد تطوع للانضمام إلى القوات الخاصة، ثم التحق لاحقا بقوات الرينجرز، وهي قوة نخبة سريعة الاستجابة للعمليات الخاصة، قبل أن ينتقل إلى قيادة العمليات الخاصة، جنديا في البداية، ثم عضوا ضمن القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.

وكان كينت قد تطوع للانضمام إلى القوات الخاصة، ثم التحق لاحقا بقوات الرينجرز، وهي قوة نخبة سريعة الاستجابة للعمليات الخاصة، قبل أن ينتقل إلى قيادة العمليات الخاصة، جنديا في البداية، ثم عضوا ضمن القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية

وتمثل هذه الوحدات نقطة التقاء بين أجهزة الاستخبارات والجيش لتغطية عمليات سرية يجهلها معظم العاملين في الدوائر العسكرية والسياسية. وهذه المهام تحديدا هي التي أدخلت أفرادها في عتمة ذلك العالم وكشفت لهم الحقائق الخفية، وهو ما دفع كثيرين، مثل كينت، إلى التساؤل عن جدوى الحروب التي شاركوا فيها وحقيقتها على مر السنين. وبوصفهم جنودا وطنيين في الغالب، لم يترددوا في قتل العشرات من عناصر تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، لكنهم تساءلوا في الوقت نفسه عن الهدف السياسي والغاية النهائية من وراء تلك العمليات.

وفقد كينت زوجته في تفجير وقع في سوريا، وكانت أيضا ضمن قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، الأمر الذي دفعه إلى التساؤل عن سبب انحياز الولايات المتحدة إلى ما عده جماعات إرهابية في سوريا. وظهر في الكثير من البرامج الإذاعية، وهو يصرح بأن الولايات المتحدة دعمت الجانب الخطأ في سوريا. ولم يكن وحده في ذلك، إذ طرح عدد من كبار عناصر، القبعات الخضراء، وقوات البحرية الأميركية الخاصة (Seals)، تساؤلات مماثلة عن سبب وجود القوات الأميركية في سوريا والعراق. ويبرز من بين هؤلاء رئيسة كينت، المديرة الحالية للاستخبارات الوطنية، إلى جانب مقدمي البودكاست البارزين والعسكريين السابقين شون رايان ومات ميرفي. وقد شق كثير من عناصر القوات الخاصة لاحقا طريقهم إلى السياسة سعيا إلى التأثير في قرارات الحرب.

أ.ف.ب
مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، وكبار مسؤولي الأمن القومي، يؤدون اليمين قبل الإدلاء بشهادتهم أمام لجنة الأمن الداخلي بمجلس النواب، في 11 ديسمبر 2025

الانتقال إلى السياسة

عين الرئيس ترمب مؤخرا سلفستر ستالون كأحد مبعوثيه إلى هوليوود إلى جانب ميل غيبسون. وأشار ترمب إلى رامبو باعتباره أحد مصادر إلهامه في ثمانينات القرن الماضي. ولا ننسى أن الرئيس رونالد ريغان استحضر أيضا روح رامبو عندما التقى بالمجاهدين الأفغان في البيت الأبيض.

وتدور أحداث فيلم "رامبو-3" حول قصة خيالية عن جندي من القوات الخاصة يساعد الأفغان ضد الغزو السوفياتي. ويُنظر إلى رامبو، سواء من قبل ترمب أو ريغان، أو حتى من الكثير من قدامى المحاربين في القوات الخاصة، على أنه– في الوقت عينه– الرمز الأسمى للبطولة الأميركية والخيانة، إذ يشعر هؤلاء الجنود أنفسهم أنهم أرسلوا إلى الحروب، وتعرضوا للاستغلال، وتم نسيانهم، وتُركوا يواجهون مصائرهم بمفردهم. يتحول الكثير منهم إلى السياسة لـ"تصحيح الخطأ". لطالما ردد كينت هذا الموضوع.

ترشح كينت للكونغرس وخسر مرتين، على الرغم من دعم ترمب العلني له ومشاركته في حملته الانتخابية. وعندما اختاره ترمب لإحدى أهم وظائف الاستخبارات في البلاد، قال إن كينت ربما يكون الأكثر كفاءة في تاريخ هذا المنصب

ترشح كينت للكونغرس وخسر مرتين، على الرغم من دعم ترمب العلني له ومشاركته في حملته الانتخابية. عندما اختاره ترمب لإحدى أهم وظائف الاستخبارات في البلاد، قال إن كينت ربما يكون الأكثر كفاءة في تاريخ هذا المنصب، نظرا لأنه خدم في أكثر من اثنتي عشرة جولة قتالية. من يمكن له أن يعرف أكثر من كينت؟ وهذا هو بيت القصيد وجوهر المسألة برمتها. حيث يخرج كينت الآن قائلا إن الحرب على إيران كذبة، وأنها مبنية على معلومات استخباراتية خاطئة، ولم تُشن خدمة للمصالح الوطنية الأميركية، بل إن إسرائيل ورطت ترمب في تلك الحرب.

جو كينت يلقي كلمة خلال مناظرة في الكونغرس، في 7 أكتوبر 2024، في بورتلاند، أوريغون

ويقول إن الكثير من هذه الحروب التي ضحى هو وزوجته وآلاف آخرون بحياتهم من أجلها في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، خاضوها في ظل الخداع. وهنا أيضا لم يكن وحده؛ فرئيسته تولسي غابارد، وسلفه السابق كريستوفر ميلر، وآخرون مثل مايكل والتز ومايكل فلين، وجميعهم من المؤيدين لترمب، شككوا في مرحلة ما في الطبيعة الحقيقية للحرب على إيران. وقال فلين إنه كان من الممكن تحييد إيران بفعالية أكبر من خلال حرب اقتصادية بدلا من الحرب العسكرية. أما إريك برينس، وهو أيضا من المقربين لترمب ومقاتل سابق في القوات الخاصة مثل كينت، فقد قال إن هذه حرب إسرائيل وليست حرب أميركا.

ويتجلى المغزى الحقيقي في أن عددا كبيرا من أولئك الذين حاربوا في سوريا والعراق وأفغانستان يعتقدون أن السياسيين يكذبون، وعلى عكس جيل حرب فيتنام الذين احتجوا لكنهم لم ينخرطوا في السياسة، فإن رجالا ونساء مثل كينت وغابارد وبرينس يقفون في الخطوط الأمامية أو الخلفية للسياسة اليوم. قد تكون غابارد التالية في قائمة المستقيلين، فهي أيضا من أشد منتقدي إسرائيل. أميركا تعشق أبطالها الذين خاضوا حروبا مثل رامبو، وعندما يشكك أولئك في الحرب، فسوف تلقى أصواتهم آذانا مصغية.

font change

مقالات ذات صلة