يبدو أن القدر يختار أحيانا لبعض الشخصيات الاستثنائية سيناريوهات غير مألوفة غالبا، سواء عبر حياتها الفنية والشخصية، أو من خلال نهايات مفتوحة تترك وراءها الكثير من الأسئلة دون إجابات واضحة أو قطعية. هكذا، بدا المشهد الأخير في حياة الفنانة سعاد حسني، منذ رحيلها المفاجئ في مثل هذا اليوم قبل ربع قرن، أقرب إلى خاتمة سينمائية معلقة، ساهمت في تحويل سيرتها إلى واحدة من أكثر الحكايات الفنية إثارة للجدال في الذاكرة الفنية العربية الحديثة، تتجدد مع كل ذكرى لرحيلها. فمنذ ذلك اليوم، رافقت الحكاية موجة طويلة من التكهنات والتفسيرات المتضاربة، تراوحت بين روايات رسمية وفرضيات أخرى ظلت حاضرة في أذهان الجمهور والإعلام، على السواء، دون أن تتوقف أصداؤها حتى اليوم.
إلا أن ما شغل الرأي العام آنذاك لم يكن الموت في حد ذاته، ولكن الغموض الذي أحاط به، خاصة أن المؤشرات كانت توحى باقتراب عودتها من رحلة العلاج بلندن، بعد تحسن حالتها الصحية والنفسية، بحسب ما تم تداوله وقتذاك. ملابسات مختلفة حالت دون تصديق كثيرين لرواية إقدامها على الانتحار، لا سيما أنها لم تكن قد بلغت الثامنة والخمسين من عمرها، ناهيك بمناقضة الواقعة تماما للصورة التي ارتبطت بالسندريلا في أذهان الجماهير بوصفها رمزا للبهجة والحيوية، ليبقى لغز رحيلها سرا متعدد التأويلات، تماما كأسرار عبقريتها الفنية التي يمكن تتبع ملامحها عبر ثلاثة وجوه أو مستويات أدائية كبرى صاغت أسطورتها، وهي مرحلة الطفولة، ثم الفنانة الاستعراضية، ثم النضج الفني.
الساحرة الصغيرة
ولدت سعاد حسني في السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني سنة 1943 بحي بولاق بالقاهرة، لأب من أصل سوري، هو الخطاط محمد كمال حسني البابا، أحد أشهر أعلام الخطوط العربية في زمنه، والده هو المطرب السوري حسني البابا. بعد انتقاله للعيش في مصر، تزوج كمال من مصريتين وأنجب 12 ولدا، لتنتقل جينات الإبداع العائلي إلى عدد كبير منهم، توزعت مواهبهم بين الرسم والنحت والموسيقى والتمثيل، وكان من بينهم المطربة نجاة، شقيقة سعاد الكبرى، حتى أنه أطلق على منزلهم حينها "بيت الفنانين". لهذا، لم يكن مستبعدا أن تبدأ السندريلا مشوارها الفني وهي في الثالثة من عمرها عبر برنامج الأطفال الإذاعي الشهير، "بابا شارو"، بترشيح من زوج أختها الذي كان يعمل بالإذاعة.



