لعلّ المكسب الأساسي الذي ربحته إيران من "اتفاق الإطار"، الذي عقدته مع الولايات المتحدة، إنما يتمثل بوقف الحرب، الذي عدّته بمثابة انتصار لها، وانكسار للولايات المتحدة (ومعها إسرائيل)، في استعادة لمعزوفة الأنظمة العربية التي لم تعترف بالهزيمة في حرب يونيو/حزيران 1967، لمجرد أنها بقيت في الحكم!
طبعا، ثمة سلسلة من المكاسب الأخرى، ضمنها رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإزالة القيود عن الصادرات النفطية، والوعد برفع العقوبات المفروضة عليها، وإمكان الإفراج عن أرصدتها المالية المجمدة، مع رهن الاتفاق بوقف الحرب في لبنان، بيد أنها مكاسب مؤقّتة (لـ60 يوما)، ومرهونة بشرط التوصل إلى اتفاق نهائي، من الصعب التكهّن بطبيعته، أو بإمكان توصل الطرفين إليه، بحكم التعقيدات والمداخلات والاشتراطات المتبادلة.
في الغضون فإن إيران، في الواقع، تتموضع في مرحلة تراجع، أو انكفاء استراتيجي، إذ تراجعت عما ادّعته حقها في حيازة قدرات نووية، وعن رفضها أي رقابة دولية على منشآتها النووية، وأخضعت مخزونها من اليورانيوم المخصّب للتفاوض، كما تراجعت عن حقّها في فرض شروطها على الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
بيد أن التراجع الاستراتيجي الأساسي الحاصل لإيران، والذي تطمسه دعايتها، يتمثل بانحسار مكانتها إقليميا ودوليا، وفقدانها إسناد أذرعها الإقليمية، باستثناء "حزب الله" في لبنان، الذي بات مصيره مرتبطا بمصير النظام الإيراني، لدرجة تعريض لبنان للخطر، رغم أن ذلك النظام لم يفعل شيئا يذكر، إبان توجيه إسرائيل ضربات قاصمة له (أواخر 2024)، مفضلا النأي بالنفس، على ترجمة شعاراته عن "وحدة الساحات"، و"المقاومة والممانعة"، مثلما نأى بنفسه عن أي فعل جراء قيام إسرائيل بتدمير غزة، وقتل وتشريد ربع مليون من أهلها، بالضد من ادعاءاته مقاومة إسرائيل وقدرته على تدميرها ونصرة فلسطين.
على ذلك، فإضافة إلى خسارة إيران جهودها، ومواردها، في تعظيم قدراتها النووية، فقد خسرت، أيضا، دورها الإقليمي، وأذرعها الإقليمية، التي شكلت تهديدا لدول المشرق والخليج العربيين، إلى درجة أن بعض قادتها لم يخفوا تبجحاتهم بالسيطرة على عدة عواصم عربية (بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد)، في حين باتت اليوم بالكاد تحاول الدفاع عن حدودها.
طبعا، ثمة خسارات لإيران، على الصعيد الاقتصادي، في الفرص التي خسرتها، بسبب العقوبات، ثم بسبب الحرب، والحصار، هذا عدا عن الخسائر البشرية، وفي البني التحتية، وفي القدرات العسكرية، بحيث باتت تحتاج إلى سنوات، وربما لعقد أو عقدين، لإعادة ترميم كل ما حصل، عدا عن كلفتها الباهظة، التي تقدر بمئات مليارات الدولارات.
حضّت أزمة مضيق هرمز الجهود الدولية والإقليمية لإيجاد طرق وممرات بديلة لضمان سلامة سلاسل التوريد لمختلف دول العالم، ما يعني التخفف من ضغوط إيران في هذا الاتجاه
وباختصار فثمة خسائر إيرانية مركبة، وهائلة، سياسية واقتصادية وعسكرية ومعنوية، ولا تغطي عليها خطابات، من نوع أن النظام انتصر لأنه بقي، إلى درجة أنه فرض المفاوضات، واتفاقا لوقف إطلاق النار، في حين أنه اتفاق مؤقّت وهش ومشروط ومراوغ.
بيد أن هذه الجولة من الحرب، بتداعياتها، ومعطياتها، تكشفت، أيضا، عن متغيرات استراتيجية، عديدة، أهمها:
أولا، صعود دور دول عربية وإقليمية، على رأسها السعودية وتركيا وباكستان ومصر في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، بحيث باتت أكثر فاعلية في المشاركة في الهندسة السياسية والأمنية والاقتصادية للمنطقة، على حساب إيران وإسرائيل، في آن معا، وربما تأتي زيارة وزيرة الخارجية الأميركية، ماركو روبيو، للدول الخليجية في هذا السياق، سيما مع تصريحه بأن "الولايات المتحدة لن تتّخذ أي خطوات من شأنها إضعاف أمن حلفائها القدامى في منطقة الخليج... وأن جولته الحالية في المنطقة تستهدف تجديد الالتزام المشترك وإشراك الحلفاء في محادثات تفصيلية حول كافة القرارات المرتبطة بالمفاوضات الجارية مع طهران".
ثانيا، حضّت أزمة مضيق هرمز الجهود الدولية والإقليمية لإيجاد طرق وممرات بديلة لضمان سلامة سلاسل التوريد لمختلف دول العالم، ما يعني التخفف من ضغوط إيران في هذا الاتجاه، وسحب هذا السلاح من يدها، وهذا ما باتت المشاريع والموارد تخطط له، وضمن ذلك يأتي مشروع خطوط السكة الحديد بين السعودية وتركيا، مرورا بالأردن وسوريا، إلى أوروبا، وكذلك مشاريع أنابيب النفط من شواطئ الخليج العربي، إلى موانئ البحر الأحمر، وخليج عمان أو إلى الأردن وسوريا وتركيا، ما يفاقم من عزلة إيران إذا بقيت على حالها.
أدت الحرب، بتداعياتها وأكلافها ونتائجها، إلى تراجع مكانة القوتين الإقليميتين، أي إسرائيل وإيران، اللتين تحكمتا بالتفاعلات في المشرق العربي طوال العقود الستة الماضية
ثالثا، بينت وقائع المفاوضات أن النظام الإيراني الذي أصر على وقف النار في لبنان، تجاهل تماما قطاع غزة والضفة والقدس والأقصى، ما يكشف أنه كان يستخدم قضية فلسطين، والمقاومة، كمجرد ورقة، لتغطية وتبرير سياساته وابتزاز الأنظمة الأخرى.
رابعا، أدت الحرب، بتداعياتها وأكلافها ونتائجها، إلى تراجع مكانة القوتين الإقليميتين، أي إسرائيل وإيران، اللتين تحكمتا بالتفاعلات في المشرق العربي طوال العقود الستة الماضية، فهذه إسرائيل نتنياهو باتت تشعر بالقيود الأميركية على خياراتها السياسية والعسكرية، تماما كما حصل في مطلع التسعينات، في عهد بوش الأب، الذي فرض على إسرائيل عدم الرد على الصواريخ العراقية، وها هي الولايات المتحدة تشعر بثقل العبء السياسي والأمني والاقتصادي والأخلاقي الذي تشكله السياسات الإسرائيلية، عليها وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، ما بات يتمثل بانحسار التأييد لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، وآخرها ما ظهر في نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك (نجاح مؤيدي ممداني عمدة المدينة)، ما يفيد، أيضا، بأن الولايات المتحدة باتت متحررة بسياساتها إزاء إسرائيل. ويمكن تفسير ذلك بسببين: الأول أن إسرائيل باتت أكثر أمنا من أية فترة مضت، بعد تحجيم إيران، وإعادتها خلف حدودها. والثاني أن إسرائيل نتنياهو سموتريتش بن غفير، اليهودية والدينية والعنصرية والعدوانية، باتت تختلف عن إسرائيل العلمانية والديمقراطية التي تتلاقى مع القيم الغربية، وضمنها الأميركية؛ من دون أن يفهم من ذلك أن هذه العلاقة باتت في مرحلة أدنى، إذ حتى تحجيم إسرائيل، أميركيا، لا يصب في طاحونة سياسات النظام الإيراني.
القصد أننا منذ "طوفان الأقصى" (أواخر 2023) إزاء حقبة تاريخية جديدة في المشرق العربي، أسوة بالحقب التي شهدت تغيرات سياسية وأمنية واقتصادية في تلك المنطقة، في مطلع القرن العشرين، ثم بعد إقامة إسرائيل (1948)، وتاليا حرب 1967، وصولا إلى الغزو الأميركي للعراق (2003)، وهكذا.