"ملك الشمال"... هل تتخطى شعبية آندي بيرنهام نطاق مانشستر؟https://www.majalla.com/node/331765/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%8A%D9%84/%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%89-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A2%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%85-%D9%86%D8%B7%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%B4%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%9F
"ملك الشمال"... هل تتخطى شعبية آندي بيرنهام نطاق مانشستر؟
رحلة صعود صعبة إلى أهم منصب سياسي في المملكة المتحدة
رويترز
آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى ومرشح حزب العمال، يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج حانة في ويغان قبل الانتخابات الفرعية في دائرة ماكرفيلد المقرر إجراؤها في 18 يونيو، في ويغان، بريطانيا، 5 يونيو 2026
"ملك الشمال"... هل تتخطى شعبية آندي بيرنهام نطاق مانشستر؟
على قارعة الباب الأسود اللامع في "10 داونينغ ستريت"، بدا كير ستارمر، في تحول درامي، يعلن استقالته، وهو الرجل الذي دخل من هذا الباب نفسه منتصرا قبل عامين فقط! خلفه، يقف الباب مفتوحا على مصراعيه كأنه يعلن، أن هذا المكان هو الذي يقود بريطانيا أمام مشهد مشحون ومختلف، إنه تصويت الشمال الذي قد يغيّر بريطانيا
دفعت الاستقالة المفاجئة والدرامية لرئيس الوزراء البريطاني الأنظارَ إلى آندي بيرنهام، عمدة مانشستر السابق وصاحب الحضور السياسي اللافت، بوصفه المرشح الأبرز لخلافته في داونينغ ستريت.
وقد تعزز هذا الاحتمال بقوة بعد أن أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتنغ- الذي كان يُعد أقوى المنافسين المحتملين لبيرنهام ويملك دعم 81 نائبا- عدوله عن الترشح وتأييده الكامل لبيرنهام، الأمر الذي يفتح الباب لتنصيب الأخير زعيما للحزب ورئيسا للوزراء. مع فتح باب الترشيحات رسميا في 9 يوليو/تموز.
القصة بدأت حين أعلن بيرنهام، الوزير العمالي السابق في حكومتي توني بلير وغوردون براون، عودته إلى مجلس العموم، عقب فوزه في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد الأسبوع الماضي، حينها تزايدت التكهنات بأن بقاء ستارمر في رئاسة الوزراء لم يعد سوى مسألة وقت.
في عطلة نهاية أسبوع عاصفة ومشحونة، أسرّ كبار وزراء الحكومة لستارمر بأن التنحي أصبح الخيار الأمثل، فظهر زعيم "حزب العمال" المحاصر الاثنين معلنا قراره بالاستقالة
أزمة ثقة هوت بستارمر
خلال أقل من عامين على فوزه الكاسح وغير المسبوق في الانتخابات العامة لعام 2024، هوت شعبية ستارمر بشكل حاد، إذ تضافرت عدة عوامل لتهبط بأسهمه إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وكان أبرزها سوء تقديره الفادح في تعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا لدى واشنطن رغم صلاته المعروفة بالمدان بجرائم جنسية بحق الأطفال جيفري إبستين، وهي العلاقة التي تكشف اتساعها على نطاق واسع مع نشر ملفات إبستين في سبتمبر/أيلول 2025، فأقيل ماندلسون من منصبه، بل استقال رئيس أركان ستارمر، ومن عُدَّ "العقل المدبر" لصعوده لرئاسة الوزراء مورغان ماكسويني في فبراير/شباط 2026، تحمُّلا لمسؤولية دعم ستارمر في تعيين ماندلسون سفيرا لدى واشنطن. هذا إلى جانب أداء الحكومة المتعثر في ملفات محورية مثل تنشيط النمو الاقتصادي وإصلاح نظام الإعانات.
وقد جاء فوز بيرنهام الساحق في ميكرفيلد ليمهد له الطريق، ليس فقط للعودة إلى مجلس العموم، بل ولإطلاق حملته لخلافة ستارمر في رئاسة الوزراء. وبخاصةٍ مع تصاعد مخاوف نواب "حزب العمال" من خسارة مقاعدهم، إذا لم تشهد مسيرة الحكومة العمالية تحولا جذريا.
مرشح حزب العمال، آندي بيرنهام يلقي كلمة أمام أنصاره أمام مقر حملة الحزب في أشتون إن ماكرفيلد، شمال غرب إنجلترا، في 18 يونيو 2026
وإثر عطلة نهاية أسبوع عاصفة ومشحونة، أسرّ خلالها عدد من كبار وزراء الحكومة لستارمر بأن التنحي أصبح الخيار الأمثل، ظهر زعيم "حزب العمال" المحاصر صباح الاثنين، ليعلن أخيرا قراره بالاستقالة.
ساعات قليلة فصلت إعلان ستارمر، عن كشف بيرنهام نيته خوض سباق الخلافة على رئاسة الوزراء، ليبدأ بذلك معركة على القيادة يرى أغلب المحللين السياسيين في بريطانيا أنها ستفضي، على الأرجح، إلى دخوله مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت" بحلول سبتمبر/أيلول.
ومع أن احتمال تولي رئيس وزراء سابع خلال عقد واحد في بريطانيا يثير تساؤلات حقيقية بشأن استقرار نظامها السياسي وصلابته، فإن حظوظ بيرنهام في حسم سباق القيادة لصالحه تصاعدت بقوة، لا سيما بعدما أعلن أقوى منافسيه، وزير الصحة السابق ويس ستريتنغ، عدم ترشحه للانتخابات.
كيف وصل بيرنهام إلى هذه اللحظة؟
لقد مثّل بيرنهام "حزب العمال" نائبا عن دائرة لي في مانشستر الكبرى بين عامي 2001 و2017، وذلك قبل مغادرته أروقة وستمنستر، ليتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى، وهو المقعد الذي تنحى عنه في وقت سابق من هذا الشهر ليتفرغ لخوض الانتخابات الفرعية في ميكرفيلد، قبل أن يعود لمجلس العموم هذا الأسبوع من جديد.
وخلال مسيرته البرلمانية التي سبقت انتخابه عمدة للمدينة، تولى بيرنهام عدة حقائب وزارية، كان آخرها وزارة الصحة بين عامي 2009 و2010 ضمن حكومة غوردون براون. خاض بيرنهام في السابق محاولتين لم تكللا بالنجاح لزعامة "حزب العمال"، جاءت أولاهما في أعقاب الخسارة بالانتخابات العامة عام 2010، فيما كانت المحاولة الثانية عام 2015.
وقد نجح بيرنهام في بناء هويته السياسية انطلاقا من جذوره الشمالية، سواء في الحكومة المحلية كعمدة لمانشستر الكبرى، أو اليوم بصفته نائبا منتخبا حديثا عن دائرة ميكرفيلد الواقعة ضمن المنطقة نفسها.
وفي اللحظات التي ظهر فيها بيرنهام في مجلس العموم هذا الأسبوع. قد يبدو لأول وهلة كيف يمثل عمدة منطقة محلية في البرلمان، فالمادة 67 من قانون إصلاح الشرطة والمسؤولية الاجتماعية لعام 2011 تنص على أن العمدة يحمل صلاحيات مفوض الشرطة والجريمة فإذا أصبح نائبا في البرلمان، يستبعد تلقائيا من منصب العمدة، لكنه لا يُلزم بالاستقالة لمجرد الترشح لعضوية مجلس العموم، بل فقط في حال فوزه بالانتخابات.
ورغم فوزه الحاسم في ميكرفيلد وإبعاده خطر "حزب الإصلاح" البريطاني بفارق مريح بلغ 9000 صوت، فإن هذا الانتصار لا يمحو التساؤل الأكبر الذي يلاحقه، لا سيما وأن الحزب ذاته كان قد وجّه صفعة قوية لـ"حزب العمال" في انتخابات المجالس المحلية في مايو/أيار، وهذا التساؤل هو: هل بمقدور شعبية بيرنهام أن تتخطى نفوذه الشمالي، لتمتد وتكسب ثقة سائر أنحاء البلاد؟
إن بيرنهام يعلم يقينا أن الواقع السياسي في مانشستر، التي حظي فيها بشعبية جارفة إبان توليه منصب العمدة، يختلف كليا عن أجواء المنافسة السائدة في أروقة وستمنستر.
ملامح طرح بيرنهام لسياسته في ترشحه للانتخابات بدت تميل لمناصرة العدالة المحلية. التي رسخ بها صورته وهو عمدة مانشستر الكبرى حتى لقب بـ"ملك الشمال"
انتخابات صورية في مدرسة كاثوليكية
من حيّ عمالي في ليفربول إلى قلب السلطة، أبصر بيرنهام النور في ضاحية في ليفربول عام 1970، وترعرع في كولتشث، وهي قرية هادئة في تشيشير. نشأ في كنف عائلة عمالية مخلصة، إذ كان والده مهندسا ووالدته موظفة استقبال في عيادة طبيب، وفي هذه البيئة تشكل وعيه السياسي المبكر، ليتخذ خطوته الأولى وينتسب إلى "حزب العمال" وهو في الرابعة عشرة من عمره.
وفي مدرسته الكاثوليكية الرومانية الشاملة، لا يزال معلم اللغة الإنجليزية لديه يذكر كيف خاض بيرنهام انتخابات صورية ممثلا عن "حزب العمال"، وحقق فيها فوزا كاسحا. وكان بيرنهام وشقيقاه أول أبناء العائلة الذين يلتحقون بالجامعة، حيث درس اللغة الإنجليزية في جامعة كامبريدج.
وعقب تخرجه، بدأ بيرنهام مشواره المهني في الصحافة، فعمل في مجلات متخصصة في المال والأعمال. وفي مطلع عشريناته، دخل معترك السياسة أول مرة حين عمل باحثا لدى الراحلة تيسا جويل، التي كانت آنذاك نائبة عن دائرة دولويتش ووست نوروود، قبل أن تتولى لاحقا مناصب وزارية في حكومتي توني بلير وغوردون براون.
ورغم ما أبداه لاحقا من نفور من سياسة وستمنستر وكواليسها، فقد صعد بيرنهام بسرعة داخل المؤسسة السياسية. حيث عُيّن مستشارا خاصا لوزير الثقافة كريس سميث، قبل أن ينتخب نائبا عن بلدته "لي" مرتين (2001-2010). واستهل مسيرته الحكومية وزير دولة صغيرا في عهد بلير، ثم انضم إلى مجلس الوزراء عبر وزارة الخزانة، قبل أن يتولى لاحقا حقيبتي الثقافة والصحة في حكومة براون.
آندي بيرنهام، العضو الجديد في البرلمان البريطاني عن دائرة ماكرفيلد، أثناء حضوره مراسم أداء اليمين الدستورية في مجلس العموم بلندن، بريطانيا، في 22 يونيو 2026
وقد استهل مسيرته الحكومية وزيرَ دولة صغيرا في عهد توني بلير. وانضم إلى مجلس الوزراء بالتدرج في مناصب بين نائب ووزير، في حكومتي العماليّين توني بلير وغوردن براون، عبر وزارة الداخلية (2005-2006)، ووزارة الصحة (2006-2007)، ووزارة الخزانة (2007-2008). وتولى لاحقا حقيبتي الثقافة والإعلام والرياضة (2008-2009)، والصحة في حكومة براون.
ومنذ أن غادر بيرنهام أروقة وستمنستر عام 2017، ليتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى، انتُخب ثلثا نواب "حزب العمال" الحاليين، ما يجعله في نظر كثير منهم شخصية لم تتضح ملامحها السياسية بالكامل بعد. لكنه حرص خلال حملته في الانتخابات الفرعية على طرح مجموعة من أفكاره السياسية. وقد بدت ملامح طرح بيرنهام لسياسته التي يقدمها في ترشحه للانتخابات تميل إلى مناصرة العدالة المحلية. التي رسخ بها صورته وهو في منصب عمدة مانشستر الكبرى حتى لقب بـ"ملك الشمال".
مناصرة العدالة المحلية
تعهد بيرنهام الالتزام بالضوابط الاقتصادية التي وضعتها وزيرة الخزانة رايتشل ريفز، في إشارة إلى أنه لن يميل إلى التوسع في الاقتراض إذا تولى رئاسة الوزراء. كما أكد تمسكه بتعهدات "حزب العمال" الانتخابية بعدم رفع المعدلات الأساسية لضريبة الدخل أو ضريبة القيمة المضافة أو التأمين الوطني، وهو التزام من شأنه أن يحد من قدرته على توفير إيرادات ضريبية كبيرة.
طرح بيرنهام مرارا استبدال ضريبة الميراث بـ"رسم وطني للرعاية" إذ يدفع الأثرياء النصيب الأكبر في مواجهة من هم أقل فقرا
ولطالما كان بيرنهام في طليعة الداعين إلى إصلاح منظومة الرعاية الاجتماعية لكبار السن والمرضى، وهي قضية تعود جذورها إلى فترة توليه حقيبة الصحة، أولا في حكومة توني بلير بين عامي 2006 و2007، ثم في حكومة غوردون براون بين عامي 2009 و2010.
وفي هذا السياق، اقترح مرارا استبدال ضريبة الميراث بما سماه "رسما وطنيا للرعاية"، موضحا في خطاب ألقاه عام 2023 أن هذا الإجراء سيجعل "الرعاية المقدمة مجانية"، وأن "الجميع سيدفعون، لكن من البديهي أن يدفع الأثرياء النصيب الأكبر".
وقد تكون خطة الحكومة للاستثمار الدفاعي من أكثر الملفات إلحاحا أمام بيرنهام إذا خلف السير كير ستارمر في 10 داونينغ ستريت. ففي الأسبوع الماضي، استقال جون هيلي من منصبه وزيرا للدفاع في حكومة السير كير، موضحا أن مسوّدات المقترحات الحكومية سترفع الإنفاق الدفاعي البريطاني إلى 2.68 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وهو مستوى قال إنه يقل "كثيرا" عن هدف الثلاثة في المئة الذي ظل يراه ضروريا. وجاءت استقالته وسط تقارير تفيد بأن وزارة الدفاع كانت تسعى إلى تمويل إضافي قدره 28 مليار جنيه إسترليني من الآن وحتى نهاية العقد، لكنها لم تحصل إلا على عرض بزيادة قدرها 10 مليارات جنيه إسترليني.
وفي اليوم التالي لاستقالة هيلي، قال بيرنهام لصحيفة "التايمز" إن تبني استراتيجية تمتد لعشر سنوات في شؤون الدفاع والأمن ينبغي أن يترافق مع إصلاح منظومتي الاستثمار العام والمشتريات العامة. ورأى أن هذا النهج يمكن أن يخفض فاتورة الرعاية الاجتماعية عبر إدماج المستفيدين منها في سوق العمل، بما يتيح توفير مزيد من الأموال للدفاع. وعندما سئل عن هذه الالتزامات خلال حملة الانتخابات الفرعية، أكد بيرنهام أنه لا "يتراجع" عن موقفه السابق من ضريبة الميراث.
وفي خطاب إطلاق حملته، أعلن بيرنهام أنه يريد تنفيذ "أكبر برنامج لبناء مساكن محلية منذ الحرب العالمية الثانية." وأشار إلى أن تمويل هذا المشروع قد يكون ممكنا عبر إعادة توجيه كامل مخصصات برنامج الإسكان الميسر الحالي، البالغة 39 مليار جنيه إسترليني، نحو مساكن الإيجار الاجتماعي.
وفي الخطاب نفسه، لمح بيرنهام إلى رغبته في تغيير طريقة فرض الضرائب على الشركات والعقارات والأراضي، بما في ذلك إصلاحات على ضريبة المجلس، التي وصفها بأنها ضريبة " تراجعية" إلى حد كبير. كما قال لبرنامج "نيوزنايت" على "بي بي سي" إنه يعتزم إعادة النظر في زيادة التأمين الوطني المفروضة على أصحاب العمل، وهي الزيادة التي أقرتها رايتشل ريفز في موازنة عام 2024.
ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية أن تحقق هذه الزيادة إيرادات قدرها 16.1 مليار جنيه إسترليني في عامي 2029 و2030. ولم يتعهد بيرنهام بإلغاء الزيادة بالكامل، رغم وصفه الصريح لها بأنها كانت "قرارا خاطئا".
يرى منتقدو بيرنهام أنه تراجع بالفعل عن عدد من مواقفه السياسية، برغم تبنيه مواقف تميل لمناصرة العدالة المحلية. في قضايا مثل البريكست والمهاجرين. حيث أعرب في مؤتمر "حزب العمال" العام الماضي عن أمله في أن تعود بريطانيا في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه يؤكد اليوم أنه "لا يدعو" إلى إجراء استفتاء ثان. وفيما انتقد سابقا تعديلات وزيرة الداخلية على نظام الهجرة، فإنه قبل لاحقا بتلك الإصلاحات، وكان قد طالب سابقا بمنح مدفوعات الرعاية الاجتماعية للمهاجرين الحاصلين على تأشيرات عمل ودراسة وأسرة، لكنه بات يعارض هذا التوجه الآن.
رغم ما يبدو من تناقضات في مواقفه، يظل بيرنهام حتى الآن المرشح الأبرز لخلافة ستارمر، مدعوما بقناعة واسعة داخل الكتلة البرلمانية لـ"حزب العمال" بأنه يملك من الحضور والقدرة القيادية ما يؤهله لاستعادة ثقة الناخبين وإعادة بناء شعبية الحزب.