نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.
الكتاب: سر ياسر عرفات - وجهات نظر إسرائيلية
الكاتب: ماجد كيالي
الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية - سوريا
الكتابة عن ياسر عرفات بوصفه مجرد قائد سياسي في تاريخ الشرق الأوسط قد لا تكون كافية، فالرجل تحول، خلال أكثر من أربعة عقود، إلى رمز لقضية وشعب وحركة تحرر وطنية. فبين صورة الزعيم المقاوم، ورجل التسوية السياسية، والقائد الذي جمع بين كونه رمزا وواقعا في الآن نفسه، بقي عرفات شخصية مثيرة للجدل، حاضرة في الذاكرة الفلسطينية والعربية والدولية. من هنا تأتي أهمية كتاب "سر ياسر عرفات - وجهات نظر إسرائيلية" للكاتب ماجد كيالي، الذي يقارب فيه تجربة عرفات من زاوية مختلفة: زاوية الإسرائيلي، بما تحمله من صراع وتناقضات وحسابات سياسية معقدة.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن فهم ياسر عرفات لا يمكن أن يكتمل من خلال الرواية الفلسطينية وحدها أو الرواية الإسرائيلية وحدها، بل عبر قراءة التفاعلات المعقدة التي صنعت مكانته. فقد كان عرفات، كما يعرض الكتاب، أكثر من قائد لمنظمة أو حركة، فقد استطاع أن ينقل القضية الفلسطينية من كونها حالة لجوء وشتات إلى كونها قضية سياسية حاضرة باستمرار على جدول الأعمال الدولي.
يقدم كيالي قراءة لتطور مسيرة عرفات منذ انطلاقة حركة فتح في ستينيات القرن الماضي، مرورا بتحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى عنوان سياسي للشعب الفلسطيني، وصولا إلى مرحلة المفاوضات واتفاق أوسلو والانتفاضة الثانية. فالكتاب يتعامل مع عرفات باعتباره نتاجا لظروف تاريخية وسياسية شديدة التعقيد، جمع خلالها بين خطاب المقاومة ومتطلبات العمل السياسي بكل مخاطره وانزلاقاته وتفجره.
اللافت في الكتاب هو اعتماده على شهادات وتحليلات إسرائيلية تكشف حجم الحضور الذي مثله عرفات في الوعي السياسي الإسرائيلي. فبينما رآه بعض الإسرائيليين خصما أو عدوا خطيرا ورمزا للمواجهة، رأى آخرون أنه شخصية لا يمكن تجاوزها وأن غيابه قد يخلق فراغا سياسيا وأمنيا. ويعرض الكتاب كيف انقسمت المواقف الإسرائيلية بين من دعا إلى إضعاف عرفات أو عزله، ومن اعتبره الطرف الفلسطيني القادر على اتخاذ القرارات الصعبة في مسار التسوية.
يخصص المؤلف مساحة واسعة لمرحلة الانتفاضة الثانية (2000 ـ 2004)، باعتبارها لحظة مفصلية في العلاقة بين عرفات وإسرائيل. فقد شهدت تلك المرحلة انتقال الصراع إلى مستوى جديد، حيث حوصر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله، وتحولت شخصيته إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية.
تكمن قيمة الكتاب في أنه يحاول تفكيك صورة عرفات كما ظهرت في عيون خصومه وأعدائه، فهو يكشف كيف أصبح الرجل بالنسبة للفلسطينيين رمزا للهوية الوطنية والتمثيل السياسي، بينما ظل بالنسبة لإسرائيل وجودا إشكاليا من حيث النظر إليه: إما كشريك ضروري وإما كعقبة أمام التسوية. وهذه الازدواجية هي إحدى مفاتيح فهم سر بقاء عرفات حاضرا في السياسة والذاكرة حتى بعد رحيله.




