بعد أشهر قليلة من اضطرار محافظة دمشق، تحت ضغط الاعتراض العام، إلى تعليق القيود على استهلاك الكحول في مارس/آذار، عادت المسألة إلى الظهور من باب أقل ضجيجا وأكثر التباسا. فقد أدرجت القواعد الجمركية السورية الجديدة المشروبات الكحولية، ومعها مادة أدعى إلى الاستغراب، الآلات الموسيقية، ضمن السلع المحظور استيرادها، بحسب تقارير.
وعلى الرغم من أن الحادثتين تلتقيان في الهدف نفسه، فإن الاختلاف في الأسلوب لافت ومقلق. فبينما أثار قرار محافظة دمشق في مارس/آذار حظر الكحول جدلا واسعا لأنه كان ظاهرا ومعلنا، استطاع السوريون رؤيته ومناقشته والاعتراض عليه، جاءت الطريقة هذه المرة أكثر غموضا. وبدلا من إعلان الحظر صراحة والدفاع عنه أمام الرأي العام، مررته سلطات الجمارك داخل وثيقة فنية طويلة تقارب 900 صفحة، لا يقرأها إلا قليل من المواطنين، ولا يفهم دلالاتها إلا عدد أقل، بحيث يتحقق أثر الحظر من دون أن يظهر كقرار سياسي معلن.
ولا تكمن المشكلة في السلع المحظورة وحدها، وإنما في توظيف السلطة الإدارية لتقييد سلع غير محظورة داخل البلاد. فإذا كان بوسع المسؤولين استخدام القواعد الجمركية لفرض تفضيلاتهم الأخلاقية من دون سند قانوني واضح أو نقاش عام، فإن المسألة تمس جوهر الحكم في سوريا: هل ستدير السلطات الانتقالية تنوع البلاد عبر قوانين شاملة وتشاركية وشفافة، أم ستعمل على ضبطه بقواعد مدفونة في اللوائح وبأخلاقوية بيروقراطية متسللة؟
الحظر عبر اللوائح
عادت المسألة إلى الواجهة بعدما أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 109 في مايو/أيار 2026، مستحدثا قانونا جمركيا جديدا. ولم يكد يمرّ وقت قصير، حتى نشرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية والجمارك وثيقة واسعة للتعرفة الجمركية، تضم بنودا تغطي طيفا واسعا من السلع، بينها المشروبات الكحولية والآلات الموسيقية. وقد أدرجت الوثيقة هذه السلع ضمن "قائمة سلبية"، وهو مصطلح يفهمه الاقتصاديون والمحللون عادة على أنه يشير إلى الواردات المحظورة.
استخدم مسؤولون في مواقع مختلفة، مرارا، اللغة الفضفاضة لـ"الاحتشام العام" لتبرير حظر ممارسات لا يوافقون عليها
وظيفة القواعد الجمركية أن تصنف السلع، وتحدد الرسوم، وتنظم ما يدخل البلاد وما يخرج منها. وقد تقيد هذه القواعد سلعا معينة أو تحظرها، غير أن مثل هذه الإجراءات ينبغي أن تكون واضحة وقانونية ومتناسبة. وينبغي، فوق ذلك، أن تستند إلى المصلحة العامة، لا إلى التفضيلات الأخلاقية الخاصة للمسؤولين الذين يديرون مؤسسات الدولة.
والمعروف أن الكحول والآلات الموسيقية غير محظورة في سوريا. فالكحول يباع ويستهلك في مناطق كثيرة من البلاد. والآلات الموسيقية حاضرة في البيوت الخاصة والمراكز الثقافية والمطاعم وحفلات الزفاف والكنائس. فإذا كانت هذه السلع قانونية داخل سوريا، فعلى أي أساس تستطيع القواعد الجمركية منع دخولها إلى البلاد؟ ثم إن مثل هذه القيود قد تدفع الموردين بعيدا عن القنوات الرسمية ونحو طرق التهريب، بما يحمله ذلك من تبعات مالية وقانونية وصحية واضحة.
حظر من دون إعلان الحظر
إدراج الآلات الموسيقية يجعل القرار أشد صعوبة في الدفاع عنه. ففي مارس/آذار، حاول المسؤولون تقديم حظر الكحول على أنه مسألة أخلاق عامة ونظام اجتماعي، وهي حجة كانت ضعيفة من أساسها. أما حظر استيراد الآلات الموسيقية فأعصى على التبرير. فهذه الآلات لا تهدد الأخلاق العامة ولا النظام المدني. وتصنيفها سلعا محظورة يوحي بأن كبار مسؤولي الجمارك لا يكتفون بتنظيم التجارة، وإنما يسعون إلى مراقبة الحياة الثقافية نفسها.
هنا يكمن الخطر. فالدولة لا تقول صراحة إن الكحول محظور. ولا تعلن أن الآلات الموسيقية غير قانونية. لكنها تبدو كأنها تنشئ نظاما تعجز فيه السلع القانونية عن عبور الحدود. والهدف، على ما يبدو، هو تفادي الكلفة السياسية لحظر معلن، مع تحقيق قدر كبير من نتائجه.
ويبدو أن هذا المسار يضفي طابعا رسميا على ممارسة فرضت من دون إعلان منذ بداية المرحلة الانتقالية. وتشير تقارير وملاحظات شخصية إلى أن حظرا غير رسمي على إدخال الكحول إلى سوريا قائم منذ سقوط النظام، إذ تصادر الزجاجات خلال عمليات التفتيش، وأحيانا تتلف في المكان نفسه عند المعابر البرية.
الأخلاقوية البيروقراطية
والأهم أن هذه الممارسات ليست معزولة بعضها عن بعض. فهي جزء من نمط آخذ في التشكل، يسعى فيه مسؤولون إلى فرض رؤية اجتماعية بعينها عبر أدوات بيروقراطية. وقد استخدم مسؤولون في مواقع مختلفة، مرارا، اللغة الفضفاضة لـ"الاحتشام العام" لتبرير حظر ممارسات لا يوافقون عليها. ومن ذلك قرار محافظ اللاذقية منع الموظفات من وضع مساحيق التجميل داخل مؤسسات الدولة، وقرار رئيس بلدية وادي بردى منع المطاعم من استقبال مجموعات مختلطة تجتمع للرقص أو الاختلاط الاجتماعي.
في بلد مثقل بالانقسامات، كل قيد غامض يضاف إلى حياة السوريين يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويمنح السلطة الإدارية قدرة إضافية على التدخل في ما ينبغي أن يبقى خارج يدها
وقد قدمت هذه الإجراءات في صورة دفاع عن الأعراف الثقافية أو الأخلاق العامة. غير أنها، في حقيقتها، توسع رقابة الدولة إلى مجالات من الاختيار الشخصي لا صلة تذكر لها بالسلامة العامة أو النظام المدني.
وتندرج القيود الجمركية الأخيرة في النمط نفسه. فاستخدام القواعد الجمركية لمنع استيراد سلع غير محظورة قانونيا داخل البلاد يحوّل هذه القواعد إلى أداة للضبط الاجتماعي بوسائل إدارية.
اختبار النيات
ينبغي للسلطات السورية أن توضح، على وجه السرعة، الوضع القانوني لهذه السلع. فإذا لم يكن الكحول والآلات الموسيقية محظورين قانونيا، فيجب السماح بدخولهما إلى البلاد، ووقف كل محاولات منع دخولهما فورا، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. أما إذا كانت النية تتجه إلى تقييدهما، فينبغي شرح الأساس القانوني لذلك وطرحه للنقاش العام.
والخيار المطروح اليوم أمام السلطات الانتقالية يتجاوز هذه السلع. فإما أن تضع حدا لاستخدام البيروقراطية وسيلة مستترة للضبط الأخلاقي، وتبدأ بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وتحمي الحريات الشخصية، وإما أن تترك الأخلاقوية الإدارية تتمدد في الحياة العامة، قرارا بعد آخر ولائحة بعد أخرى.
في بلد مثقل بالانقسامات، لا تبدو هذه التفاصيل صغيرة. فكل قيد غامض يضاف إلى حياة السوريين يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويمنح السلطة الإدارية قدرة إضافية على التدخل في ما ينبغي أن يبقى خارج يدها. وما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيدا من الوصاية الأخلاقية، بل حكما واضحا ومسؤولا وخاضعا للمساءلة.