كرة القدم التي أصبحت العالم

كرة القدم التي أصبحت العالم

استمع إلى المقال دقيقة

في كل مرة يطلق الحكم صافرة البداية، يحدث شيء يتجاوز حدود الملعب. أحد عشر لاعبا في مواجهة أحد عشر آخرين، وكرة تتحرك فوق مساحة من العشب، لكن ملايين البشر في القارات الخمس يغيرون، في اللحظة نفسها، إيقاع يومهم. تؤجل الاجتماعات، وتؤخر مواعيد العشاء، وتمتلئ المقاهي، وتخفت حركة الشوارع في بعض المدن.

قلما استطاعت ظاهرة إنسانية أن تفرض حضورها في الحياة اليومية كما فعلت كرة القدم. فما بدأ في القرن التاسع عشر لعبة بقواعد بسيطة، تحول خلال عقود قليلة إلى لغة عالمية، وإلى نظام رمزي تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والهوية والثقافة والذاكرة. واليوم يصعب النظر إلى كرة القدم بوصفها رياضة فقط، لأنها أصبحت واحدة من أكثر الطرق التي يفهم بها الإنسان المعاصر نفسه والعالم من حوله.

سر هذه الهيمنة ليس التعقيد، يكمن ربما في بساطة اللعبة. فكل ما تحتاجه كرة القدم مفهوم خلال دقائق: كرة، ولاعبون، والفائز هو من يسجل أكثر. هذه البساطة هي التي منحتها قدرة استثنائية على عبور الحدود واللغات والطبقات الاجتماعية. فالطفل يفهمها كما يفهمها أستاذ الجامعة، والعامل كما المستثمر، وسكان الأحياء الفقيرة كما الأثرياء. الجميع يدخل اللعبة من الباب نفسه.

ولهذا بقيت كرة القدم، بخلاف كثير من الرياضات، قادرة على جمع الأجيال داخل البيت الواحد. قد يختلف الأب وابنه في الموسيقى والسينما والسياسة، لكنهما يستطيعان الوقوف جنبا إلى جنب أمام مباراة واحدة، يتوتران للسبب نفسه، ويفرحان أو يحزنان في اللحظة نفسها. إنها من المساحات القليلة التي لم تلغها الفجوة بين الأجيال.

غير أن ما يجعل كرة القدم ظاهرة استثنائية هو قدرتها دائما على إنتاج المعنى. فالمنتخب الوطني، في أوقات كثيرة، يصبح صورة مكثفة للأمة نفسها، والنادي يتحول إلى جزء من هوية المدينة، والملعب إلى مساحة تستعرض فيها المجتمعات ذاكرتها وقيمها وانقساماتها أيضا.

لهذا لم تتأخر السياسة في اكتشاف قوة اللعبة. ففي كأس العالم 1934، استغل النظام الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني البطولة لتقديم إيطاليا بوصفها نموذجا للقوة والانضباط، وتحولت المنافسة الرياضية إلى جزء من الدعاية السياسية. وبعد سنوات قليلة، جاءت الحرب العالمية الثانية لتفرض التأثير الأكبر في تاريخ البطولة، إذ ألغيت نسختا 1942 و1946، وهي المرة الوحيدة التي توقف فيها كأس العالم بالكامل بسبب حرب.

ومنذ ذلك الحين لم تتوقف البطولة مرة أخرى، لكن الحروب لم تغادرها. دخلت إليها عبر العقوبات والمقاطعات، وعبر المنتخبات التي تحمل معها جراح أوطانها، لتصبح الكرة مرآة للصراعات أكثر من كونها سببا لها.

ومع ذلك، فإن الوجه الآخر للعبة لا يقل أهمية. ففي العراق، وبينما كانت البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها دموية، جاء فوز المنتخب بكأس آسيا عام 2007 ليمنح العراقيين لحظة نادرة من الفرح الجماعي. لم تنه البطولة العنف، لكنها أوقفت الانقسام، ولو لساعات، تحت علم واحد وهتاف واحد.

وفي ساحل العاج، وبعد التأهل التاريخي إلى كأس العالم 2006، لم يتحدث قائد المنتخب ديدييه دروغبا عن التكتيك أو الأهداف، بل ناشد أطراف الحرب الأهلية أن يضعوا السلاح جانبا. كان المنتخب، بالنسبة إليه، دليلا على أن أبناء البلد الواحد قادرون على اللعب معا، فلماذا يعجزون عن العيش معا؟

حتى حين تفشل السياسة في الحفاظ على الوحدة، تستطيع كرة القدم أن تحفظ صورتها الأخيرة. ففي صيف 2006 أعلن الجبل الأسود استقلاله عن صربيا قبل أيام من كأس العالم، لكن المنتخب الذي كان قد تأهل باسم الدولة الموحدة خاض البطولة بقميص واحد ونشيد واحد. كانت مباراة الأرجنتين، التي انتهت بخسارة ثقيلة، آخر ظهور لكيان سياسي كان قد اختفى بالفعل من الخرائط.

ولأن كرة القدم أصبحت اللغة المشتركة للعالم، فقد تجاوز تأثيرها السياسة إلى الاقتصاد. أصبح اللاعب والنادي علامة تجارية عالمية، ومحور صناعة تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات. حقوق البث، والرعايات، والإعلانات، وانتقالات اللاعبين، كلها حولت اللعبة إلى واحدة من أكبر الصناعات الثقافية والاقتصادية في العصر الحديث.

ومع ذلك، فإن هذه الصناعة العملاقة لم تنجح في قتل جوهر اللعبة. فما يزال طفل في قرية صغيرة يستطيع أن يعيد إنتاجها بكرة من القماش، وما تزال لحظة تسجيل هدف في نهائي كأس العالم تشبه، في جوهرها، لحظة تسجيل هدف في ملعب ترابي. التقنية تغيرت، لكن الانفعال بقي هو نفسه.

 جدول المباريات أكثر حضورا من كثير من نشرات الأخبار، وتعاد برمجة ساعات العمل، واللقاءات العائلية، وحتى حركة المدن

وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في كأس العالم. هذه البطولة باتت تتجاوز كونها مسابقة رياضية. أصبحت موعدا يعيد ترتيب الزمن العالمي. خلال أسابيع قليلة، يصبح جدول المباريات أكثر حضورا من كثير من نشرات الأخبار، وتعاد برمجة ساعات العمل، واللقاءات العائلية، وحتى حركة المدن وفق توقيت المباريات. وكأن العالم، بكل اختلافاته، يوافق مؤقتا على ساعة واحدة.

ومن هنا أيضا تأتي قيمة المنتخبات الصغيرة. فبلد قد لا يعرفه كثيرون يستطيع، عبر بطولة ناجحة، أن يفرض اسمه على خريطة الاهتمام العالمي. يكفي هدف، أو مباراة استثنائية، أو قصة إنسانية، حتى تتحول دولة مجهولة نسبيا إلى حديث الملايين. في كأس العالم لا تتنافس المنتخبات وحدها، بل تتنافس أيضا الجغرافيا والذاكرة والثقافات على فرصة الظهور.

لهذا كله لم تعد كرة القدم مجرد لعبة. صارت مساحة يرى فيها البشر أنفسهم، بكل تناقضاتهم. فيها السوق والقصيدة، والدعاية والسلام، والهوية والعولمة، والمدينة والقرية، والطفل والشيخ. وربما لهذا السبب تحديدا لا يبدو السؤال الحقيقي: لماذا يحب الناس كرة القدم؟ بل كيف استطاعت لعبة بهذه البساطة أن تصبح إحدى أكثر الظواهر الإنسانية قدرة على جمع العالم حول قصة واحدة، تتكرر كل أربعة أعوام، ولا يفقد أحد شغفه بانتظار فصلها التالي.

font change