الابن الذي كتب لينجو في "الزيارة الأخيرة" لأندريا باياني

الرواية الفائزة بجائزة "ستريغا" الإيطالية

الابن الذي كتب لينجو في "الزيارة الأخيرة" لأندريا باياني

قرر قطع علاقته بأمه وأبيه، أو لم يقرر ذلك، بل حدث الأمر غريزيا، من دون تدخل الإرادة وبلا أي تصميم مسبق. ولم يدرك إلا بعد أشهر أن تلك كانت زيارته الأخيرة لهما. ظلت أمه تتصل به هاتفيا، إلى أن بدل خطه ولم يخبر والديه برقمه الجديد، ثم انتقل إلى شقة أخرى ولم يطلعهما على العنوان.

بعد عشر سنوات على تلك القطيعة التامة، يباشر كتابة قصة عائلته بحثا عن معنى ذلك القرار الغريزي. ومن هنا، من هجران الابن لوالديه، تنطلق رواية "الزيارة الأخيرة" للكاتب الإيطالي أندريا باياني، الفائزة بجائزة "ستريغا"، أبرز جائزة أدبية إيطالية، عام 2025 (وقد صدرت حديثا عن "دار الساقي" بترجمة نجم بو فاضل).

الأب الطاغية

"هل ستعود الى زيارتنا؟" تسأل الأم ابنها الراوي، فيما هو عند أول الدرج، مغادرا شقة والديه. يستغرب الابن هذا السؤال، فمنذ عشرين عاما وهو يواظب على زيارة والديه مرتين في الشهر. لاحقا فقط سيدرك أن أمه استشعرت قراره الغريزي قبل أن يعيه هو نفسه، رغم أن لا شيء استثنائيا حدث خلال تلك الزيارة. كانت عادية جدا، لا شيء فيها يستحق الذكر. إلا أنها كانت الأخيرة، إذ كان الأوان قد آن لكي يتحرر من والديه وينجو بنفسه. فحياته لم تكن تحتمل بسببهما، رغم بلوغه الأربعين، ولم يكن يراهما سوى مرتين في الشهر. هكذا تأتي أحيانا القرارات الكبرى في حياة المرء. قرارات لا نتخذها، بل تستولي علينا، إذ تكون قد اختمرت سرا في أعماقنا.

كانت عائلة الراوي "مؤسسة توتاليتارية" بناها الأب، قابضا على حيوات زوجته وابنه وابنته، راسما مساراتها ومتحكما بأدق تفاصيلها. كل شيء كان يخضع لسلطانه: مصروف العائلة ومصروف كل فرد من أفرادها، التربية، الفروض المدرسية، مواقيت تناول الطعام، الوجبات التي ينبغي تحضيرها... حتى أنه ظل يرفض لسنوات كثيرة تركيب هاتف في المنزل بحجة توفير المال، فيما كان هدفه الفعلي الحد من تواصل أفراد عائلته مع العالم.

ومثل كل طاغية، يحكم الأب بالعنف والخوف. قلما يضرب أحدا: لم يضرب زوجته سوى مرة واحدة، وابنه بضع مرات. إلا أنه ينفجر غضبا بين مدة وأخرى، فيروح يحطم أثاث المنزل. لكن حتى في الأوقات التي لم يكن يحدث فيها شيء، وقد تمتد أحيانا لأسابيع، كان العنف والخوف – عنف قد ينفجر في أي لحظة، بسبب أو بلا سبب، وخوف دائم من هذا الانفجار – خبز العائلة اليومي. وكان الابن هو الذي يضطلع بدور نزع فتيل الانفجار، إذ أنه الأقرب إلى الأب ويعلم كيف يفكك العبوة: التلفظ بجملة أو طرفة أو كلمة "تنقذ الجميع في اللحظة الأخيرة من اشتعال الفتيل".

 نظن في بداية الكتاب أننا أمام الصورة الشائعة عن المرأة المعنفة، لنكتشف لاحقا وجود تواطؤ سري بينها وبين معنفها


وكان الأب يعتبر نفسه ضحية، فتضطر الأم إلى طلب مغفرته بعد كل نوبة من نوبات العنف والصراخ والتحطيم. فالضحية بريئة تعريفا، فيما الذنب يقع دوما على عاتق الآخرين. لكن الأنكى من ذلك أن عنف الأب هو شكل ملتو من أشكال التماس الحب. كأنه، بنوبات غضبه المرعبة، يقول لأفراد عائلته: أحبوني. ويرى في الرعب الذي يزرعه في نفوسهم برهانا على حبهم له.

الأم الممحوة

هذا كله، على الرغم من فداحته، عادي إلى حد ما. فالرجال الذين يشبهون والد الراوي كثر لا يحصى لهم عدد. لكن غير العادي هو ما أصبحت عليه أمه بفعل زوجها: امرأة ممحوة، غير مرئية، منزوعة الإرادة. كالرعية المثالية في نظام شمولي، ألغت ذاتها لتغدو مجرد انعكاس لإرادة زوجها. كانت شيئا يمتلكه، بل امتدادا له. حتى أن تدبير شؤون المنزل لم يكن من اختصاصها فعلا، إذ كانت تطبخ وتنظف وتغسل بالنيابة عن زوجها، كدمية يحركها بخيوط. لم تكن تعيش في ظل نظام أبوي عادي، حيث الأب هو السيد فيما تبسط الأم سلطتها داخل المنزل. كانت تعيش تحت رحمة نظام أبوي جن جنونه فأصبح فاشيا بامتياز.

 Franco Origlia / Getty Images
الكاتب الإيطالي أندريا باياني بعد فوزه بجائزة "ستريغا" الأدبية لعام 2025 في روما

بلغت الأم طورا من العبودية يجعلها تقدم على أفعال بالغة المهانة من دون أن تلحظ ذلك. فخلال إحدى زيارات الابن لوالديه، كان الأخيران يستعدان للمغادرة لقضاء عطلة على شاطئ البحر، وكان الأب قد قطع الماء عن المنزل تجنبا لحصول أي تسرب، فنظفت الأم أسنانها مستخدمة مياه المرحاض. لم تكن تريد الطلب من زوجها أن يفتح الماء خوفا من غضبه، فبدا لها تبليل فرشاة الأسنان في المرحاض أمرا طبيعيا.

نتيجة لامحائها، لا يتذكر الابن سوى القليل جدا عن والدته، وهو يكتب محاولا استرجاع ما فاته عنها. يقول إنه قبل مباشرة الكتابة، لم يفكر بها يوما ككائن مستقل عن والده. إخراجها من الظلمة لجعلها شخصية روائية يتطلب، إذا، "سلخها" عن أبيه بعملية جراحية عنيفة: الكتابة.

التواطؤ السري

ما اكتشفه الابن هو عكس ما توقعه: لم تكن والدته مجرد ضحية. صحيح أنها ضحية عنف زوجها، لكنها كانت متواطئة مع هذا العنف إلى حد ما. إذ انسحبت تماما من الحياة، غابت عنها، وعاشت أيامها على نحو شبه آلي، إلى درجة أن نوبات غضب زوجها هي الشيء الوحيد الذي يبقي فيها شعورا خافتا بأنها لا تزال حية. كانت، على نحو ما، ترغب في اندلاع هذه النوبات.

ما سيكتشفه الابن أيضا هو أن والدته لا تخاف فعلا من زوجها. فامحاؤها كان يبلغ حد انطفاء غريزة البقاء فيها. الموت، في نظرها، لم يكن يعني شيئا، تماما كالحياة: حياتها، حياة ابنها وابنتها، حياة زوجها، حياة الجميع. لذلك لم تبادر، ولو مرة، إلى حماية ابنها من والده، لا لأنها لم تكن تكترث به، بل لأنها لم تكن تكترث بالحياة نفسها، ولا بأي شيء آخر، بالتالي. لذلك كان الابن يشعر بأنها تركت والده يستحوذ عليه استحواذا كاملا.

عدم خوف الأم من زوجها كان سوء التفاهم الذي قامت عليه علاقتهما. فالأب يتغذى من خوف أفراد عائلته، ويراه دليلا على حبهم له. لكن زوجته لم تمنحه سوى خضوع آلي بارد، خال من الخوف الذي يتوق إليه. وبهذا تكون انتصرت عليه بطريقة ما.

من الضحية، إذن، ومن الجلاد؟ الأب هو الجلاد، بطبيعة الحال، لكن الأم ضحية وجلاد في آن معا: جلاد لنفسها، ولابنها، ولابنتها. وهذا أحد عناصر المفاجأة في رواية "الزيارة الأخيرة". إذ نظن في بداية الكتاب أننا أمام الصورة الشائعة عن المرأة المعنفة، لنكتشف لاحقا وجود تواطؤ سري بينها وبين معنفها. لا يقول أندريا باياني هذا صراحة، وإنما يلمح إليه مرارا، وفي الاكتفاء بالتلميح براعة تضاعف وقع هذا الاكتشاف على القارئ.

  Albert Llop / NurPhoto via Getty Images
الكاتب والصحافي والمترجم الإيطالي أندريا باياني، الفائز بجائزة "ستريغا" 2025 عن روايته "الزيارة الأخيرة"، خلال حفل في برشلونة، 2025

ولعل هذا التواطؤ السري بين الجلاد والضحية ما دفع الابن إلى القطيعة معهما. فهو لم يهرب لا من والده ولا من والدته، بل من كليهما معا، من العلاقة المشوهة التي استقرت عليها حياتهما العنيفة والبائسة. كان التفكير المطول بهذه العلاقة يصيبه بنوبات هلع، وبإسهال ومغص في المعدة. وعندما يزورهما ينتف شعرا من لحيته وهو جالس إلى مائدة الطعام. كان قد استبطن عنف علاقتهما.

هذا العنف سيستخدمه وقودا للكتابة عن والديه. لكنه لن يكون عنفا مدمرا، بل عنف كاشف للحقيقة.  

font change

مقالات ذات صلة