منذ عقود، تحتل سيري هوستفيدت موقعا فريدا في المشهد الأدبي الأميركي، فهي روائية وشاعرة وباحثة تجمع بين الحساسية الأدبية الصافية والانشغال الفلسفي والعلمي بأسئلة الوعي والذاكرة والهوية.
كتابها الجديد "قصص أشباح"، الصادر حديثا في نيويورك عن دار "سِبتر"، يكشف وجها آخر من تجربتها: وجها أكثر هشاشة وانكشافا، يُكتب من قلب الفقد الشخصي ومن منطقة يصعب على اللغة نفسها أن تطأها من دون أن تتعثر.
الكتاب وُلد من تجربة قاسية عاشتها الكاتبة بعد وفاة زوجها، الروائي الأميركي الشهير بول أوستر، في ربيع 2024 إثر صراع مع سرطان الرئة. لكن هوستفيدت لا تقدم فيه مجرد مذكرات عن المرض والرحيل، ولا تكتفي بتأبين شريك حياتها الذي رافقها أكثر من أربعة عقود.
ما تكتبه أقرب إلى محاولة لفهم ما يفعله الموت بالأحياء، وكيف يعيد تشكيل الزمن والذاكرة والإدراك، وكيف يتحول الغياب نفسه إلى نوع من الحضور المستمر.
شراكة
تفتتح هوستفيدت كتابها بجملة قاطعة تكاد تشبه حكما وجوديا: "أنا حية. زوجي بول أوستر ميت". ومن هذه الحقيقة العارية يبدأ السرد، من دون أي تمهيد. ومنذ تلك اللحظة يتضح أن الكاتبة لا تسعى إلى كتابة سيرة لزوجها الراحل بقدر ما تسعى إلى إدراك ما يحدث للذات عندما تفقد جزءا أساسيا من تكوينها. فأكثر من مجرد زوج أو رفيق يومي، كان أوستر شريكا فكريا وإبداعيا وعاطفيا، حتى بدا موته وكأنه زعزعة للبنية الداخلية التي كانت تنظم علاقتها بالعالم.
لهذا السبب يصعب تصنيف "قصص أشباح" ضمن خانة واحدة. فهو مزيج من السيرة الذاتية، واليوميات، والتأمل الفلسفي، والتحقيق النفسي في طبيعة الحزن والذاكرة والزمن. كما أنه يحمل في صفحاته نصوصا غير منشورة لأوستر نفسه، من بينها رسائل كتبها إلى زوجته وابنته وحفيده، فضلا عن أجزاء من مشروعه الأخير غير المكتمل.



