حين تتحول الحرية إلى ذكرى بعيدة في "الحيوان الاستعماري"

عالم تتداخل فيه السياسة مع التكنولوجيا

حين تتحول الحرية إلى ذكرى بعيدة في "الحيوان الاستعماري"

في لحظات التحول التاريخي المتسارعة، لا تكتفي الرواية بأن تعكس العالم كما هو، بل تتقدم نحو تخومه القصوى، حيث تتفكك الحدود بين الواقع وتمثيله، وتتشكل المعاني قبل أن تستقر في لغة واضحة. إنها كتابة تشتغل على ما هو غير مرئي بقدر ما تشتبك مع ما هو قائم، وتمنح شكلا سرديا لاضطراب العالم من حولنا. في هذا السياق، تندرج رواية "الحيوان الاستعماري" للكاتب الغواتيمالي رودريغو ري روزا (ألفاغوارا، 2026) ضمن نصوص تعيد مساءلة علاقة الإنسان بالسلطة وبآليات العنف المعاصر، عبر بناء عالم روائي يتداخل فيه الواقعي مع الانزياح الغرائبي، حتى يغدو الواقع ذاته أقرب إلى حالة من الهلوسة المنظمة التي تكشف أكثر مما تخفي.

اخترنا ترجمة العنوان إلى العربية بـ"الحيوان الاستعماري" (Animal Colonial)، غير أن هذه الترجمة لا تغلق المعنى، وإنما تضاعف التباسه في الوقت نفسه: هل يتعلق الأمر بكائن يمارس الاستعمار ويعيد إنتاجه، أم بإنسان خاضع لمنظومة استعمارية تعيد تشكيله من الداخل حتى يفقد فرديته؟ هذا السؤال لا يأتي على هامش القراءة، وإنما يتوسطها، لأن النص كله يقوم على فكرة أن السلطة لم تعد خارجية يمكن تحديد مصدرها، وإنما صارت بنية تتسلل إلى الوعي وتعمل على إعادة تشكيله.

مختبر سياسي بيولوجي

تدور الرواية في جمهورية متخيلة من أميركا الوسطى تدعى نويفا فيراباث، حيث يوجد سجن ضخم يعرف باسم "الإنفيرنون"، يضم عشرات الآلاف من السجناء المحكوم عليهم بأحكام طويلة أو نهائية. غير أن هذا السجن يتجاوز كونه مؤسسة عقابية، ليقترب من مختبر سياسي-بيولوجي يعيد إنتاج معنى الإنسان نفسه داخل فضاء مغلق. من هنا يبدأ التحول التدريجي من رواية سياسية إلى ديستوبيا فلسفية.

يتحول السجن إلى نموذج مصغر للعالم بدل أن يظل مؤسسة داخله

الرواية تصدر في سياق عالمي تتوسع فيه سياسات الأمن المشدد، وتعود فيه نماذج السجون الجماعية بوصفها حلولا جاهزة لمشاكل اجتماعية معقدة. وقد استلهم ري روزا هذا المناخ دون أن يكتب وثيقة عن بلد محدد، وإنما أعاد إنتاجه داخل فضاء تخييلي يسمح بالمبالغة والكشف في آن واحد، بحيث يتحول السجن إلى نموذج مصغر للعالم بدل أن يظل مؤسسة داخله.

 REUTERS/Josue Decavele
جندي من الجيش الغواتيمالي أمام سجن المنطقة 18 في مدينة غواتيمالا

منذ الصفحات الأولى، يواجه القارئ عالما شديد القسوة، تتعمد الرواية تقديمه عبر تفاصيل جسدية خانقة: رطوبة، قذارة، عنف يومي، وانهيار شبه كامل لأي شكل من أشكال النظام الأخلاقي. هذا الاختيار الجمالي لا يقدم بوصفه مجرد ميل نحو الصدمة، وإنما يتخذ وظيفة سردية تهدف إلى نزع أي مسافة جمالية بين القارئ والعالم الروائي، بحيث يصبح القبح جزءا من بنية النظام نفسه لا نتيجة عرضية له.

لكن ما يجعل الرواية تتجاوز مستوى السرد الواقعي القاسي هو ما يحدث داخل السجن: هناك مشروع غامض يهدف إلى ربط عقول السجناء وتحويلهم إلى كيان إدراكي واحد. هنا تتحول الرواية من نقد اجتماعي إلى سؤال وجودي: ماذا يبقى من الإنسان إذا ألغيت حدوده الفردية؟ وهل يمكن أن تتحول الجماعة إلى عقل واحد دون أن تتحول إلى شكل جديد من الاستبداد؟

في هذا السياق، يصبح عنوان الرواية مفتاحا تأويليا بالغ الأهمية. فـ"الحيوان الاستعماري" لا يحيل على المستعمر التقليدي، وإنما على حالة الإنسان داخل منظومة تجعل من السيطرة بنية داخلية لا خارجية. فالاستعمار هنا لا يظهر كاحتلال أرض، وإنما كاحتلال وعي. إنها عملية مستمرة لإعادة تشكيل الإدراك والسلوك حتى يصبح الخضوع شكلا من أشكال الحياة اليومية.

 REUTERS/Jose Cabezas
مشهد عام لمجمع سجن "سيكوت" في السلفادور


في هذا المعنى، لم يعد ممكنا التمييز بوضوح بين الضحية والفاعل. فالشخصيات داخل الرواية لا تبدو بريئة بالكامل ولا مذنبة بالكامل، فهي تتحرك داخل شبكة تجعل الجميع جزءا من آلية واحدة لإنتاج السلطة وإعادة إنتاجها.

روايات الديكتاتور

تستعيد الرواية في بنيتها العامة تقليد "روايات الديكتاتور" في أميركا اللاتينية، مع قلب جذري لهذا التقليد. فبدل الطاغية الفرد، يظهر نظام بلا وجه محدد. السلطة لم تعد شخصا يمكن إسقاطه، وإنما منظومة تتجدد تلقائيا. وحتى عندما تتغير البنية السياسية، تبقى آليات القمع نفسها، وكأن المشكلة لا تكمن في من يحكم، وإنما في شكل الحكم ذاته.

من أكثر اللحظات دلالة في الرواية تلك التي تتخيل إمكان هروب جماعي عبر اتحاد الأجساد في جسد واحد

ضمن هذا العالم، تظهر شخصية سيلينسيو، المحققة الدولية التي تصل إلى السجن للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان. هذه الشخصية تؤدي وظيفة مزدوجة: تمثل عينا خارجية تحاول فهم ما يحدث، وتكشف في الوقت نفسه محدودية القانون الدولي عندما يواجه أنظمة مغلقة ومعقدة. فكلما تعمقت في التحقيق، اكتشفت أن ما يبدو انتهاكا فرديا هو في الحقيقة جزء من نظام لا يمكن تفكيكه بسهولة.

إلى جانبها، نجد شخصية إستيبان، السجين البريء الذي يجد نفسه داخل هذا النظام دون أن يفهم تماما كيف ولماذا. هذه الشخصية تعيد إنتاج نموذج أدبي مألوف منذ كافكا ودوستويفسكي: الفرد العالق داخل آلة بيروقراطية لا يدرك منطقها. غير أن ري روزا لا يهتم بتطوير هذه الشخصية نفسيا بقدر ما يستخدمها كمدخل لإظهار هشاشة الفرد أمام النظام الكلي.
وقد أخذ بعض النقاد على الرواية هذا الميل نحو التمثيل الرمزي على حساب العمق النفسي، معتبرين أن الشخصيات تتحول أحيانا إلى أدوات فكرية أكثر من كونها كائنات حية. غير أن هذا الاختيار يمكن فهمه ضمن منطق النص نفسه، لأن الرواية لا تتجه نحو بناء عالم نفسي فردي، وإنما نحو رسم خريطة لآلية شمولية تذيب الفرد داخلها تدريجيا.

أسلوب الرواية يعكس هذا التوجه أيضا. فري روزا يعتمد لغة مقتصدة، خالية من الزخرفة، تميل إلى الجملة القصيرة والإيقاع البارد. هذا الاقتصاد اللغوي لا يسعى إلى الحياد، وإنما ينتج توترا داخليا مستمرا، حيث يبدو كل حدث عاديا في الظاهر، لكنه يحمل عنفا كامنا في العمق.

 INTI OCON / AFP
الكاتبان جيوكوندا بيلي ورودريغو ري روزا خلال مهرجان "أميركا الوسطى تروي"

تقاليد أدبية

على المستوى المرجعي، يمكن تتبع أثر واضح لثلاثة تقاليد أدبية: عالم كافكا البيروقراطي، عالم أورويل الرقابي، وتجارب الرواية اللاتينية مع السلطة والكوابيس السياسية. لكن الرواية لا تكتفي بهذه المرجعيات، وإنما تدفعها نحو أقصى حدودها، حيث تصبح الرقابة غير مرئية، والقمع غير مباشر، والهيمنة جزءا من البنية الإدراكية نفسها.

 Michal CIZEK / AFP
مؤلفات للكاتب التشيكي فرانز كافكا معروضة في متجر ببراغ

من أكثر اللحظات دلالة في الرواية، تلك التي تتخيل إمكان هروب جماعي عبر اتحاد الأجساد في جسد واحد. هذا المشهد، الذي قد يبدو فانتازيا، يطرح سؤالا مقلقا: هل يمكن النجاة أن تتحقق إلا عبر فقدان الفردية؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فهل تبقى هذه النجاة شكلا من أشكال الحرية أم مجرد انتقال إلى شكل آخر من السيطرة؟

تتجلى هنا المفارقة الأساس للرواية: ما يبدو خلاصا يتحول إلى استمرار للقيد، وما يبدو تحررا يعيد إنتاج الهيمنة في شكل جديد. هذا التوتر يمنح النص طاقته الفكرية، حتى عندما يبتعد عن الصرامة السردية التقليدية.

في النهاية، يمكن قراءة «الحيوان الاستعماري» بوصفها رواية عن الحاضر أكثر من كونها رواية عن المستقبل. فهي لا تتنبأ بعالم قادم بقدر ما تكشف عن منطق موجود بالفعل: عالم تتداخل فيه التكنولوجيا مع السياسة، وتتحول فيه البيانات إلى وسيلة للضبط الاجتماعي، ويصبح فيه الفرد جزءا من شبكة واسعة من التوجيه غير المرئي.

ماذا لو لم نعد نقهر من الخارج، بل من الداخل، عبر الأنظمة التي نصنعها

ورغم الانقسام النقدي حولها بين من يرى فيها نصا مفرط الرمزية ومن يعتبرها رؤية جريئة لمستقبل السلطة، فإن أهميتها لا تكمن في الإجماع حولها، بل في قدرتها على إعادة طرح سؤال الحرية في زمن لم تعد فيه القيود واضحة المعالم.

إن أخطر ما تقترحه الرواية ليس فكرة السجن الكبير، وإنما فكرة أن السجن قد لا يحتاج إلى جدران أصلا، بل إلى وعي قابل لإعادة البرمجة. وهنا تحديدا تتحول "الحيوان الاستعماري" إلى تشخيص أدبي لقلق معاصر: ماذا لو لم نعد نقهر من الخارج، بل من الداخل، عبر الأنظمة التي نصنعها ونشارك في استمرارها دون أن نلاحظ ذلك؟

font change