يتشكل المشروع الروائي للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان عبر الاشتغال على الذاكرة الاجتماعية، وعلى الأسئلة المتصلة بالهوية والهامش والسلطة الرمزية داخل المجتمع. انطلقت تجربتها من كتابة القصة القصيرة، ثم اتجهت إلى الرواية بوصفها فضاء أوسع يسمح بتعقب التحولات العميقة التي تصيب الأفراد والجماعات في سياقات سياسية وثقافية متبدلة.
في روايتها الجديدة "شجرة الصابون"، الصادرة عن "دار عرب" في لندن (2026)، تفتح الكاتبة الليبية نجوى بن شتوان بابا سرديا يقود إلى عالم يبدو متماسكا بقدر كبير من النظام والهدوء، حيث تظهر الدولة بمظهر الحارس الأمين للحريات، وتبدو الحياة اليومية محاطة بخطاب ديمقراطي يفيض بالمشاركة والانفتاح، حيث المواطن مدعو إلى التعبير، والسلطة حريصة على توفير كل الأدوات التي تتيح حضورا مدنيا واسعا في المجال العام.
تقيم الرواية، منذ الصفحات الأولى، مسافة خفية بين هذا الخطاب المعلن وبين التجربة المعيشة داخل النص، لتتحول تلك المسافة تدريجيا إلى منطقة توتر سردي تكشف عبرها الكاتبة طبيعة العالم الذي تصفه. تبدو الحرية هنا أشبه بمنتج مصقول بعناية، أو نظام إداري شديد الدقة يحدد إيقاع الحياة العامة، بحيث تتحول المشاركة إلى واجب اجتماعي يفرض حضوره عبر آليات دقيقة ومقنعة.
الرواية قصيرة نسبيا، إذ تقع في نحو ست وتسعين صفحة، غير أن هذا الحجم المكثف يحمل شبكة دلالية واسعة. إذ يتحرك النص بخفة بين الحكاية والتأمل والسخرية، ويخلق فضاء سرديا تتجاور فيه التفاصيل اليومية مع أسئلة عميقة حول معنى الحرية، وطبيعة المشاركة السياسية، وحدود العلاقة بين الفرد والمنظومة التي تدير الحياة العامة.
هندسة النظام المثالي
تدور أحداث الرواية داخل مجتمع يبدو في ظاهره شديد التوازن، حيث تعمل الدولة على تشجيع المواطنين على المشاركة في المجال العام، وتحرص على حضورهم المستمر في التظاهرات والنقاشات والأنشطة المدنية التي تمثل صورة مكتملة للديمقراطية. يتحرك الراوي بين هذه الفعاليات التي تنظم بعناية، فيجد نفسه وسط فضاء اجتماعي يمتلئ بالشعارات والحوارات والاحتجاجات التي تجري في إيقاع منتظم. ومع مرور الوقت يبدأ في ملاحظة تحولات دقيقة في طريقة تفاعل الناس مع هذا الواقع. فالحضور يتحول إلى معيار للاندماج، والهتاف يصبح علامة على الانتماء الجماعي. تتقدم الأحداث عبر مشاهد قصيرة تضيء تفاصيل الحياة المدنية، بينما تتراكم الأسئلة حول معنى الحرية عندما تتحول المشاركة إلى سلوك متوقع داخل مجتمع يتقن تنظيم كل شيء.


