يتيح كتاب "الدمية الصغرى ـ قصص نسائية من أدب أميركا اللاتينية"، ترجمة حسن بنعبد الواحد ورجاء داكر، الصادر حديثا عن دار "خطوط وظلال"، فرصة الاطلاع على إبداع عشر من أهم كاتبات أميركا اللاتينية، خلال ما يقارب المائة عام.
عدا إيزابيل ألليندي وكلاريس ليسبكتور، فإن بقية الأسماء المختارة تعد مجهولة للقارئ العربي، بشكل عام. في مقدمة الكتاب يذكر المترجمان ملاحظة تجيب عن سؤال مضمر حول طبيعة المختارات، تفيد بأن الأدب لا يصنف تبعا لجنس كاتبه، وأن لا أهمية سوى للنص. وهو حكم بديهي، فالجودة هي أول الشروط الإبداعية للأدب ومتطلباته، بصرف النظر عن كل شيء آخر، دون إغفال ما تحتمه طبيعة المرأة ذاتها من إسقاطات على النص، وما تضطلع به من نزعة إلى إبراز مكامن القوة لدى المرأة عادة، فضلا عن الانشغال عموما، بموضوعات ذات صلة شديدة بعالمها، مثل العلاقة بالرجل وتقلبات هذه العلاقة والغوص في تفاصيلها وإظهار خفاياها.
ترتيب زمني إبداعي
إذا كان الترتيب المعتمد للكاتبات اللاتي ينتمين إلى سبعة بلدان في القارة اللاتينية قائما على أساس زمني، فقد بدا إبداعيا أيضا، باستهلال المختارات بقصة الكاتبة إيزابيل ألليندي (تشيلي - 1942)، المعنونة "كلمتان"، إذ يمكن القول إنها واحدة من أجمل القصص وأنجحها على صعيد فن القصة القصيرة الحديثة، لا على صعيد هذه المختارات فقط. دون أن يعني ذلك تقليل السوية الإبداعية لبقية الكاتبات. فالمكانة المميزة التي يتمتعن بها متحققة بفعل الفرادة الأدبية لهن. وإذا كان ثمة تفضيل لكاتبة على أخرى كما سيتبين، فقد يرجع ذلك إلى طبيعة الموضوع ذاته ومدى قدرته على جذب القارئ، لا نوع المعالجة الأسلوبية.
تمنح ألليندي بطلتها خصائص سحرية، كالقدرة على تحسين الأحلام وإبعاد الكآبة
أولى هذه القصص قصة "كلمتان" المشار إليها آنفا، حيث يجد القارئ نفسه مستغرقا فيها، لما تتصف به من سرد ممتع، محكم، يتجسد في نمو الأحداث وتطورها المنطقي على الصعيد الفني، والسحري في منحاه ومآله، وهو ما يعهده القارئ لدى الكاتبة ذات الحضور القوي عربيا، فضلا عن عالميتها. تسرد قصة "كلمتان" حكاية بيليسا كريبوسكولاريو، الفتاة التي تنتمي الى أسرة معدمة حد أنها لم تكن "تمتلك" أسماء لأبنائها، في مفارقة مقصودة من الكاتبة. وقد دفنت بيليسا أربعة من أشقائها بسبب القحط. تجنبا للمصير المشؤوم، تهجر منطقتها المتصحرة في اتجاه البحر. تتعلم بيليسا، وهي من اختارت اسمها، دلالة على العصامية، القراءة والكتابة بجهدها ومن جيبها الخاص، غير أن هذه الفتاة التي بقيت أمية حتى بلوغها الثانية عشرة، حولت قابليتها على القراءة والكتابة إلى مزية إبداعية ومصدر دخل، إذ امتهنت بيع الكلمات في وسط تندر فيه القراءة والكتابة.
الكاتبة التشيليانية إيزابيل ألليندي
وفي الوقت الذي تمنح ألليندي كلمات بيليسا خصائص سحرية، كالقدرة على تحسين الأحلام وإبعاد الكآبة، إنما هي في الواقع تمنح بطلتها القوة والقدرة الخارقة. إن التحول في مسار القصة والتصعيد الدرامي فيها يبدأ مع الطلب إليها كتابة خطاب رئاسي لقاطع طريق، يعرف بالكولونيل: "أريد أن أصبح رئيس دولة، قال لها"، فهو "قد تعب من الترحال عبر هذه الأرض الملعونة في حروب غير مجدية وهزائم لن تتحول أبدا إلى انتصارات. منذ سنوات وهو ينام في العراء يلسعه البعوض ويتغذى على السحالي وحساء الثعابي". لم يرد أن يقتحم القصر الرئاسي في العاصمة كما اقترح عليه مساعده، بل أراد الوصول بالطرق الديمقراطية. هنا يكون القارئ وسط البيئة السياسية المعهودة لأميركا اللاتينية، ومفارقات الاستيلاء على الحكم. وفي الوقت الذي تنجح بيليسا في تحقيق هدف "الكولونيل"، باكتساحه بقية المرشحين، بفضل خطابها، فإنها تنجح أيضا في الاستيلاء على قلبه وتفكيره، عبر إهدائه كلمتين سريتين همستهما في أذنه عند إنجازها الخطاب، فبقي يستعيدهما مع نفسه بين آن وآخر، متذكرا "نكهة النعناع في فمها وملامسة شعرها الرهيب لوجهه وحرارة الحريق الذي يستعر في وركيها"، ليكون الجو الحسي الذي تنشره الكاتبة بين بطليها معادلا للحلم الرئاسي، إن لم يكن متفوقا عليه. فقد أنسته الكلمتان كل مطامحه السياسية، ولاحظ رجاله تدهور حالته، ولم ينقذه إلا اللقاء بها ثانية في آخر القصة، ليحقق كل منهما ذاته في الآخر، بما أنها لم تكن أقل رغبة منه مذ وقعت عيناها عليه أول مرة، وتوق مسامها للمسة منه، وقد كانت موقنة، كعرافة، من تحقيق اتصال بينهما ينسف الوجود القاحل الذي يعيشانه، وهذا ما حصل بعدما أحضرها مساعده.
الحسية سمة مشتركة
لا تقتصر النزعة الحسية، من بين مشتركات أخرى، على قصة "كلمتان"، إذ طبعت هذه النزعة سائر القصص مع ملاحظة اختلاف المقاربات لها، ما بين إيحائي وجريء، مكشوف يسمي الأشياء بأسمائها، كما في قصة الكاتبة نيليدا بينيون (البرازيل، 1937 – 2022) التي جاء عنوانها بالإنكليزية "I love my husband" (أحب زوجي)، فكانت المعاني المقصودة مبثوثة كشذرات ساخنة في ثنايا النص. تتحدث القصة عن تكريس المرأة حياتها لخدمة الزوج، انطلاقا من تربية عائلية تغرس في الفتاة هذا "المبدأ"، حد تهميش الحياة الخاصة لها: "لا يشيخ سوى من يعيش، قال أبي يوم زفافي. وبما أنك ستعيشين حياة زوجك، فإننا نضمن لك من خلال هذا الفعل، أنك ستظلين شابة إلى الأبد". في الوقت الذي يؤدي بها المونولوغ الطويل في النهاية إلى الحديث بأسى عن التجاعيد التي راكمتها سنوات من الروتين الزوجي والمناوشات الصامتة، وإن طغى الكلام عن الحب.
الكاتبة البرازيلية نيليدا بينيون
قريبا من هذا الانشغال، تجيء قصة "المسدس" لماربيل مورينو (كولومبيا، 1939 – 1995)، حيث تتناول مسألة الغيرة الزوجية وكفاح المرأة للحفاظ على التماسك الأسري في جو هو مزيج من الحب والعنف مع لمسات كوميدية. موضوعة كهذه، تعزز الانطباع أكثر فأكثر عن الهم الذي انشغلت به القصص جميعا، فهي ذات طابع أسري ـ اجتماعي في الدرجة الأساس. وحتى تلك التي انفردت بموضوع خارج هذه المنظومة، كقصة "الرقباء" للويسا بالنثويلا (الأرجنتين – 1938" وهي عن الرقابة البوليسية في ظل نظام شمولي، فإن عمادها الأساس ومنطلقها كانا العلاقة بين المرأة والرجل.
الكاتبة الكولومبية ماربيل مورينو
تقمص رجالي
تفيد الإشارة التعريفية بالكاتبة إلينا بونياتوفسكا (المكسيك، 1932)، صاحبة قصة "سينما برادو"، بأنها "تستغل كل التقنيات السردية التي تسمح بالغوص في أعماق السارد أو الشخصية، سواء كان ذكرا أو أنثى"، وقد مثلت قصتها خير تمثيل مغزى هذه الإشارة، فالكاتبة تتحدث بلسان ومشاعر رجل في رسالة موجهة إلى ممثلة سينمائية يصل إعجاب البطل بها إلى الهوس. المفارقة أن الرسالة تأتي بعد إنهائه علاقته المفترضة بها، غيرة عليها: "رأيتك تقبلين وتدعينهم يقبلونك في عدة أفلام". فهو يخاطبها كأنها حبيبته أو صديقته الحميمة، متدرجا في مشاعره حيالها وفضوله الذي جعله ملما بكل أفلامها وحتى كواليسها، مذ كانت ممثلة مبتدئة، مغمورة حتى بلوغها النجومية. في هذا المعنى، يقول المعجب في التفاتة ذكية لها حس المفارقة، أنه مكتشفها، مطلقا على نفسه صفة "ناقد محب".
الكاتبة والصحافية المكسيكية إلينا بونياتوفسكا
وفي ضرورة تقنية محسوبة، لا تكشف الكاتبة عن اسم الممثلة، إلا في السطر الأخير، لتكون ذروة المفاجأة في هذه القصة والشخصية معا. اكتشاف القارئ في النهاية، أن العاشق يكتب رسالته إلى الممثلة من السجن الذي دخله بسبب مهاجمته لها على الشاشة وطعنها بسكين في صدرها! عندها تحين لحظة الكشف عن اسم الممثلة الحقيقي، في "صفعة" أسلوبية غير متوقعة. وما يلفت حقا هو نجاح الكاتبة في تقمص مشاعر ذكورية تخص العاشق الممسوس، ليتبين أن العلاقة التي أقامها من طرفه كانت بدافع الوحدة، معترفا بأن "لم تمتد يد أخوية قط لتصافح يدي".
الكاتبة البورتوريكية روساريو فيري
غرائبية وما دون ذلك
وإذا كانت تجليات الواقعية السحرية تظهر بشكل أو آخر في القصص المختارة، فإن قصصا مثل "الدمية الصغرى" لروساريو فيري (بورتوريكو ، 1942) و"أجواء عائلية" لماريا إلينا ليانا (كوبا، 1936) و"إنه ذنب التلاكسكاليين" لإلينا غارو (المكسيك، 1920 – 1998)، تجسد على أكمل وجه النزعة الغرائبية للواقعية السحرية، حتى أن قصة "كلمتان" تظهر، قياسا للقصص الثلاث هذه، ذات منحى واقعي. ففي "الدمية الصغرى" يتم الخلط بين الفتاة ودمية الخزف: "ظلت الصغرى تجلس في الشرفة، دون حركة بلباسها الرقيق المزين بالدانتيلا، وعيناها مغمضتان دائما.. شيء واحد كان يعكر سعادة الطبيب زوجها، لا حظ أنه بينما تظهر عليه علامات الشيخوخة، كانت الصغرى تحتفظ بنفس البشرة الخزفية الصلبة".
يتأكد جنس القصة ليس بالنظر إلى كاتبها، إنما نظرا إلى نوع الثيمات والموضوعات المعالجة فيها
أما قصة "أجواء عائلية" فتتحدث عن التعايش بين الأحياء والموتى، دون أن يرف للكاتبة جفن: "أن تعكس المرآة ذات الشكل البيضوي، والبقع السوداء بفعل الزمن، الأموات من العائلة بدل أن تعكس صورتنا نحن، لم يكن سببا كافيا لنغير عادات حياتنا". وفي قصة "إنه ذنب التلاكسكاليين" تعود السيدة لاورا القتيلة إلى البيت لتحدث الخادمة عن واقعة اختفائها ومن ثم موتها وما اكتنف ذلك من شكوك حول خيانتها، لتغادر بعد ذلك تاركة أعقاب السكائر الملطخة بأحمر الشفاه.
الكاتبة البرازيلية ليجيا فاغونديس تيليس
على خلاف ذلك، قصتا "فقاعة الصابون" لليجيا فاغونديس تيليس (البرازيل - 1918 -2022) و"روابط عائلية" لكلاريس ليسبكتور (البرازيل - 1920 – 1977)، أقرب إلى القص العادي، عدا بعض الالتماعات بالنسبة للأولى، أما الثانية فوفية إلى عنوانها تماما وهي تعالج موضوعا عائليا تقليديا، ولم تحقق أي خروقات على الصعيد الفني.
في الختام، يتأكد جنس القصة ليس بالنظر إلى كاتبها، إنما نظرا إلى نوع الثيمات والموضوعات المعالجة فيها. وهو ما لا يمكن إغفاله لدى أي دراسة أو حكم نقدي، إذ تحتم المهمة النقدية اقتفاء طبيعة الموضوعات الأثيرة والثابتة لدى المرأة الكاتبة بعيدا من كون ذلك قيمة في ذاته أو العكس.