كريم خان ومصير المحكمة الجنائية الدولية

هل تصمد المحكمة؟

رويترز
رويترز
المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، في لاهاي، هولندا، في 16 يناير 2025

كريم خان ومصير المحكمة الجنائية الدولية

لازم الجدل المحكمة الجنائية الدولية منذ أن أصدرت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مذكرتي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. ويبدو أن كريم خان، الذي كان يتولى منصب المدعي العام للمحكمة، أصبح أحدث ضحايا هذه الأزمة المتشعبة التي تتوالى فصولها بلا انقطاع. ففي الخامس والعشرين من يوليو/تموز، أقيل من منصبه.

وفي اليوم التالي مباشرة، أعلنت الحكومة الفنزويلية انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية. ورحبت وزارة الخارجية الأميركية بالخطوة في منشور على منصة "إكس"، معتبرة إياها "تجسيدا لشراكة في الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية الفاسدة وعديمة الجدوى".

وجاءت إقالة خان بعدما خلصت الهيئة الحاكمة للمحكمة، في يونيو/حزيران، إلى ارتكابه مخالفات جسيمة على صلة باتهامات باعتداءات جنسية تقدمت بها امرأتان تعملان ضمن طاقم المحكمة.

ويمثل قرار الدول الأعضاء إطاحة المدعي العام البريطاني سابقة لم تعرفها المحكمة في تاريخها. وكانت الاتهامات قد ظهرت للمرة الأولى قبل عامين. ووفقا لمصادر مطلعة على نتيجة التصويت، أيدت نحو اثنتين وثمانين دولة من أصل مئة وخمس وعشرين دولة عضوا عزل خان، خلال اجتماع استثنائي عقد في مقر الأمم المتحدة.

ولم تكن تلك السابقة الوحيدة في هذه القضية. ففي ربيع 2024، يُزعم أن ديفيد كاميرون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، هدد خان خلال اتصال هاتفي بوقف تمويل المحكمة الجنائية الدولية إذا مضت في طلب مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين.

وبعد أقل من شهر، وجه اثنا عشر عضوا جمهوريا في مجلس الشيوخ الأميركي، بينهم ماركو روبيو وتيد كروز، رسالة إلى مدعي المحكمة طالبوه فيها بأن يرفع يده عن إسرائيل، ولوحوا باستهداف القضاة بتجميد أصولهم وفرض حظر على سفرهم، وفق ما أوردته "تايمز أوف إسرائيل" في السادس من مايو/أيار 2024. وعلى الرغم من هذه الضغوط، مضت المحكمة في إجراءاتها وأصدرت مذكرتي الاعتقال في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ففي الثاني عشر من فبراير/شباط 2025، فرض أمر تنفيذي عقوبات مشددة على المحكمة الجنائية الدولية. واستهدفت القيود على التأشيرات والعقوبات المالية الأشخاص المشاركين في تحقيقات تتعلق بمواطنين أميركيين أو بحلفاء للولايات المتحدة، ومن بينهم إسرائيل.

إحدى قاضيات المحكمة أبدت دهشتها من اتساع نطاق العقوبات، وأثرها بالغ الخطورة في تفاصيل الحياة اليومية... "فأنت تفقد جميع بطاقاتك الائتمانية، بصرف النظر عن الجهة التي أصدرتها"

ولم تكن هذه القيود رمزية أو محدودة الأثر. فقد أبدت كيمبرلي بروست، وهي إحدى قاضيات المحكمة، دهشتها من اتساع نطاق العقوبات، وقالت إن "لها أثرا بالغ الخطورة في تفاصيل الحياة اليومية. إنها ليست إجراء رمزيا، فأنت تفقد جميع بطاقاتك الائتمانية، بصرف النظر عن الجهة التي أصدرتها."

وأضافت أن مهمات بسيطة، مثل حجز سيارة عبر "أوبر" أو تذكرة طيران أو غرفة فندقية، أصبحت مستحيلة. كما باتت التحويلات المصرفية محفوفة بالشك في إمكان عبورها النظام أو تعرضها للرفض. وقال مسؤول آخر في المحكمة لصحيفة "الغارديان" إن العقوبات ستستخدم لإغلاق المحكمة بالكامل، بهدف "تدميرها، وليس الاكتفاء بتقييد حركتها".

رويترز
تظاهرة في تل أبيب، إسرائيل، احتجاجا على إدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب في غزة، في 21 نوفمبر 2024

 أما كريم خان، فلم يعد من الممكن قول الشيء نفسه عن عمله. وحتى "سارة"، وهي إحدى المرأتين اللتين تقدمتا بشكوى بشأن سلوكه، شددت على أن الاتهامات لا تشكل تهديدا وجوديا للمحكمة. وفي مقابلة مع كريستيان أمانبور على شاشة "سي إن إن" الأميركية في 18 يوليو/تموز 2026، أكدت أن المحكمة ستواصل عملها أيا تكن النتيجة، وقالت: "لا أعتقد أن شرعية المحكمة ينبغي أن تقوم على سمعة رجل واحد. هذه ليست فرجة. وهذه ليست هوليوود. نحن، في نهاية المطاف، أمام شكوى. والطريقة التي تتعامل بها المحكمة والمؤسسات الأخرى مع شكوى كهذه تعزز شرعيتها ولا تنتقص منها. فهي تظهر استعدادها للتعامل بجدية مع أي سلوك محتمل ينطوي على مخالفة."

في يونيو 2026، راجعت هيئة من الخبراء القضائيين نتائجه، وخلصت إلى أن خان ارتكب "إخلالا جسيما بواجباته وسوء سلوك خطيرا"

إلى أي مدى تتمتع آليات الرقابة الداخلية في المحكمة بالصلابة؟ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، طلبت المحكمة إجراء تحقيق خارجي يتولاه مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة. وبحلول ديسمبر/كانون الأول، كان المكتب قد أنجز تحقيقه، وجمع أكثر من خمسة آلاف صفحة من الأدلة. وفي يونيو/حزيران 2026، راجعت هيئة من الخبراء القضائيين نتائجه، وخلصت إلى أن خان ارتكب "إخلالا جسيما بواجباته وسوء سلوك خطيرا".

وأوضحت هيئة الإذاعة البريطانية أن المقصود بذلك هو "إقامة علاقة جنسية غير لائقة مع موظفة أدنى منه رتبة في المحكمة، والسعي إلى منعها من المضي في شكواها".

أ.ف.ب
المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، في اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان وجنوب السودان في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك في 27 يناير 2025

وقال طيب علي، محامي خان، إن موكله سيطعن في "مشروعية القرار وعدالته عبر جميع الآليات القانونية المتاحة". أما خان، فركز خلال مقابلة مع مهدي حسن على منصة "زيتيو" على مضمون التقرير نفسه، مؤكدا أن نتائجه المئة والسبع والثلاثين لم تتضمن ما يسند الاتهامات.

ومع ذلك، قد يكون الضرر الذي لحق بسمعة خان عصيا على الإصلاح. وترددت اتهامات بأن إسرائيل تقف وراء القضية، وذهب بعضها إلى الزعم بوجود صلات بين صاحبة الشكوى وجهاز الموساد، وهو ادعاء نفته المرأة. ونقل غاي أزرييل، مراسل الشؤون الدبلوماسية في شبكة "سي إن إن"، عن مسؤول إسرائيلي لم يسمه قوله إن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اضطلع بدور فاعل في الجهود الرامية إلى إقالة خان، وإن فريق عمل خاصا أنشئ لهذا الغرض، بحسب ما أورده في 24 يوليو/تموز 2026.

رغم أن المحكمة قد تنجو من رحيل خان، فقد أثيرت شكوك في قراره إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس فلاديمير بوتين، فضلا عن مذكرتي الاعتقال بحق الوزيرين الإسرائيليين

واصلت الإدارة الأميركية حملتها، مستهدفة هذه المرة سمعة المحكمة الجنائية الدولية. ففي 13 يوليو، تعهد ماركو روبيو بتفكيك المحكمة "لبنة لبنة، باستخدام جميع الأدوات المتاحة لحكومتنا، والعمل إلى جانب كل حليف يمكننا أن نجد معه أرضية مشتركة". وفي قائمة الحلفاء المحتملين، تبدو فنزويلا بداية لا تقل ملاءمة عن سواها.

ورغم أن المحكمة قد تنجو من رحيل خان، فقد أثيرت شكوك في قراره إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس فلاديمير بوتين، فضلا عن مذكرتي الاعتقال بحق الوزيرين الإسرائيليين. وفي عام 2024، نشرت مجلة "نيو ستيتسمان" مقالا لفولفغانغ مونشاو، المدير الألماني لمؤسسة "يورو إنتلجينس"، رأى فيه أن مذكرات الاعتقال قد تأتي بنتائج عكسية إذا كان الهدف منها معاقبة مرتكبي جرائم الحرب، إذ إنها: "تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المهمة الشاقة أصلا المتمثلة في إيجاد حلول دبلوماسية تنهي الحروب [...] ولا تستطيع أي جهود دبلوماسية أن تمنح بوتين، أو نتنياهو في هذا السياق، حصانة من أحكام القانون الدولي. وسيظلان عرضة للاعتقال دائما. وهذه سمة أصيلة في النظام، وليست خللا فيه، غير أن لها كلفة [...] ولعل أكبر سلبياتها أن مذكرة الاعتقال تقلص، في نهاية المطاف، دوافع الزعيم المتهم إلى السعي نحو اتفاق. فما دام الصراع مستمرا، يظل الزعيم في موقع قوة داخل بلاده، على الأقل. وعندما يتوقف القتال، يصبح أشد عرضة للخطر، ولا سيما إذا أطاح به خصومه. ومن ثم، قد يكون من عواقب إصدار مذكرة الاعتقال إطالة أمد الحرب، وإتاحة مزيد من الفرص لارتكاب جرائم الحرب".

ويضع ذلك المحكمة أمام تحد إضافي يتعلق بالغاية التي أنشئت من أجلها. وفي الشهر نفسه، بعد تقديم طلبات إصدار مذكرات الاعتقال، تحدث خان إلى أمانبور عن دور المحكمة، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بحملة مطاردة. فقد انتقدها بعضهم لأنها تمضي ببطء شديد، وانتقدها آخرون لأنها تتعجل خطواتها، إلا أن هؤلاء وأولئك أغفلوا جوهر المسألة: كان لا بد من فحص كل شيء بتأن ودقة قضائية، وأن تستند الإجراءات إلى أدلة راسخة.

وأضاف: "لأننا إذا لم نطبق القانون على الجميع بالتساوي، فسوف نتفكك كنوع بشري".

font change