لا تراهن رواية "أحزان وحيد القرن"، للكاتب الأردني موسى برهومة الصادرة حديثا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت، على تعقيد الحبكة أو كثافة الأحداث، بقدر ما تراهن على سبر أبعاد الشخصية، وتشريح أزمة الإنسان المعاصر في مواجهته السأم والعدمية والهشاشة الداخلية، لتبني نصا يمزج بين الأدب والفلسفة والسينما، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود القصة إلى فضاءات الفكر والوجود.
يفتتح برهومة الرواية بمشهد اقتحام الشرطة ورجال الاسعاف غرفة البطل بشكل مفاجئ بعد تحطيم بابها، ظنا منهم أنه فارق الحياة. هذا الحدث المفصلي لا يؤدي وظيفة الإثارة أو التشويق بالمعنى التقليدي، بل يشكل عتبة سردية ووجودية تنتشل الشخصية من سباتها، وتدفعها إلى إعادة قراءة حياتها ومراجعة علاقتها بالعالم والآخرين.
ومنذ الصفحات الأولى يتراجع البناء الزمني لمصلحة التداعي الحر والتأمل، ليتضح أن النص، الذي جاء في صيغة "نوفيلا" مكثفة، يعنى بإنتاج الأسئلة وتوفير مساحات واسعة للتأويل أكثر من تقديم الإجابات. وتبرز رمزية "وحيد القرن" في العمل بوصفها مفتاحا نقديا لقراءة الشخصية والرواية معا؛ فهي لا تشير إلى كائن أسطوري بقدر ما تجسد التفرد المرهق، والعزلة حين تغدو قدرا، والهشاشة المختبئة خلف مظهر الصلابة.
يتحول الحزن هنا من حالة شعورية إلى بنية تحكم اللغة والإيقاع، فلا يبقى مجرد موضوع للسرد، وإنما يصبح العدسة التي يعاد بها تشكيل العالم داخل النص، حيث يتجلى ذلك عبر حوار "ميتا سردي" ينطوي على سخرية خفية، يخاطب فيه الكاتب قارئه وناقده، ويكشف عن اختياراته السردية بذكاء. ولا تكتفي الرواية بتشريح عزلة الفرد، بل تمتد إلى نقد العلاقات الإنسانية المعاصرة، كاشفة عن هشاشة الصداقة، وسطوة الأنا، وانهيار التواصل الحقيقي في زمن الشاشات والضجيج، كما تلامس قضايا السلطة والامتثال والخوف و"صناعة العدو".
انقسام الذات
تتجلى رمزية شخصية "وحيد القرن" في النص بوصفها مركزا دلاليا كثيفا وعلامة مفتوحة على التفرد والهشاشة. فالكائن الذي يبدو صلبا من الخارج، ووحيدا في عزلته، يجد صداه في الراوي، الذي يواجه ذاته باعترافات قاسية تصل إلى حد وصف نفسه بأنه "شخص لا يطاق".




