بعد قرابة سبعة أعوام على صدور مجموعته القصصية "أصابع مليحة"، يخوض الفنان التشكيلي والأديب الأردني محمد الجالوس تجربته الروائية الأولى "طفولة ناقصة" الصادرة حديثا عن "الدار الأهلية للنشر" في عمان، مستعيدا الطفولة بوصفها ذاكرة شخصية وجمعية حفرت فيها "النكسة" وما تلاها، جراح جيل كامل.
يمزج الجالوس، المولود في عمان 1960 في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين، والمنحدر من عائلة هجرت من قرية قزازة في قضاء الرملة، بين الرواية والسيرة الذاتية، مستحضرا شخصيات حقيقية عايشها في بيئة شكلت وعيه المبكر، وانعكست لاحقا على مساره الإنساني والفني. فهذه الطفولة، رغم، انغماسها اليومي بـ"الهم والتعب"، كانت "الكنز" الذي صاغ تجربته باعتبارها المنبع الأول، لا مجرد خلفية سردية.
وحول رواية "طفولة ناقصة"، ومنابع تجربة الكاتب المتشكلة في المخيم، وسؤال الحرية الذي قاد اهتمام الجالوس بعالم الغجر، كان لـ"المجلة" هذا الحوار معه.
ازدحمت "طفولة ناقصة" بشخصيات وتفاصيل من مخيمي "الوحدات" و"النور". هل ترى أن الاحتكاك المباشر بالناس والمكان شكل مخزونك الإبداعي الأول، وأن المخيم كان مختبرك الإنساني الأهم؟
معظم الشخصيات الواردة في الرواية هي لأناس أعرفهم، وهم من لحم ودم، شكلوا في طفولتي ذلك المخزون العريض من المعرفة الإنسانية، ومنهم ساقني التذكر إلى توثيق علاقتي بهم رغم عدم الإدراك آنذاك لأبعاد هذه الشخصيات ودلالاتها، إنهم كنزي ومفتاح علاقتي بالمكان في سن مبكرة جدا، وقبل بلوغي العاشرة.
المخيم الذي رصدته الرواية، ليس البيئة بمفهومها المكاني، على أهميته، بل بالظلال التي تركها علي شخصيا وعلى جيلي والأجيال اللاحقة وما قبلها. فطعم الأشياء مختلف في المخيم، بدءا من الحياة اليومية التي تتعلق بوضع مؤقت، ظل يحسه جيلي لسنوات، قبل أن تتبخر ملامح الانتظار العظيم بفعل تقلب السياسة وتلاحق الهزائم من "النكسة" وما تلاها من تشظ ما زلنا نعاني منه إلى الآن، للخروج من حالة البحث عن مخرج، مرورا بالتعليم، الذي كان يمثل قيمة خاصة وجزءا من نيات الخلاص من المؤقت.


