بعد 5 سنوات من خروج أميركا... هل تستلهم أفغانستان تجربة سوريا؟

خمس سنوات مرت على انتهاء الغزو الذي قادته أميركا لأفغانستان تحت مظلة "الناتو"

أ ف ب
أ ف ب
عناصر أمن من حركة «طالبان» يقفون فوق عربات «هامفي» مدرعة على أحد الطرق في «المنطقة الخضراء» في كابل، في 12 أغسطس/آب 2026، قبيل الذكرى الخامسة لعودة الحركة إلى السلطة.

بعد 5 سنوات من خروج أميركا... هل تستلهم أفغانستان تجربة سوريا؟

خمس سنوات مرت على انتهاء الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان تحت مظلة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، والذي انتهى في 15 أغسطس/آب 2021. في ذلك اليوم، كانت "طالبان" قد فرضت حصارا فعليا على كابل، بعدما مهد "اتفاق الدوحة" المبرم بين الحركة وإدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى الطريق أمام سيطرتها على البلاد.

وسرعان ما حلت "الإمارة الإسلامية" محل "جمهورية أفغانستان الإسلامية"، بينما غادر الرئيس الأفغاني السابق البلاد متوجها إلى أبوظبي من دون مقاومة تذكر. وفي أوساط الجماعات الإسلامية حول العالم، قوبلت سيطرة "طالبان" بقدر كبير من الاحتفاء، إلا أن مظاهر الابتهاج بدت أكثر وضوحا في إدلب، التي كانت آنذاك معقل الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع. فقد وزعت الحلوى في المنطقة، فيما تابع المقاتلون السوريون تجربة "طالبان" باهتمام لافت، ورأوا فيها نموذجا لجماعة إسلامية استطاعت أن تنتقل من القتال إلى السيطرة على دولة بأكملها. أما الرسالة التي بعث بها سقوط كابل إليهم فكانت واضحة: إذا كان بوسع "طالبان" أن تنتظر 20 عاما حتى تهزم الأميركيين، فإن بإمكانكم أنتم أيضا الصبر في حربكم ضد الأسد.

أما اليوم، وبعد خمس سنوات من العزلة الدولية، فقد انقلب المشهد. إذ ينظر كثيرون في كابل إلى دمشق وأحمد الشرع باعتبارهما مثالا على نموذج إسلامي استطاع مراجعة نفسه، أو على الأقل التكيف مع متطلبات القانون الدولي وضرورات الواقع المعاصر. ومع صعود التجربة السورية إلى واجهة الاهتمام وتحولها إلى مصدر للإلهام، يرى كثيرون داخل حركة "طالبان" وفي صفوف المعارضة الأفغانية أن نهج الشرع في المصالحة والتطور يقدم نموذجا يمكن أن يسهم في إخراج سوريا من إرث حرب مدمرة امتدت 15 عاما.

العزلة واليأس في أفغانستان

غابت أفغانستان إلى حد بعيد عن دائرة الاهتمام الدولي، حتى كادت تصبح بلدا وحربا طواهما النسيان. فبعد 20 عاما من الحضور الغربي، أصبح مجرد ذكرها يستحضر لدى كثير من الدبلوماسيين والقادة الغربيين ذكريات مثقلة بالإحباط والصدمة. وانتهت تجربة المجتمع الدولي هناك إلى فشل ذريع، بعدما عادت "طالبان" إثر عقدين من القتال، وتقدمت نحو كابل وسيطرت عليها، قبل أن تعيد فرض التفسير المتشدد نفسه للشريعة الذي ساد خلال حقبة ارتبطت بما سبق هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وتفيد الأمم المتحدة بأن الجماعات الإرهابية الإقليمية والدولية عادت إلى أفغانستان منذ سقوط الجمهورية، وأصبح لكل منها مدارسها ومجالات تتحرك فيها بحرية.

تعود أفغانستان مجددا إلى دائرة الاهتمام العالمي، ولو لأيام قليلة أو ربما لأسبوع واحد. فالصورة على الأرض شديدة القتامة


وفي موازاة ذلك، تراجعت النساء عن المشهد العام بشكل كامل، وحظرت الموسيقى وأشكال الترفيه، فيما عاد غير البشتون ليعاملوا كمواطنين من الدرجة الثانية. ورغم قتامة هذه الصورة، اختارت مجلة "ذي إيكونوميست" أن تتصدر عددها هذا الأسبوع برسالة واضحة عنوانها: "يجب أن نتحاور مع طالبان". كما عادت ليز دوسيت، كبيرة مراسلي الشؤون الدولية في "بي بي سي"، إلى كابل عقب صدور كتابها الأكثر مبيعا، "أفضل فندق في كابل".

وهكذا تعود أفغانستان مجددا إلى دائرة الاهتمام العالمي، ولو لأيام قليلة أو ربما لأسبوع واحد. فالصورة على الأرض شديدة القتامة، إذ بلغ سوء التغذية مستويات قياسية، ودفع الفقر بعض الأسر إلى بيع أطفالها، بينما كادت النساء تختفي تماما من الحياة العامة، ولا سيما من التعليم وسوق العمل. ومع ذلك، لا يزال من يرى أن فتح باب الحوار مع "طالبان" بات أمرا ضروريا. وفي الوقت نفسه، تواجه الحركة أخطر تحد لها في شمال شرقي البلاد، حيث تقود "جبهة المقاومة الوطنية" بزعامة أحمد مسعود مواجهة متصاعدة معها، بعدما فقدت "طالبان" أخيرا اثنين من كبار قادتها في حوادث باتت تتكرر بوتيرة أكبر. ويقول مسعود، إلى جانب شخصيات معارضة أخرى مثل خالد نور من "الجمعية الإسلامية"، إن محاولات الحوار لم تتوقف، لكن "طالبان" لم تبد استعدادا حقيقيا للاستماع. ويرى كثيرون أن الحركة أهدرت فرصة كانت متاحة أمامها لإصلاح نفسها. فقد كان يفترض أن تمهد محادثات الدوحة لظهور "طالبان جديدة" أكثر انفتاحا على مشاركة النساء وغير البشتون في المناصب، وأكثر تطورا واستعدادا للتكيف مع الحداثة ومع واقع أفغانستان التي تغيرت كثيرا منذ أن حكمتها الحركة للمرة الأولى في تسعينات القرن الماضي.

صدرت بعض الأحكام الدينية المتشددة، مثل حظر الكحول أو منع النساء من وضع مساحيق التجميل، لكن الحكومة السورية لم تمض في تطبيقها


ومع مرور الوقت، أخذت شخصيات عدة، بعضها من داخل الدائرة المقربة من قيادة "طالبان"، تنظر إلى دمشق بوصفها نموذجا على إمكانية انتقال المقاتلين الإسلاميين من ساحات القتال إلى إدارة الدولة. فتبني أيديولوجيا دينية محافظة لا يعني بالضرورة فرض أكثر قراءاتها تشددا على المجتمع بالقوة. وقد أشاد أنس حقاني، أحد أبرز وجوه نظام "طالبان" الجديد، مرارا بالقيادة السورية وقدرتها على إخراج دمشق من عزلتها الدولية. أما خلف الكواليس، فيدفع كل من سراج الدين حقاني، وزير الداخلية وأحد أكثر رجال النظام نفوذا، والملا محمد يعقوب، وزير الدفاع، باتجاه الاستفادة من تجربة دمشق في إدارة الحكم الإسلامي. كما أن السعودية شهدت أول لقاء بين ممثلين عن "طالبان" والقيادة السورية على هامش موسم الحج هذا العام. لكن ما الذي يجعل نموذج دمشق جذابا بالنسبة إلى "طالبان" إلى حد استخدامه حجة للدفع نحو التغيير في مواجهة رجال الدين الأكثر تشددا في قندهار؟

النموذج الدمشقي لأفغانستان

يتضح، إذن، أن المعارضة المناوئة لـ"طالبان"، وفي مقدمتها أحمد مسعود، تلتقي مع قيادات بارزة داخل الحركة نفسها في النظر إلى سوريا بوصفها التجربة الأقرب التي يمكن لأفغانستان الاستفادة منها. ففي قندهار، يتركز جانب كبير من السلطة الفعلية في أيدي كبار رجال الدين الذين يديرون شؤون الحكم استنادا إلى الفتاوى الدينية، في مشهد يذكّر إلى حد بعيد بالنموذج الذي أقامه الشرع في إدلب. إلا أن الشرع، منذ وصوله إلى دمشق، أبدى قدرا أوضح من البرغماتية والمرونة، حتى وإن بقيت تجربته بعيدة عن أن تكون نموذجا مثاليا.

فقد صدرت بعض الأحكام الدينية المتشددة، مثل حظر الكحول أو منع النساء من وضع مساحيق التجميل، لكن الحكومة السورية لم تمض في تطبيقها. وبهذا النهج، سعت دمشق إلى إبقاء رجال الدين المحيطين بالشرع تحت السيطرة، من خلال سياسة تقوم على "جس النبض" واختبار حدود ما يمكن للمجتمع تقبله. كما بدا واضحا أن القيادة السورية تدرك الفارق بين ما يمكن تمريره في إدلب، وربما في ريف حلب، وما قد يثير رفضا في مدن أكثر تنوعا مثل دمشق وحلب. لذلك وجد الشرع نفسه أمام توازن دقيق، بين مراعاة طبيعة مجتمع حضري ومتعدد دينيا، والحفاظ في الوقت نفسه على قاعدته الأساسية من دون استعدائها.

تبرز أهمية تجربة دمشق عند مقارنتها بأفغانستان. فقد نشأ كثير من مقاتلي الشرع وقادته الأصغر سنا في مخيمات اللاجئين أو النازحين في إدلب أو تركيا


ومن هنا تبرز أهمية تجربة دمشق عند مقارنتها بأفغانستان. فقد نشأ كثير من مقاتلي الشرع وقادته الأصغر سنا في مخيمات اللاجئين أو النازحين في إدلب أو تركيا. ورغم أنهم ليسوا جميعا من أبناء إدلب، لكن وصف "إدلبي" بات يطلق على من نشأوا داخل ذلك الجيب وتشكلوا في ظل أيديولوجيته المتشددة. وينطبق الأمر نفسه إلى حد بعيد على "طالبان"، إذ جاء معظم عناصرها من مخيمات اللاجئين في باكستان أو من المناطق الحدودية، ما أكسبهم هوية مميزة لا تعكس بالضرورة الهوية الأفغانية الأوسع. وقد واجهت هذه الهوية صعوبة في الانسجام مع المجتمع الأفغاني، الأمر الذي أسهم في عزلة "طالبان" عنه رغم تفوقها العسكري الساحق. أما الشرع، المنحدر من حي المزة الراقي في دمشق، فيبدو أكثر إدراكا للفجوة بين الدمشقيين المرفهين وأصحاب الأيديولوجيات الدينية الذين لم يعرف كثير منهم سوى الحرب ومخيمات اللجوء.

وهذا هو نموذج دمشق الذي يتطلع إليه كثيرون في كابل. فقد دعا سراج الدين حقاني، أقوى رجل في أفغانستان بعد رجال الدين في قندهار، إلى التعلم من التجربة السورية وتجنب تنفير الشعب من خلال تطبيق متشدد للإسلام. كما كان لافتا إشادة وزير الخارجية الأفغاني بالحكم السوري، بما في ذلك إشراك النساء والمسيحيين في المناصب. وقد تشهد السنوات المقبلة مزيدا من التقارب بين سوريا وأفغانستان، أما حاليا، فتتجه الأنظار في كابل إلى النموذج الدمشقي.

font change

مقالات ذات صلة