3 مجموعات قصصية جديدة تنسج سير الأفراد في زمن التحولات

من مصر وتشاد والسعودية

3 مجموعات قصصية جديدة تنسج سير الأفراد في زمن التحولات

ثلاث مجموعات قصصية من ثلاث دول عربية مختلفة، سعت لرصد التغيرات الراهنة التي تؤثر على الأفراد في الزمن الراهن، وكيف يتم التعامل مع ذلك التغير إما بالتأقلم أو الاستسلام أو التحدي والمواجهة.

لعل أكثر ما يجمع بين هذه المجموعات الثلاث ويميزها، قدرة الكتاب على اللعب بعدد من الأساليب السردية، بين الحكاية بأسلوب الراوي البطل، أو الانتقال بين الزمان والمكان، أو تناول الحكاية من منظور الراوي العليم. لا يقتصر الأمر على تعدد الأساليب فحسب، بل نجد لديهم الحرص على التنوع والثراء وتناول أكثر من فكرة وموضوع في قصص كل مجموعة، من رصد عيوب المجتمع ومشكلاته الواقعية العامة إلى مشكلات الأوساط الأدبية والثقافية مرورا بالأفكار الوجودية العامة المتعلقة بالإنسان وموقفه من العالم وما يطرأ عليه من تغيرات.

"مدن صريحة"

في مجموعتها القصصية "مدن صريحة" (بيت الحكمة 2026) تناقش المصرية تاميران محمود عددا من الأفكار التي تتعلق برصد تغيرات مدينة عريقة تحمل إرثا حضاريا وثقافيا كبيرا مثل القاهرة من خلال أكثر من رؤية ومنظور، فنجدها ترصد في قصة "أيام التين والزيتون" التحولات التي صاحبت البسطاء الذين تأثروا بالخطاب الديني السائد في فترة الثمانينات وجعلتهم يفرقون في التعامل بين المسلم والمسيحي رغم كونهما شريكين في هم واحد.

تناقش المصرية تاميران محمود عددا من الأفكار التي تتعلق برصد تغيرات مدينة عريقة تحمل إرثا حضاريا وثقافيا كبيرا مثل القاهرة

وترصد محمود التغير الذي حدث في مصر بشكل آخر من خلال عدسة سائح يوناني عاش فترة طويلة بحي المنيل، واضطرت أسرته للهجرة بعد ذلك، وجاءت وفاته في فترة كوفيد 19. في قصة "مدن صريحة" التي يحكي فيها وحيد السيكي في مذكراته ما أصاب القاهرة من تغيرات أثناء زياراته المتقطعة على فترات من التسعينات وحتى 2020، حيث تغير الكثير من مظاهر الحياة في الشارع المصري، من الملابس إلى الطرق والمحلات بل وطرق تفكير الناس وعلاقاتهم بعضهم ببعض. القصة التي تدور أحداثها في يومين أثناء اكتشاف البطلة مذكرات وحيد وقراءتها، تعكس  إلى حد كبير ما أصبح عليه المصريون والعالم أثناء تلك الجائحة التي غيرت طريقة تعاملنا مع الأشياءـ وحولت الموت إلى ضيف دائم على البيوت، ولكن مع ذلك بقيت الآثار تحكي قصصا ومواقف ظن الناس أنها ستزول.

غلاف "مدن صريحة" لتاميران محمود

كما ترصد تاميران محمود أثر تغير الزمان على الناس، ففي قصة "بروفة" تعاني البطلة من مرور الزمن دون أن تحقق شيئا من أحلامها، في حين يطاردها الماضي حتى بين مرضاها. وفي قصة "شجرة العصافير" تحكي عددا من التغيرات بين مدينة الفيوم البسيطة الهادئة وما جرى للبطلة في صخب الحياة في القاهرة،  حينما انتقلت إليها للعمل. لا تقتصر قصص تاميران على رصد أحوال النساء في القاهرة فحسب، بل نجد  في قصة "دخان بلا نار" قصة شاب لم يتمكن من الزواج حتى عامه التاسع والثلاثين، يمضي أيامه في مراقبة جارته الفاتنة من الشباك حتى تتزوج وتقضي على خيالاته المشتعلة. كما يحضر عالم الطفولة وما فيه من نقاء وبراءة في قصة "ظل صامت" حيث تحلم الطفلة الصغيرة بمساعدة الشحاذ العجوز الذي تراقبه كل يوم أثناء ذهابها الى المدرسة حتى تفاجأ بموته.

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
زوار في الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب في مركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة

 ترصد الكاتبة كذلك عددا من مظاهر التحول في الوسط الثقافي والأدبي في قصة "ورشة فيلم" التي تناقش فيها تكرار الأفكار الذي يعاني منه عدد من الكتاب والاستعانة بوسائل الذكاء الاصطناعي وخطر ذلك على مستقبل الكتابة، كما ترصد في قصة "غواية" عددا من عيوب التعامل مع المرأة في الوسط الأدبي من خلال كارلا الكاتبة الشهيرة المثيرة للجدل  بأفكارها وملابسها، وطارق الحامي الذي يستخدم  أفكار النسوية كوسيلة للإيقاع بالفتيات.   

غلاف "نزوح الأشجار" لطاهر النور

"نزوح الأشجار"

 في مجموعته "نزوح الأشجار" (منشوات رامينا 2026) يرصد الكاتب التشادي طاهر النور عددا من التغيرات في مدن وقرى تشاد المختلفة، ويحكي عن مجتمعات بعيدة عن بؤرة الأحداث في العالم، ولكنها مليئة بالقصص والحكايات والمفارقات، ويحرص على الجمع بين الواقعي الذي يعرض فيه مشكلات المجتمع وما يعانيه من فقر وقسوة، وبين العوالم الفانتازية التي تبدو وسيلة هرب أبطال قصصه من تفاصيل عالمهم الموحش. وإذا كان طاهر يبدأ قصصه وحكاياته من عالم القرية والوديان والصحاري وما يواجهه الناس فيها من تحديات، فإنه يرصد أيضا التغيرات التي حدثت للناس هناك، وكيف تبقى حكايات الأولين وخبراتهم وسيلة تنفعهم رغم مرور السنين وتغير تحديات الحياة وطرق العيش.

يراقب الطفل التغيرات التي تحدث للأشجار، وكيف أن بعضها يبتعد عن القرية، وكأن النبات يحاكي حركة نزوح البشر عن ذلك المكان

تنقسم قصص المجموعة ثلاثة أقسام، تبدأ بقصص يتناول فيها الكاتب تقنيات الكتابة وأثرها على ذلك المجتمع البدائي في "نزعة الشر" و"اعترافات نصف مجنون"، حتى يتوقف عند "لماذا على الأحجار أن تحكي" التي يتناول فيها أهمية الحكي كوسيلة من وسائل المقاومة، كما يتعرض للدور الذي يفترض أن يكون عليه النقاد وتأثيرهم على الكتابة، وكيف يظهر للكاتب أن أثر البسطاء ومتابعة تفاصيل حياتهم أهم في تنمية الكتابة وجعلها أكثر فنية وصدقا، ثم قسم ثان يتكون من ست قصص من"سنة الحمى، حتى سنة الجدري" تجمع بين الواقعي والفانتازي، ويسيطر على بعضها طابع الواقعية السحرية في كيفية مواجهة البسطاء لمشقات حياتهم وتعاملهم مع الحيوانات على اختلاف أنواعها في ذلك المجتمع الشديد القسوة.

 Joris Bolomey / AFP
رجل يحمل القصب على كتفيه في قرية كيسكرا بمنطقة بحيرة تشاد في تشاد

تحضر الطفولة أيضا في قصص  مثل "اعترافات منتصف الجنون" التي يحكي فيها عن "صغيرون"، الطفل المتحرر من قيود القرية الذي يتسبب بالمشكلات لكل البيوت، وكيف تحول اختفاؤه ثم موته بعد ذلك إلى غياب الفرح والبهجة عن قريتهم وانتشار حالة الحداد والكآبة رغم كل ما كان يتسبب به من أضرار. وفي قصة "نزوح الأشجار" يراقب الطفل التغيرات التي تحدث للأشجار، وكيف أن بعضها يبتعد عن القرية، وكأن النبات يحاكي حركة نزوح البشر عن ذلك المكان لصعوبة الحياة فيه. وتحمل قصة "زي والغول" طابعا أسطوريا رمزيا للفتاة التي اختارها الغول لكي تعيش في شجرة مثل العصفور، وتتحول إلى فزاعة يحكيها الآباء لأبنائهم حتى يمتثلوا لأوامرهم.

 

غلاف "ذاكرة الفم الملون" لعباد حسين

"ذاكرة الفم الملون"

في مجموعته "ذاكرة الفم الملون" ( منشورات جدل 2025 ) يحرص الكاتب السعودي عباد حسين على رصد تغيرات العالم من حوله في القصة التي تحمل اسم المجموعة، حيث يسعى بطلها جاهدا للحصول على صورة تشبه تلك الصورة التي احتفظ بها لنفسه من طفولته، ولكنه في كل مرة يجد آثارا آخرى مختلفة، وكأن التغيرات الخاصة بعالم التكنولوجيا من الصعب التخلص منها اليوم في إشارة رمزية بالغة الدلالة، حتى أن صاحب الصورة يختفي بنفسه في آخر تجربة.  

كما يحضر رسم مشاعر الطفولة أيضا في قصة "هزيمة عيد الميلاد"، في ذلك الصراع الهادي بين بطل القصة الفتى الصغير الذي يخوض مسابقة مع فتاة تماثله في العمر تطلب منه أختها أن يجعلها تفوز هذه المرة، كأنها هدية لعيد ميلادها، كما يرصد عددا من مشاعر الطفل وعلاقته بعالم الكبار في قصة تبدو بسيطة ولكنها تحمل رمزا كبيرا وهي "ساعة كاسيو"، حيث البطل هذه المرة معروف بين أفراد عائلته بالكذب، الذي يلجأ إليه ليعوض الخسارات الصغيرة التي تحيط عالمه، فيكتفي بالصمت لأنه يعرف أنهم لن يصدقوا أبدا أن جده أهدى اليه تلك الساعة الغالية قبيل وفاته.

 تنتقل قصص المجموعة أيضا ببساطة بين الواقعي والفانتازي، فنجد قصة "الحياة كعلبة كبريت" التي تبدأ من كابوس يحلم به البطل لتنتقل إلى لعنة تطارده وتتكرر مع مواقف مختلفة من حياته. هنا تبدو حياة البطل ومصيره رهنا لكابوس يتحول بالفعل إلى حقيقة تتنتهي بها حياته ومن حوله.

تحضر المدنية الحديثة في أكثر من قصة ويبدو أثرها ووقعها على نفس البطل، الذي يتوه في قصة "عار ينظر إلى المرأة" بين زحام المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي وصخب الأغاني والمهرجانات التي لا تعبر عنه، ويستغرق في تأمل ذلك العالم من حوله حتى أنه يسعى لخلع أعين من حوله ويسيطر عليه شعور بأنه عار لا يراه أحد.

يستغرق في تأمل ذلك العالم من حوله حتى أنه يسعى لخلع أعين من حوله ويسيطر عليه شعور بأنه عار لا يراه أحد

لا يغيب الوسط الأدبي والثقافي عن قصص عباد حسين، ففي قصة بعنوان "عنزة جميلة في بهو الأدب" يناقش عددا من أفكار الكتابة والعلاقات في الأوساط الأدبية بين كبار الكتاب والشباب الذين يطمحون الى الاعتراف بمواهبهم، وكيف يرى آباؤهم أن الاهتمام بالأدب ليس مجديا، كما يشير إلى ما يشيع في تلك الأوساط من اهتمام بكتابات الفتيات والتغزل بها وتقديمها في المجالس والصفحات الأدبية والثقافية، وغير ذلك من سلبيات ومواقف.

font change