من بوني وكلايد إلى فنزويلا ولبنان...الأزمات تصنع اقتصاد الجريمة

الفقر والبطالة والضغوط الاجتماعية حوافز لتزايد الجرائم

أ.ف.ب/رويترز/المجلة
أ.ف.ب/رويترز/المجلة

من بوني وكلايد إلى فنزويلا ولبنان...الأزمات تصنع اقتصاد الجريمة

لم تكن قصة بوني وكلايد مجرد أسطورة أو مادة خام أبدعت السنيما في توظيفها لتصوير الرومانسية في عالم السطو والجريمة. هي واقعة تعود جذورها إلى شخصيتين حقيقيتين، التقتا في دالاس بالولايات المتحدة الأميركية عام 1930، في وقت كانت الولايات المتحدة تغرق في تداعيات الكساد الكبير.

وجاء لقاؤهما بعد أشهر قليلة من انهيار سوق الأسهم الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 1929، إذ شهد 24 أكتوبر/تشرين الأول ما عُرف بـ"الخميس الأسود"، قبل أن يصل الانهيار إلى واحدة من أشد مراحله في 29 أكتوبر/تشرين الأول، الذي عُرف لاحقا بـ"الثلاثاء الأسود". ولم يكن انهيار البورصة وحده سبب الكساد الكبير، لكنه أسهم في تسريع الانكماش الاقتصادي الذي امتد طوال ثلاثينيات القرن العشرين.

اشتُهرت تلك الفترة بإفلاس البنوك وفقدان ملايين الأميركيين وظائفهم ومنازلهم. ويُعدّ الكساد الكبير أطول وأعمق انكماش اقتصادي شهدته الولايات المتحدة في تاريخها الحديث، وقد تجاوزت تداعياته الحدود الأميركية لتتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية طالت معظم دول العالم خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

وفي ظل تلك الظروف، شهدت الولايات المتحدة موجة من الجرائم والعصابات شملت السطو على البنوك والسرقة والاختطاف والقتل، في وقت أسهمت فيه تداعيات الكساد الكبير في تعميق الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. وكان من أشهر ثنائيات الجريمة آنذاك بوني باركر وكلايد بارو، اللذان تحولا إلى شخصيتين مثيرتين لافتتان الجمهور على الرغم من ارتباطهما بسلسلة من الجرائم العنيفة.

أشارت دراسات إلى أنّ البطالة قد تزيد أنواعا معينة من الجرائم، مثل سرقة الممتلكات والأشياء الثمينة والسطو، بينما قلت أنواع أخرى من الجرائم العنيفة كالقتل

ووفق مكتب التحقيقات الفيديرالي الأميركي (FBI)، ارتبط الثنائي بـ13 جريمة قتل، إلى جانب عمليات سطو وسرقة واختطاف، بينها قتل اثنين من عناصر الشرطة في أبريل/نيسان 1934. وأسهمت الصحافة وقصة علاقتهما العاطفية وصورتهما كـ"عاشقين هاربين" في صناعة هالة رومانسية حولهما، على الرغم من أن الواقع الإجرامي كان أكثر عنفا بكثير.

مع ذلك، من الملحوظ ارتفاع معدلات الجرائم في ظل الأزمات الاقتصادية، وهذا يطرح سؤالا مهما، لماذا يزداد معدل الجرائم تزامنا مع الضغوط الاقتصادية؟ حسنا، تلك قصتنا.

بطالة عالية تساوي تناميا في مستوى الجريمة

ترتبط البطالة بارتفاع معدلات الجريمة، وفق دراسة نشرها الباحثان كيث بندر وإيوانيس ثيودوسيو في "جورنال أوف إيكونوميك إستاديز" (Journal of Economic Studies) عام 2016، تناولت العلاقة بين تقلبات البطالة والجريمة في الولايات المتحدة، بالاعتماد على بيانات ولايات أميركية خلال الفترة بين عامي 1965 و2006. ووجدت الدراسة ارتباطا إيجابيا قويا بين البطالة ومعظم أنواع الجرائم، مع وجود تأثيرات مؤقتة وأخرى مستمرة، مما يعني أن آثار ارتفاع البطالة على الجريمة قد لا تنتهي في الضرورة بانتهاء فترة ارتفاعها، بل يمكن أن تمتد إلى الأجل الطويل.

وأشارت دراسات أخرى إلى أن البطالة قد تزيد أنواعا معينة من الجرائم، مثل سرقة الممتلكات والأشياء الثمينة والسطو، بينما قلت أنواع أخرى من الجرائم العنيفة كالقتل.

رويترز
سوق شعبية في مدينة كاراكاس، فنزويلا، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2024

وتفسر الأدبيات الاقتصادية والجنائية العلاقة بين البطالة والجريمة من خلال تأثيرين متعاكسين: "تأثير الدافع" (Motivation effect) و"تأثير الفرصة" (Opportunity effect) . ووفق النموذج الذي طرحه الباحثان ديفيد كانتور وكينيث لاند، فإن فقدان العمل وتراجع الدخل قد يزيدان الحافز إلى ارتكاب جرائم الممتلكات، باعتبارها وسيلة محتملة للحصول على دخل. في المقابل، قد يؤدي ارتفاع البطالة إلى تقليص فرص ارتكاب بعض الجرائم، إذ يبقى عدد أكبر من الأشخاص في منازلهم بدلا من وجودهم في أماكن العمل، مما يزيد مراقبة الممتلكات ويقلل عدد الأهداف المتاحة للسرقة والسطو.

لذلك قد تعمل البطالة في اتجاهين متعاكسين على الجريمة، وتحدد قوة كل تأثير المحصلة النهائية. وتدعم دراسات لاحقة، بينها بحث تناول فرنسا والمملكة المتحدة، وجود علاقة إيجابية بين صدمات البطالة ومعدلات الجريمة، خصوصا خلال فترات الانكماش الاقتصادي.

ببساطة، مواطن يعيش في دولة ما تعاني من ضغوط اقتصادية، لا يستطيع الحصول على أجر عادل يضمن له حياة كريمة، وربما لا يستطيع الوصول إلى أغراض أساسية في حياته اليومية، فيبدو الخروج على القانون أكثر إغراء بالنسبة له

واستخدمت دراسة نشرها فريدج جوادي وسوشانتا مالك وعبد الكريم إيدي شيفو وأنيش أوغسطين في "دورية السلوك الاقتصادي والتنظيم" (Journal of Economic Behavior & Organization) عام 2021، بيانات ربع سنوية لفرنسا خلال الفترة من الربع الأول من عام 1975 إلى الربع الرابع من عام 2013، وللمملكة المتحدة من الربع الثاني من عام 1983 إلى الربع الثاني من عام 2018. وأجرى الباحثون كذلك تحليلا إضافيا باستخدام بيانات سنوية لـ24 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال الفترة بين عامي 1998 و2016.

وخلص مؤلفو الدراسة إلى أن ارتفاع معدل البطالة يميل إلى زيادة الجرائم غير العنيفة، وأشارت النتائج أيضا إلى أن الحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي في البلاد ضروري لتحقيق الاستقرار في معدلات الجرائم غير العنيفة.

اقتصاديات الجريمة

ببساطة، مواطن يعيش في دولة ما تعاني من ضغوط اقتصادية، لا يستطيع الحصول على أجر عادل يضمن له حياة كريمة، وربما لا يستطيع الوصول إلى أغراض أساسية في حياته اليومية، فيبدو الخروج على القانون أكثر إغراءً بالنسبة له. إذ يقارن بين المنافع المحتملة والتكاليف المتوقعة من ارتكاب جريمة كالسرقة أو السطو. على سبيل المثل، إذا فكر شخص في سرقة شيء ما قيمته نحو 1,000 دولار، في تلك الحالة، تكون المنافع المحتملة هي 1,000 دولار، بينما التكاليف المتوقعة، هي احتمال القبض عليه أو العقوبة. وهنا تصبح الأنظار موجهة نحو المنافع المحتملة، لأن البدائل القانونية لن تكفي حاجاته. هذا باختصار مفهوم اقتصاديات الجريمة، حيث يُنظر إلى الجريمة أو الأفعال غير القانونية على أنها خيارات أكثر عقلانية أو طوق نجاة للفرد من الضغوط الاقتصادية، ويستطيع من خلالها الموازنة بين المنافع المحتملة والمخاطر المتوقعة كالقبض أو العقوبة.

أ.ف.ب
غاري بيكر، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، يلقي كلمة خلال الجلسة العامة ضمن مؤتمر القمة العالمية لعام 2007 في بيفرلي هيلز بولاية كاليفورنيا، 24 أبريل/نيسان 2007

وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصادي الأميركي غاري س. بيكر، الحاصل على جائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفرد نوبل عام 1992، أسهم في تأسيس المنهج الاقتصادي الحديث لدراسة الجريمة والعقاب من خلال ورقته البحثية الشهيرة "الجريمة والعقاب: مقاربة اقتصادية"، المنشورة عام 1968. وطرح بيكر من خلالها إطارا يقوم على النظر إلى ارتكاب الجريمة بوصفه قرارا يمكن تحليله وفق منطق الاختيار العقلاني، إذ يوازن الفرد بين العائد المتوقع من الجريمة وتكاليفها، بما في ذلك احتمال القبض عليه والعقوبة المتوقعة. كما تناولت الورقة كيفية تحديد مستويات الموارد والعقوبات الأكثر كفاءة في إنفاذ القانون والحد من الخسائر الاجتماعية الناجمة عن الجريمة.

وهذا لا يعني أن بيكر يقول إن الفقراء مجرمون، بل يربط بين قوة إنفاذ القانون وجاذبية الحوافز الأخرى كالسرقة في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة. فإذا ازداد احتمال القبض وشدة العقوبة، تصبح الجريمة بحوافزها أقل جاذبية، بينما إذا انخفضت معدلات الأجور، فقد تصبح الجريمة أكثر جاذبية.

تخفيف الضغوط المرتبطة بعدم اليقين قد يساعد الأفراد الذين يعانون من ندرة الموارد في اتخاذ قرارات أكثر توجها نحو المستقبل

وأشار بيكر في ورقته إلى أن زيادة احتمال اكتشاف الجريمة والقبض على مرتكبها وإدانته، إلى جانب العقوبة المتوقعة، يمكن أن تردع بعض الأفراد عن ارتكاب الجرائم. لكنه أوضح في المقابل أن إنفاذ القانون له تكلفة اقتصادية، إذ يتطلب موارد للشرطة والمحاكم والسجون وغيرها من وسائل مكافحة الجريمة. ومن ثم، فإن السياسة المثلى لا تقوم على زيادة الإنفاق أو شدة العقوبات بلا حدود، بل على تحقيق التوازن بين تكلفة إنفاذ القانون والخسائر الاجتماعية الناجمة عن الجريمة.

وفي الوقت نفسه، يصعب تحمل خسائر الجرائم نفسها، والمتمثلة في خسائر الضحايا والممتلكات وعدم الأمان والفوضى. وهذا يعني أن القضاء على الجرائم والجرائم نفسها بشكل عام قد يكون مكلفا، ويحتاج لإنفاذ موارد ضخمة على الشرطة والمراقبة. لذلك، سعى بيكر في نموذجه إلى تقديم حلول أكثر واقعية لتقليل الخسائر، وركز على دعم اكتشاف الجريمة والقبض على المجرمين ومحاسبتهم بعقوبة شديدة رادعة. ولتقليل تكلفة مكافحة الجريمة، اقترح وضع الغرامات كعقوبة، بذلك تنتقل الموارد المالية من المجرم إلى الدولة. وفي هذه الحالة، قد تصبح الغرامة أكثر كفاءة من بعض العقوبات الأخرى المكلفة.

مكافأة قريبة

أُجريت دراسة على عينة نهائية من 230 مشاركا في كولومبيا، بلغ متوسط أعمارهم 24.4 سنة، باستخدام لعبة إلكترونية تحاكي القرارات الاقتصادية في الحياة اليومية. ووضع الباحثون المشاركين في ظروف تحاكي ندرة الموارد أو وفرتها، ثم قدموا لهم أحد ثلاثة تدخلات: مكافأة مالية مباشرة، أو تأمين يهدف إلى تقليل عدم اليقين، أو عدم تقديم أي مساعدة. بعد ذلك، قاس الباحثون قدرتهم على تأجيل الإشباع باستخدام حوافز مالية حقيقية مرتبطة بقراراتهم في اللعبة.

وواجه المشاركون مفاضلة بين الحصول على عائد فوري ومؤكد، أو الاستمرار في اللعبة سعيا إلى مكافأة أكبر في المستقبل لكنها احتمالية، مما أتاح للباحثين دراسة كيفية تأثر القرارات المستقبلية بالندرة وعدم اليقين.

رويترز
محقق من وحدة مسرح الجريمة التابعة لجهاز الخدمة السرية الأميركي في موقع حادث إطلاق نار تورط فيه أحد الضباط في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 4 مايو/أيار 2026

والنتيجة الأهم أن المشاركين في حالة الوفرة كانوا أكثر ميلا بنحو خمسة أضعاف إلى تأجيل الإشباع مقارنة بالمشاركين في حالة الندرة. كما أدى تقليل عدم اليقين من خلال التأمين إلى تحسين القدرة على تأجيل الإشباع لدى المشاركين الذين واجهوا الندرة، وبدرجة مماثلة تقريبا لتأثير تقديم الموارد المالية مباشرة، مما يشير إلى أن تخفيف الضغوط المرتبطة بعدم اليقين قد يساعد الأفراد الذين يعانون من ندرة الموارد في اتخاذ قرارات أكثر توجها نحو المستقبل.

وهنا يجدر توضيح أن الندرة الاقتصادية المذكورة، تعني أن الشخص يحصل على موارد قليلة، مما يجعله أكثر ميلا للحصول على الشيء أو الموارد الآن بدلا من الانتظار للمستقبل، فلا يستطيع تأجيل الإشباع. على عكس الوفرة الاقتصادية، التي تعني أن الشخص يحصل على موارد وفيرة بالفعل، وهذا يجعله أكثر ميلا للانتظار وتأجيل الإشباع.

في فنزويلا، تزامنت الأزمة الاقتصادية العميقة مع ارتفاع حاد في العنف خلال سنواتها الأولى. ووفق تقديرات المرصد الفنزويلي للعنف (OVV)، ارتفع معدل الوفيات العنيفة من 79 لكل 100 ألف نسمة عام 2013 إلى 91.8 لكل 100 ألف عام 2016، بزيادة تقارب 16 في المئة

وخلصت الدراسة المنشورة في دورية "سبرنغر نيتشر: ثيوري آند ديسيجن " (Springer Nature (Theory and Decision في مايو/أيار 2026، إلى أن المشاركين في حالة الوفرة، كانوا أكثر احتمالا لتأجيل الإشباع مقارنة بالمشاركين الذين تعرضوا لحالة الندرة. ولاحظ مؤلفو الدراسة أيضا أن تقليل عدم اليقين قد أسهم في تحسن القدرة على تأجيل الإشباع لدى الأشخاص في ظروف الندرة. مع ذلك، لم يتأثر المشاركون في حالة الوفرة بالتدخلات التي هدفت إلى تقليل اليقين، لأنهم بالفعل لديهم وفرة تطمئنهم حول المستقبل.

رويترز
أشخاص يقفون أمام جهاز صراف آلي خارج أحد فروع بنك ناشيونال بنك في أثينا، اليونان، 28 يونيو/حزيران 2015

وفي ظل الضغوط الاقتصادية، قد يميل الإنسان تحت الضغط المالي لتفضيل الحصول على المكافأة الأقرب باندفاع. فالإنسان في طبيعته قد يقلق من المستقبل في حال تعسر الحاضر، خاصة في ظل ندرة الموارد، فيميل للحصول على المكافأة الفورية. وهذا قد يفسر لماذا يندفع البعض للسرقات أو السطو عند التعرض لضغوط اقتصادية.

ضغوط متراكمة

يلعب الضغط الاجتماعي أيضا دورا محوريا في زيادة معدلات الجريمة خلال الضغوط الاقتصادية. واختبرت دراسة أجريت في روسيا نظرية "الضغط العام" من خلال بحث العلاقة بين تراكم الضغوط والمشاعر السلبية والسلوك الإجرامي. واعتمدت الدراسة، التي نشرتها إيكاترينا بوتشكوفار وليزا برودي في دورية "كرايم آند ديلنكوانسي" (Crime & Delinquency) عام 2010، على عينة عشوائية من 340 بالغا.

ووجد الباحثان أن الضغوط ترتبط عموما بزيادة المشاعر السلبية، وأن تراكم الأحداث والظروف الضاغطة أو تركزها في فترة زمنية قصيرة قد يزيد قدرتها على دفع بعض الأفراد إلى التكيف بصورة غير قانونية.

وتنسجم هذه النتائج جزئيا مع "نظرية الضغط العام" التي طورها روبرت أغنيو، والتي تفترض أن الضغوط والأحداث السلبية قد تولد مشاعر مثل الغضب والإحباط، ما قد يزيد الميل إلى السلوك المنحرف أو الإجرامي بوصفه إحدى وسائل التكيف. إلا أن الدراسة أكدت أن المشاعر السلبية ليست في الضرورة عاملا إجراميا في جميع الحالات، وأن العلاقة بين الضغط والجريمة أكثر تعقيدا من مسار سببي مباشر.

أمثلة واقعية

ليست الدول التي وقعت في أزمات اقتصادية بقليلة ويمكننا بسهولة البحث ومطابقة ارتفاع النماذج المرتبطة بالجريمة فيها. ففي فنزويلا على سبيل المثل، تزامنت الأزمة الاقتصادية العميقة مع ارتفاع حاد في العنف خلال سنواتها الأولى. ووفق تقديرات المرصد الفنزويلي للعنف (OVV)، ارتفع معدل الوفيات العنيفة من 79 لكل 100 ألف نسمة عام 2013 إلى 91.8 لكل 100 ألف عام 2016، بزيادة تقارب 16 في المئة. لكن العلاقة بين الأزمة والجريمة لم تكن خطية، إذ تراجع المعدل لاحقا إلى 89 عام 2017 ثم إلى 81.4 عام 2018.

والأهم أن المرصد الفنزويلي للعنف نفسه قدم تفسيرا معقدا لهذا التراجع. ففي تقريره لعام 2019، أشار إلى أن انهيار النشاط الاقتصادي، والفقر، والهجرة، ونقص السيولة والخدمات، أسهمت في تقليص فرص ارتكاب الجرائم، إذ أصبح عدد الضحايا المحتملين والموارد المتاحة للسرقة أقل. ويقدم ذلك مثلا عمليا على "تأثير الفرصة"، فالأزمة الاقتصادية قد تزيد دوافع بعض الأفراد إلى الجريمة، لكنها عندما تصل إلى مستويات شديدة من الانهيار قد تقلل في المقابل الفرص المتاحة لارتكابها.

خلال الأزمة الاقتصادية اللبنانية، ارتفعت جرائم السرقة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2021 إلى 4,804 حالات، مقارنة بـ1,314 حالة في الفترة نفسها من 2019، بينما تضاعفت جرائم القتل تقريبا

ويقدم لبنان مثلا آخر على العلاقة بين الأزمات الاقتصادية والجريمة. فمنذ اندلاع الانهيار المالي في 2019، شهدت البلاد تراجعا حادا في النشاط الاقتصادي وتدهورا في القدرة الشرائية، فيما أظهرت بيانات رسمية ارتفاعا كبيرا في بعض الجرائم. وبحسب دراسة لـ"الدولية للمعلومات" استندت إلى بيانات قوى الأمن الداخلي، ارتفعت جرائم السرقة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2021 إلى 4,804 حالات، مقارنة بـ1,314 حالة في الفترة نفسها من 2019، بزيادة بلغت 265 في المئة، بينما تضاعفت جرائم القتل تقريبا، من 89 إلى 179 حالة، بارتفاع 101 في المئة.

وتُظهر الحالة اللبنانية كيف يمكن الضغوط الاقتصادية الحادة أن تتزامن مع زيادة الجرائم، وإن كان من الصعب عزل أثر الأزمة الاقتصادية عن عوامل أخرى، مثل ضعف مؤسسات الدولة وتراجع القدرة على إنفاذ القانون.

أ.ف.ب
لبناني يقف خارج متجر للصرافة، بيروت، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

وتقدم اليونان خلال أزمة الديون مثلا آخر على العلاقة بين الاضطرابات الاقتصادية والجريمة. فبين عامي 2009 و2011، انخفضت الودائع المصرفية في البلاد بنحو 63 مليار يورو، أو 27 في المئة، بالتزامن مع ارتفاع جرائم الممتلكات بنسبة 39 في المئة، وفق دراسة بحثية تناولت تأثير الأزمة المالية في هيكل الفرص المتاحة للجريمة.

وأشار الباحثون إلى أن سحب الأموال من المصارف واحتفاظ الأسر بمزيد من النقد ربما زاد من الأموال المتاحة للسرقة والسطو. كما أظهرت دراسة أخرى، اعتمدت بيانات المناطق اليونانية بين 1999 و2013، علاقة إيجابية بين البطالة وبعض فئات الجرائم خلال فترة الأزمة تحديدا.

وأخيرا، ربما تقود الضغوط الاقتصادية إلى الجرائم، لكن لا تسير العلاقة بينهم في الضرورة في اتجاه واحد، فقد تصبح الجريمة عبئا اقتصاديا أيضا، وتستلزم مكافحة الجرائم موارد اقتصادية أيضا، مما يقلل ضخ الأموال نحو دعم اقتصاد الدولة، بالتالي المزيد من التدهور الاقتصادي، مما يستدعي الحاجة إلى حلول أكثر فعالية لمواجهة تلك الضغوط جميعا.

font change