فيلسوف فرنسي يعيد تقديم سبينوزا لجيل التواصل الاجتماعي

فن العيش في "سبينوزا على الشاطئ"

Ada Shen
Ada Shen

فيلسوف فرنسي يعيد تقديم سبينوزا لجيل التواصل الاجتماعي

سعى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677) إلى إحداث ثورة فكرية تعيد تعريف العلاقات الجوهرية بين الإنسان والعالم، بين العقل والعاطفة، وبين الحرية والضرورة. ومع ذلك، ظل اسمه لعقود طويلة مقترنا بصورة الفيلسوف الصعب المعقد، الذي صاغ أفكاره بلغة هندسية جافة تشبه الرياضيات، مما جعل نصوصه تبدو قلعة حصينة لا يمكن الاقتراب منها إلا عبر بوابة المتخصصين. من هنا تبرز أهمية كتاب "سبينوزا على الشاطئ" (دار "دونود"، 2026) للفيلسوف الفرنسي فيليب سالتيل، الذي ينجح في تحقيق معادلة معرفية دقيقة: تقريب أحد أكثر الأنساق الفلسفية تعقيدا في تاريخ الفكر الإنساني من القارئ غير المتخصص، دون أن يفرط في العمق الفكري، ودون أن يختزل الأفكار الكبرى إلى مجرد شعارات تبسيطية فارغة من محتواها.

قراءة تأويلية

يندرج هذا المؤلف ضمن سلسلة فرنسية شهيرة تميزت بتقديم كبار الفلاسفة بلغة سلسة تجمع بين الدقة العلمية ومتعة القراءة الاستكشافية. غير أن مساهمة سالتيل تتجاوز الطابع التعليمي أو المدرسي الصرف للسلسلة، إذ يقدم قراءة تأويلية تجعل سبينوزا معاصرا لنا، وكأن أسئلته الوجودية قد ولدت من رحم زمننا الراهن المحكوم بالأزمات البيئية، والقلق الوجودي الحاد، وضغوط الحياة اليومية المتسارعة، وليس في أمستردام القرن السابع عشر.

يختار المؤلف بذكاء أن يبتعد عن الصورة التقليدية النمطية للفيلسوف المنعزل الغارق في التجريدات الميتافيزيقية والمفاهيم المفصولة عن الواقع. بدلا من ذلك، يقدم سالتيل سبينوزا الإنسان، ذلك الذي عاش حياة قصيرة نسبيا لكنها كانت حافلة بالمواجهات الفكرية والدينية والدنيوية الشرسة. لم يكن سبينوزا مجرد صاحب نسق نظري مغلق، بل كان مفكرا شجاعا دفع ثمنا باهظا مقابل استقلاله الفكري؛ إذ تعرض للطرد والحرمان (اللعن) من الجماعة اليهودية في أمستردام، ورفض المناصب الجامعية المرموقة التي كانت كفيلة بمنحه الاستقرار المالي والاجتماعي، مفضلا كسب عيشه البسيط من مهنة صقل العدسات البصرية، ليضمن بقاء عقله حرا طليقا في التفكير والكتابة. ويحرص سالتيل على توظيف هذه السيرة الذاتية كمدخل حيوي لفهم المشروع الفلسفي برمته، معتبرا أن حياة سبينوزا ونمط عيشه كانا التجسيد العملي الأسمى لفكره القائم على الاستقلال العقلي التام ورفض الخضوع للأحكام المسبقة وسلطة الخرافة.

كل موجود يسعى بطبيعته إلى الحفاظ على وجوده، وكل ما يصدر عن الإنسان من أفعال ورغبات وانفعالات ليس سوى تمظهرات لهذا الميل

بعد هذا التمهيد البيوغرافي الحاذق، ينتقل الكتاب إلى الفكرة المركزية التي تشكل العمود الفقري لنسق سبينوزا: الرغبة في البقاء والاستمرار، أو ما يعرف في الأدبيات الفلسفية بمفهوم "الكوناتوس"، ويبين سالتيل أن هذا المفهوم هو المفتاح الأنثروبولوجي الذي يفسر السلوك الإنساني بأكمله، فكل موجود، بحسب سبينوزا، يسعى بطبيعته إلى الحفاظ على وجوده، وكل ما يصدر عن الإنسان من أفعال ورغبات وانفعالات ليس سوى تمظهرات لهذا الميل الأساس للأنطولوجيا الإنسانية.

 Bridgeman via Getty Images
بندكت (باروخ) سبينوزا، الفيلسوف الهولندي (1632-1677)

الفلسفة في التفاصيل

يبتعد المؤلف كثيرا عن الشروح المدرسية التلقينية التي تكتفي بتقديم التعريفات الصماء، ليجعل القارئ يلمس حضور هذه المفاهيم في تفاصيل حياته اليومية المعيشة. فالرغبة في النجاح، والخوف من الفشل، والبحث الدؤوب عن الحب، والتمسك بالصداقات، وحتى النزاعات النفسية الداخلية أو الصراعات مع الآخرين، كلها تصبح في ضوء الكتاب تعبيرات متباينة عن السعي البشري الدائم لتعزيز القدرة على الوجود والفعل. وبذلك، تتحول الفلسفة على يد سالتيل من خطاب مجرد إلى أداة حية لفهم التجربة الإنسانية العميقة.

غلاف "مفردات هيوم"

يتجاوز الكتاب حدود علم النفس الفلسفي، ليقود القارئ تدريجيا وبسلاسة إلى قلب الميتافيزيقا السبينوزية، حيث تذوب الحدود التقليدية الموروثة بين الإنسان والطبيعة. ففي نظر سبينوزا، لا يوجد إله مفارق أو منفصل عن العالم يديره من الخارج كآلة، وإنما الإله والطبيعة هما اسمان لجوهر وحيد وحقيقة واحدة، وهو ما اختزله في عبارته المدوية: "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura) . ويحرص سالتيل على توضيح أن هذا التصور ليس إلحادا فجا كما اتهمه معاصروه من رجال الدين، ولا هو عودة إلى الوثنية الإحيائية القديمة، بل هو رؤية عقلانية ترى أن الكون بأسره محكوم بقوانين حتمية موحدة، وأن الإنسان ليس كيانا استثنائيا أو "دولة داخل دولة" منفصلة عن النظام الطبيعي، بل هو جزء لا يتجزأ من هذا الكل.

غلاف "سبينوزا على الشاطئ"

ويعد هذا الجانب الأنطولوجي من أكثر أجزاء الكتاب نجاحا، لأن المؤلف يبرز آثارها الأخلاقية والوجودية المباشرة، بدلا من الاكتفاء بعرض النظرية في قالبها التجريدي، فإذا كان الإنسان جزءا من الطبيعة وخاضعا لقوانينها، فإن فهم هذه القوانين يصبح هو الطريق الوحيد والشرعي للتحرر من الأوهام والعبودية. ومن هنا تنشأ العلاقة الوثيقة بين المعرفة والحرية في الفلسفة السبينوزية، فالحرية ليست القدرة العبثية على فعل ما نشاء بصورة اعتباطية (وهو وهم الإرادة الحرة المطلقة)، بل هي الفهم العقلاني الدقيق للأسباب الضرورية التي تحدد تفكيرنا ورغباتنا وسلوكياتنا. فالإنسان يعتقد أنه حر لمجرد أنه يعي أفعاله ويجهل الأسباب الخفية التي تدفعه إليها. ويستعين سالتيل بأمثلة ذكية من الحياة اليومية ليبين كيف تتحكم فينا الانفعالات، والعادات اللاشعورية، والظروف الاجتماعية الضاغطة، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بفك شفرات هذه الشبكة السببية.

نظرية الانفعالات

وفي القسم الأثرى من الكتاب، يغوص سالتيل في سيكولوجيا سبينوزا من خلال "نظرية الانفعالات"، لينجح في تبديد وهم شائع يصور سبينوزا كفيلسوف للعقل الخالص الذي يدعو إلى قمع العواطف واستئصالها. والحقيقة المقابلة هي أن سبينوزا يمنح الانفعالات مكانة مركزية، ولا ينظر إليها كعدو للعقل أو كنقائص في الطبيعة البشرية، إنما كظواهر طبيعية تخضع لقوانين صارمة يجب فهمها أولا قبل السيطرة عليها. يشرح سالتيل أن الدوافع البشرية هي شبكة معقدة من مشاعر الفرح والحزن والحب والكراهية والغيرة، وهي تعبيرات مباشرة عن تقلبات قدرتنا على الوجود. فكل انفعال يزيد قدرتنا على الفعل يولد "الفرح"، وكل ما يضعفها يفضي إلى "الحزن". ومن هذه الثنائية تتفرع الانفعالات الإنسانية كلها.

الحرية ليست القدرة العبثية على فعل ما نشاء، بل هي الفهم العقلاني الدقيق للأسباب الضرورية التي تحدد تفكيرنا ورغباتنا وسلوكياتنا

ويبين المؤلف راهنية هذه النظرية في عصرنا الرقمي المحكوم بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتضخم الانفعالات الجماعية وتنتشر العدوى العاطفية بسرعة فائقة. فقراءة سبينوزا اليوم تساعدنا في فهم أن الإنسان لا يغضب أو يخاف بإرادته الحرة، بل نتيجة لسلسلة طويلة من الأسباب الخارجية والداخلية. ومن هنا تتأسس الأخلاق السبينوزية البديلة التي تستبدل لغة الإدانة والتوبيخ والأحكام الأخلاقية الجاهزة بلغة الفهم والاستيعاب العقلاني. ويشرح سالتيل بأسلوب رائق كيف أن الإنسان لا يتحرر بالتخلص من انفعالاته (فهذا مستحيل طبيعيا)، بل بتحويل الانفعالات السلبية المنفعلة إلى أفعال واعية نشطة، بحيث ينتقل من كونه موضوعا تتلاعب به القوى الخارجية، إلى فاعل يدرك أسباب ما يحدث له.

ويتطرق سالتيل بوضوح إلى مراتب المعرفة الثلاث عند سبينوزا: المعرفة القائمة على التجربة الحسية والحدوس المتفرقة، والمعرفة العقلية الاستدلالية القائمة على القوانين المشتركة، ثم المعرفة العميقة التي تمثل ذروة الفهم حيث يدرك الإنسان وحدة الأشياء داخل النظام الكوني الشامل. ويربط المؤلف بين هذا الارتقاء المعرفي وتحقيق "الطمأنينة النفسية"، فكلما ازداد فهم الإنسان لنفسه وللعالم، تضاءلت هيمنة الخوف عليه، ولهذا يرفض سبينوزا الفلسفات والمنظومات التي تبني سلطتها على التخويف واستغلال الجهل الديني أو السياسي. ويمتد هذا إلى الجانب السياسي الفذ، إذ يرى سبينوزا أن المجتمع المحكوم بالخرافة والانفعالات المنفلتة هو أرض خصبة للاستبداد والعنف، مما يجعل حرية التفكير والتسامح شرطا أساسيا لازدهار الجماعة وحفظ أمنها.

غلاف "الفلاسفة والكراهية"

إعادة الاعتبار للفلسفة

طوال فصول الكتاب، تجنب سالتيل الوقوع في فخ التسطيح المخل، فهو لا يحول سبينوزا إلى مدرب للتنمية البشرية أو الذاتية، ولا يقدم وصفات سحرية جاهزة للسعادة. إنه يذكر القارئ بأن الفلسفة السبينوزية هي مشروع فكري شاق يتطلب جهدا نقديا مستمرا ومراجعة صارمة للأحكام المسبقة. ورغم أن الكتاب يتجاوز بعض السجالات التأويلية الأكاديمية المعقدة حول العلاقة بين الله والطبيعة، ويتفادى عقد مقارنات موسعة مع الفلاسفة اللاحقين الذين أعادوا اكتشاف سبينوزا مثل نيتشه ودولوز حفاظا على سلاسة العرض، إلا أنه يحقق هدفه الأسمى بكفاءة نادرة.

أخيرا، تكمن القيمة الحقيقية لكتاب "سبينوزا على الشاطئ" في أنه يعيد الاعتبار للفلسفة بوصفها "فنا للعيش" ودليلا وجوديا متكاملا يهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف والأوهام والاستسلام. إن فيليب سالتيل لم يقدم مجرد مدخل تعليمي بارد لفيلسوف عاش في القرن السابع عشر، بل فتح نافذة حية على أسئلة القرن الحادي والعشرين، ونجح في إيقاظ الشغف والرهبة والامتنان في نفس القارئ، ليدفعه بقوة وهدوء نحو العودة إلى المتون الأصلية لسبينوزا، مقدما حجة إضافية على أن الفلسفة يمكنها أن تغادر المدرجات الجامعية لتصبح فلسفة للحياة، وللفرح، وللحرية الواعية.

يعيد الاعتبار للفلسفة بوصفها "فنا للعيش" ودليلا وجوديا متكاملا يهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف والأوهام والاستسلام

ولد فيليب سالتيل عام 1960 في مدينة تولوز، هو فيلسوف فرنسي معاصر، وأستاذ جامعي متخصص في تاريخ الفلسفة الأخلاقية (من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر)، بالإضافة إلى كونه مترجما وباحثا بارزا في فلسفة الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم والنزعة الطبيعية الأخلاقية. ومن أبرز كتبه المنشوررة: "مفردات هيوم" (1999)، و"الفلاسفة والكراهية" (2001)، و"شغف ممقوت: تحليل فلسفي للكراهية" (2007)، إضافة إلى كتابه الأخير "سبينوزا على الشاطئ".

font change