تهبط الكبة النية على طاولة بودكاست "الوليمة"، الذي تنتجه منصة "المحطة" اللبنانية على "يوتيوب"، والذي يجمع سبعة ضيوف، من مشارب عدة، بما في ذلك ما يعرف باسم الممانعة، فينبثق من ذلك الهبوط المنظم مفهوم الحصار. تستعاد حكاية تؤكد الدراسات التاريخية انتماءها إلى مجال الخيال، عن لحم كان يطرى بالدق ليؤكل نيئا، لأن إشعال النار يثير دخانا يكشف أماكن المحاصرين. ومن الحكاية المتخيلة نقفز إلى مضيق هرمز، وتحضر العقوبات مقرونة بخصوصية طعام إيراني يشترط طهيا لفترات طويلة على النار قبل أن ينضج، مما يدل، وفق المنطق الذي يقترحه الحديث، على أن السياسة الإيرانية بأكملها تبنى على منوال الطهي البطيء، فتتسم بالنفس الطويل والاتزان والعقلانية. السجاد الإيراني بدوره ينبثق من مفهوم الطعام، فهو إذ ينسج عقدة تلو الأخرى، يصنع الصبر الاستراتيجي.
بعد تلك المقبلات التي تربط الطعام بالمفاهيم، تحضر الأحداث مسبوقة بتأويلها وجاهزة للهضم المسبق، فيوضع اغتيال قاسم سليماني وإسماعيل هنية، ومشاركة "حزب الله" في المقتلة السورية، والحرب في لبنان، على المائدة.
لطالما كان معجم الطعام آيلا للاستعمال في ميادين ثقافية وسياسية. فالأحداث، كما الطعام، توصف بأنها نيئة أو ناضجة أو آيلة للهضم، وكذلك الهزائم والانكسارات. لكن مفردة "الوليمة" ومعناها يستعليان على كل تلك العلاقات وينسفانها، إذ أن الوليمة تصبح ممكنة حين يموت مفهوم الأكل بصيغته المألوفة والطبيعية المرتبطة بسد الحاجات. حتى الكثرة والعدد لا يفيدان في بناء طقس يمكن تسميته وليمة. فالوليمة تعني مباشرة خروج الطعام على وظيفته ليصبح علامة لذة مفتوحة وعنوان سلطة تستدعي بذخا لا يمكن إلا لمن يحتل أعلى المراكز الإيفاء بما يتطلبه، لناحية تحرير الطعام من فكرة الحاجة، لا بل تفجيرها.
استهلاك المآسي
لكن كيف يحدث ذلك على أرض الواقع، ومن دون أن يكون الكلام مجرد تنظير وتأويل؟ النظر إلى بنية المشهد يقول كل شيء دفعة واحدة. فالصحافيون الذين بنى بعضهم حضوره على ادعاء تمثيل جماعة مهمشة وجريحة والنطق باسمها، بينما يمثل الطعام بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هذه الجماعة، بل من عموم اللبنانيين، حاجة قصوى، يعلنون من خلال نظام المشهد نفسه انفصالا تاما عمن يدعون تمثيلهم. لا يحدث ذلك عبر تفاوت في القدرات والمواقع يمكن أن يبقي الصلة قائمة داخل تراتبية ما، ولكن عبر مسافة غير قابلة للردم بين الطعام الذي صار ضرورة حياتية قصوى، وبين ما تمثله الوليمة من إخراج تام له من تلك الوظيفة وإدراجه في نظام معان متصل بالفائض والسلطة والنشوة. فالوليمة تحدث عندما يموت الطعام كفكرة وحاجة وضرورة.



