كان خط بارليف الإسرائيلي مصمما ليكون حصنا منيعا عصيا على الاختراق؛ فقد أقيم على امتداد قناة السويس كسلسلة من النقاط الحصينة، عقب الانتصار الخاطف في حرب الأيام الستة عام 1967، بعدما كشفت "حرب الاستنزاف" التي تلتها حاجة الحدود الجديدة إلى تحصينات دفاعية أكثر قوة.
فقد منح ذلك الانتصار إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي، ووصل بحدودها الجنوبية إلى قناة السويس. لكنه وضعها أمام تحد عملي جديد: كيف لجيش محدود العدد أن يسيطر على هذه الرقعة الشاسعة من دون أن يستنزف قواته؟ وهنا جاء "خط بارليف" ليقدم حلا لهذه المعضلة، إذ صمم ليمنح إسرائيل قدرة أفضل على المراقبة، وقوة نارية أكبر، ووقتا كافيا للتحرك عند وقوع أي هجوم.
لكن أحداث 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 بددت تلك الرهانات سريعا. فعندما عبرت القوات المصرية قناة السويس، كان نحو 450 جنديا إسرائيليا فقط يتولون الدفاع عن جزء من مواقع الخط. وخلال ساعات، نجح مهندسو القتال المصريون في استخدام مدافع مياه عالية الضغط لفتح ثغرات واسعة في سواتره الرملية الهائلة. ولم تمض أيام حتى انهار الخط الذي كان قد جسد، طوال سنوات ما بعد 1967، ثقة إسرائيل بقدرتها على تحصين حدودها. وأسفرت المعارك عن مقتل أكثر من مئة من المدافعين الإسرائيليين أو فقدانهم، فيما وقع عدد كبير آخر في الأسر.
وبعد خمسين عاما، تكرر المشهد مع حاجز آخر كان يعتقد أنه عصي على الاختراق. ففي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكن مقاتلو "حماس" خلال دقائق من اختراق السياج الإسرائيلي المحيط بغزة في أكثر من 40 نقطة. ولم يكن السياج مجرد حاجز تقليدي، بل منظومة أمنية متكاملة بلغت كلفتها نحو مليار دولار، وضمت أجهزة استشعار ومحطات أسلحة تعمل عن بُعد، إلى جانب حواجز خرسانية تحت الأرض وأنظمة مراقبة متطورة. ومع ذلك، نجح مقاتلو "حماس" في تجاوزه باستخدام المتفجرات والجرافات والدراجات النارية والطائرات الشراعية، رغم أن مسؤولين إسرائيليين سبق أن قدموه بوصفه حلا حاسما للتهديد القادم من غزة.
لم يكن رد إسرائيل، بعد انهيار خط بارليف، بناء جدار أعلى على امتداد قناة السويس، ولا توسيع المنطقة العازلة لحماية خط دفاعي جديد. بل اتجهت إلى التفاوض. وبعد ست سنوات من حرب يوم الغفران، وقّع مناحيم بيغن معاهدة سلام مع مصر، انسحبت إسرائيل بموجبها بالكامل من سيناء، بقواتها ومستوطنيها، وقبلت بإقامة منطقة منزوعة السلاح تخضع لمراقبة قوة دولية. وظل هذا الترتيب قائما وفاعلا لما يقارب نصف قرن.
أما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، فاتجهت إسرائيل إلى خيار مختلف، يقوم على توسيع نطاق المناطق العازلة في سوريا ولبنان، وإعادة تشكيل غزة حول "الخط الأصفر" العسكري. والمنطق الذي تستند إليه هذه المقاربة بسيط في ظاهره: إذا لم يعد السياج كافيا لصد الخطر، فلا بد من إبعاده إلى مسافة أكبر. لكن ذلك يطرح سؤالا أكثر تعقيدا: هل تمنح هذه الاستراتيجية إسرائيل أمنا طويل الأمد، أم إنها توسع فقط المساحة التي سيكون عليها حمايتها والدفاع عنها إلى أجل غير معلوم؟

أمة قامت على الحواجز
يكاد بناء الأسوار والحواجز في إسرائيل أن يكون جزءا راسخا من تصورها للأمن. ففي مقالته "الجدار الحديدي"، رأى زئيف جابوتنسكي أن السيادة اليهودية لن يقبل بها خصومها العرب إلا إذا استندت إلى تفوق عسكري يحميها ويفرض واقعها. وقد انتقلت هذه الفكرة إلى صميم العقيدة الأمنية للدولة الإسرائيلية الجديدة، لتصبح الأسوار والجدران والمواقع المتقدمة والمناطق العازلة وسائل عملية لمواجهة معضلة مستمرة: كيف يمكن حماية الدولة في ظل حدود متنازع عليها، وجماعات مسلحة معادية، ودول مجاورة ضعيفة أو غير مستقرة؟
رسم كل صراع تقريبا معالمه الخاصة على الخريطة الإسرائيلية. ففي سيناء برز خط بارليف، وفي الجولان أقيم السياج بعد عام 1967، وفي جنوب لبنان أنشئت المنطقة الأمنية التي استمرت بين عامي 1985 و2000، ثم جاء الجدار الفاصل في الضفة الغربية عقب الانتفاضة الثانية. ولم تكن هذه الحواجز مجرد منشآت هندسية، بل كانت انعكاسا لعقيدة أمنية ترى أن إحكام السيطرة على الحدود قد يوفر قدرا من الاستقرار حين يستعصي التوصل إلى حلول سياسية لما وراءها.
غير أن نتائج هذه التجارب تفاوتت كثيرا.


