ما لا توفّره الجدران... المناطق العازلة كعقيدة أمنية إسرائيلية

العمق بدل العلو

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مركبة عسكرية إسرائيلية تسير على طول السياج الحدودي، بينما تظهر مبانٍ مدمرة داخل قطاع غزة المحاصر، في 10 يونيو 2026

ما لا توفّره الجدران... المناطق العازلة كعقيدة أمنية إسرائيلية

كان خط بارليف الإسرائيلي مصمما ليكون حصنا منيعا عصيا على الاختراق؛ فقد أقيم على امتداد قناة السويس كسلسلة من النقاط الحصينة، عقب الانتصار الخاطف في حرب الأيام الستة عام 1967، بعدما كشفت "حرب الاستنزاف" التي تلتها حاجة الحدود الجديدة إلى تحصينات دفاعية أكثر قوة.

فقد منح ذلك الانتصار إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي، ووصل بحدودها الجنوبية إلى قناة السويس. لكنه وضعها أمام تحد عملي جديد: كيف لجيش محدود العدد أن يسيطر على هذه الرقعة الشاسعة من دون أن يستنزف قواته؟ وهنا جاء "خط بارليف" ليقدم حلا لهذه المعضلة، إذ صمم ليمنح إسرائيل قدرة أفضل على المراقبة، وقوة نارية أكبر، ووقتا كافيا للتحرك عند وقوع أي هجوم.

لكن أحداث 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 بددت تلك الرهانات سريعا. فعندما عبرت القوات المصرية قناة السويس، كان نحو 450 جنديا إسرائيليا فقط يتولون الدفاع عن جزء من مواقع الخط. وخلال ساعات، نجح مهندسو القتال المصريون في استخدام مدافع مياه عالية الضغط لفتح ثغرات واسعة في سواتره الرملية الهائلة. ولم تمض أيام حتى انهار الخط الذي كان قد جسد، طوال سنوات ما بعد 1967، ثقة إسرائيل بقدرتها على تحصين حدودها. وأسفرت المعارك عن مقتل أكثر من مئة من المدافعين الإسرائيليين أو فقدانهم، فيما وقع عدد كبير آخر في الأسر.

وبعد خمسين عاما، تكرر المشهد مع حاجز آخر كان يعتقد أنه عصي على الاختراق. ففي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكن مقاتلو "حماس" خلال دقائق من اختراق السياج الإسرائيلي المحيط بغزة في أكثر من 40 نقطة. ولم يكن السياج مجرد حاجز تقليدي، بل منظومة أمنية متكاملة بلغت كلفتها نحو مليار دولار، وضمت أجهزة استشعار ومحطات أسلحة تعمل عن بُعد، إلى جانب حواجز خرسانية تحت الأرض وأنظمة مراقبة متطورة. ومع ذلك، نجح مقاتلو "حماس" في تجاوزه باستخدام المتفجرات والجرافات والدراجات النارية والطائرات الشراعية، رغم أن مسؤولين إسرائيليين سبق أن قدموه بوصفه حلا حاسما للتهديد القادم من غزة.

لم يكن رد إسرائيل، بعد انهيار خط بارليف، بناء جدار أعلى على امتداد قناة السويس، ولا توسيع المنطقة العازلة لحماية خط دفاعي جديد. بل اتجهت إلى التفاوض. وبعد ست سنوات من حرب يوم الغفران، وقّع مناحيم بيغن معاهدة سلام مع مصر، انسحبت إسرائيل بموجبها بالكامل من سيناء، بقواتها ومستوطنيها، وقبلت بإقامة منطقة منزوعة السلاح تخضع لمراقبة قوة دولية. وظل هذا الترتيب قائما وفاعلا لما يقارب نصف قرن.

أما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، فاتجهت إسرائيل إلى خيار مختلف، يقوم على توسيع نطاق المناطق العازلة في سوريا ولبنان، وإعادة تشكيل غزة حول "الخط الأصفر" العسكري. والمنطق الذي تستند إليه هذه المقاربة بسيط في ظاهره: إذا لم يعد السياج كافيا لصد الخطر، فلا بد من إبعاده إلى مسافة أكبر. لكن ذلك يطرح سؤالا أكثر تعقيدا: هل تمنح هذه الاستراتيجية إسرائيل أمنا طويل الأمد، أم إنها توسع فقط المساحة التي سيكون عليها حمايتها والدفاع عنها إلى أجل غير معلوم؟

أ.ف.ب
سوريون يقرأون عناوين الصحف التي أعلنت عن الاستيلاء على خط بارليف، في 7 أكتوبر 1973، في بداية الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973

أمة قامت على الحواجز

يكاد بناء الأسوار والحواجز في إسرائيل أن يكون جزءا راسخا من تصورها للأمن. ففي مقالته "الجدار الحديدي"، رأى زئيف جابوتنسكي أن السيادة اليهودية لن يقبل بها خصومها العرب إلا إذا استندت إلى تفوق عسكري يحميها ويفرض واقعها. وقد انتقلت هذه الفكرة إلى صميم العقيدة الأمنية للدولة الإسرائيلية الجديدة، لتصبح الأسوار والجدران والمواقع المتقدمة والمناطق العازلة وسائل عملية لمواجهة معضلة مستمرة: كيف يمكن حماية الدولة في ظل حدود متنازع عليها، وجماعات مسلحة معادية، ودول مجاورة ضعيفة أو غير مستقرة؟

رسم كل صراع تقريبا معالمه الخاصة على الخريطة الإسرائيلية. ففي سيناء برز خط بارليف، وفي الجولان أقيم السياج بعد عام 1967، وفي جنوب لبنان أنشئت المنطقة الأمنية التي استمرت بين عامي 1985 و2000، ثم جاء الجدار الفاصل في الضفة الغربية عقب الانتفاضة الثانية. ولم تكن هذه الحواجز مجرد منشآت هندسية، بل كانت انعكاسا لعقيدة أمنية ترى أن إحكام السيطرة على الحدود قد يوفر قدرا من الاستقرار حين يستعصي التوصل إلى حلول سياسية لما وراءها.

غير أن نتائج هذه التجارب تفاوتت كثيرا.

يكاد بناء الأسوار والحواجز في إسرائيل أن يكون جزءا راسخا من تصورها للأمن

وتقدم المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان المثال الأبرز على حدود هذا النهج ومخاطره. فقد أنشأتها عام 1985، بعدما انسحبت من معظم الأراضي التي سيطرت عليها خلال حرب لبنان عام 1982، وأبقت تحت سيطرتها شريطا يمتد عدة كيلومترات شمال حدودها. وانتشرت في هذه المنطقة القوات الإسرائيلية إلى جانب جيش لبنان الجنوبي، وهو ميليشيا محلية كانت متحالفة مع إسرائيل.

وبحسابات أمنية ضيقة، حققت المنطقة بعض أهدافها، إذ أسهمت في الحد من عمليات التسلل إلى شمال إسرائيل. لكنها لم تمنع إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون، التي لم تكن الحدود الجغرافية للمنطقة عائقا أمامها، كما أنها لم تنجح في احتواء خطر "حزب الله". بل إن استمرار الوجود الإسرائيلي منح "الحزب" ذريعة إضافية لتعزيز حضوره وشرعيته، وترسيخ صورته بوصفه حركة مقاومة تقاتل لإنهاء الاحتلال.

وفي المقابل، دفعت إسرائيل ثمنا عسكريا وسياسيا باهظا مقابل الإبقاء على المنطقة الأمنية. فقد قتل مئات الجنود الإسرائيليين على امتداد سنوات القتال، حتى بات قدامى المحاربين يصفون تلك التجربة بـ"المستنقع اللبناني"، تعبيرا عن حرب بلا جبهة محددة، ولا نصر حاسم، ولا أفق واضح للخروج منها. وبلغ الغضب الشعبي ذروة جديدة عام 1997، حين اصطدمت مروحيتان إسرائيليتان كانتا تقلان جنودا متجهين إلى لبنان، ما أدى إلى مقتل 73 منهم. ومنحت هذه الكارثة دفعة قوية لحركة الأمهات الأربع، التي تصدرت المطالبات بإنهاء الوجود الإسرائيلي والانسحاب من لبنان.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون يحملون أمتعتهم يصطفون على الحدود الإسرائيلية اللبنانية في 22 مايو 2000

وعندما سحب رئيس الوزراء إيهود باراك القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في مايو/أيار 2000، انهار جيش لبنان الجنوبي خلال وقت قصير. أما "حزب الله"، فخرج من تلك المرحلة أكثر قوة وثقة، وأعمق حضورا في الجنوب. وبذلك، وفرت المنطقة الأمنية لإسرائيل حماية نسبية من نوع معين من الهجمات، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في تعزيز قوة خصم سيصبح لاحقا أكثر قدرة على تهديدها.

أما تجربة الجدار في الضفة الغربية، فتبدو أكثر نجاحا من الناحية الأمنية. فمنذ الشروع في بنائه عام 2002، بعدما بلغت الانتفاضة الثانية ذروة دامية، تراجعت التفجيرات الانتحارية داخل إسرائيل بصورة لافتة. فقد صعّب الجدار وصول المهاجمين إلى المدن الإسرائيلية، وعرقل التخطيط للعمليات وتنفيذها، ما جعل أثره في الحد من هذه الهجمات واضحا وملموسا.

لكن الجدار لم يكن العامل الوحيد وراء تراجع العنف. ففي الفترة نفسها، عادت القوات الإسرائيلية إلى اقتحام المدن الكبرى في الضفة الغربية خلال عملية "الدرع الواقي"، وفككت شبكات مسلحة، ونفذت اعتقالات واسعة، وعززت حضورها الاستخباراتي. ومن ثم، لم يكن الانخفاض الحاد في التفجيرات الانتحارية ثمرة الجدار وحده، بل نتيجة اقترانه بحملة عسكرية وأمنية مكثفة.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: نجح الجدار في الحد من تهديد أمني محدد، لكنه لم يعالج جذور الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وبعد أكثر من عقدين على بنائه، لا تزال الضفة الغربية بؤرة توتر متواصل، فيما يظل الجدار نفسه موضع جدل سياسي لم يحسم.

عقيدة ما بعد 7 أكتوبر

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وسعت إسرائيل نطاق هذه المقاربة، فلم تعد تكتفي بتحصين حدودها، بل تبنت مفهوم الدفاع من خارجها. والهدف لم يعد منع المهاجمين من العبور فحسب، وإنما إيجاد عمق جغرافي يتيح رصد أي تهديد مبكرا والتعامل معه قبل أن يصل إلى التجمعات السكانية الإسرائيلية.

وفي سوريا، سارعت إسرائيل إلى استغلال الفراغ الذي خلفه انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فتقدمت قواتها إلى المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، والتي ظلت تفصل بين القوات السورية والإسرائيلية منذ "اتفاقية فض الاشتباك" عام 1974، قبل أن توسع انتشارها إلى نقاط أبعد داخل الأراضي السورية، من بينها مواقع على جبل الشيخ.

وأقامت إسرائيل تسعة مواقع عسكرية في المنطقة الجديدة، بما فيها مواقع في الجولان وسلسلة جبل الشيخ. وربط ضباط إسرائيليون هذا الانتشار مباشرة بالدروس التي أفرزها هجوم 7 أكتوبر، معتبرين أن تمركز القوات خارج الحدود يمنح إسرائيل وقتا أطول لاكتشاف أي تهديد والاستعداد له، ويحول دون تجمع قوات معادية أو تمركزها بالقرب من البلدات الإسرائيلية.

أ.ف.ب
يسير الفلسطينيون أمام كتلة خرسانية تحدد "الخط الأصفر" الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في شرق دير البلح، وسط قطاع غزة، في 22 يوليو 2026

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المنطقة إلى أجل غير مسمى. وتكتسب هذه التصريحات دلالة خاصة، ليس فقط لأنها تنقل العملية الأمنية من نطاق الإجراء المؤقت إلى عملية احتلال، بل أيضا لأنها توحي بأن ترسيخ هذا الوجود الدائم قد أصبح هدفا بحد ذاته. والفارق هنا ليس بسيطا. فاستغلال إسرائيل حالة الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد لإقامة منطقة عازلة مؤقتة، إلى حين التوصل إلى تسوية مع السلطة الجديدة في دمشق، يختلف جذريا عن تكريس هذه المنطقة بوصفها وضعا دائما وحلا قائما بذاته لأمن الحدود مع سوريا.

ويظهر المنطق نفسه في لبنان وغزة، حيث لم تعد إسرائيل تكتفي بالأسوار القائمة، بل أضافت إليها خطوط دفاع متقدمة تمتد إلى ما وراء الحدود. وفي لبنان، تجري إسرائيل محادثات مع الحكومة المركزية، أسفرت في يونيو/حزيران 2026 عن توقيع مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين اتفاقا إطاريا في واشنطن، هو الأول من نوعه رسميا بين الحكومتين. وينص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء في جنوب لبنان، على أن يثبت الجيش اللبناني في كل قطاع قدرته على نزع سلاح "حزب الله".

استغلال إسرائيل حالة الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد لإقامة منطقة عازلة مؤقتة، إلى حين التوصل إلى تسوية مع السلطة الجديدة في دمشق، يختلف جذريا عن تكريس هذه المنطقة بوصفها وضعا دائما وحلا قائما بذاته لأمن الحدود مع سوريا

ورفض "حزب الله" الاتفاق، بحجة أنه لم يشارك في المفاوضات التي أفضت إليه. وفي ظل هشاشة الدولة اللبنانية، لا تزال قدرتها على حصر السلاح بيد مؤسساتها موضع شك.

أما في غزة، فالصورة مختلفة. فقد أدى "الخط الأصفر"، الذي نشأ عقب الانسحاب الإسرائيلي في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2025، إلى إبقاء أكثر من نصف مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ويمتد هذا الخط عبر شبكة من المواقع المحصنة والطرق الاستراتيجية، ويشمل مساحات واسعة من شمال غزة وجنوبها.

ويقدم القادة الإسرائيليون هذا الخط باعتباره حاجزا دفاعيا متقدما وقاعدة انطلاق للعمليات الهجومية في الوقت نفسه، بهدف منع "حماس" من إعادة حشد قواتها قرب الحدود، أو حفر أنفاق هجومية، أو الاستعداد لهجوم واسع يستهدف التجمعات السكانية الإسرائيلية.

لكن الخشية تكمن في أن يتحول هذا الخط هو الآخر إلى أمر واقع دائم. فإسرائيل تربط أي انسحاب إضافي بنزع سلاح "حماس" بالكامل، في حين تبدي الحركة استعدادا لمناقشة ترتيبات سياسية من دون أن تقبل التخلي عن سلاحها بالشروط الإسرائيلية. وهنا تبرز معضلة يصعب كسرها: إسرائيل تشترط نزع سلاح "حماس" للانسحاب، فيما ترفض "حماس" نزع سلاحها ما دام الوجود الإسرائيلي في غزة مستمرا.

وعلى خلاف ما حدث بعد حرب يوم الغفران، تمضي إسرائيل هذه المرة في توسيع نطاق الحواجز والمناطق الدفاعية، بدلا من الانتقال منها إلى مسار سياسي يقود إلى السلام. وربما يعكس هذا الخيار، في بعض الحالات، تعقيد الواقع القائم على الجانب الآخر من تلك الخطوط. ففي غزة، يصعب على معظم الإسرائيليين قبول بقاء "حماس" في مساحة آمنة تتيح لها إعادة بناء قدراتها والتسلح من جديد، وربما الإعداد لهجوم آخر شبيه بهجوم 7 أكتوبر. أما في لبنان، فرغم المؤشرات المتزايدة إلى أن الحكومة اللبنانية باتت أكثر جدية في التعامل مع سلاح "حزب الله"، فإن الجماعة لا تزال أقوى من أن يكون تفكيك قوتها أمرا سريعا أو سهلا، وقد تستغرق هذه العملية سنوات. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة متكررة: كلما فشل جدار في توفير الحماية، كان الرد إنشاء خط دفاع جديد خلفه.

كلفة العمق الأمني

تقوم العقيدة الإسرائيلية الجديدة على خلاصة واضحة أفرزها هجوم 7 أكتوبر: فالسياج الحدودي، مهما بلغ من التطور التقني، لا يكفي وحده لضمان الأمن. إذ يمكن لخصم مصمم أن يدرس منظومته، ويحدد نقاط ضعفها، ثم يستغلها لاختراقه قبل أن يتمكن المدافعون من التحرك. ومن هنا، لم يعد ممكنا لإسرائيل الاعتماد على أجهزة الاستشعار وحدها لحماية تجمعات سكانية لا يفصلها عن أراض معادية سوى بضعة كيلومترات.

وتمنح المناطق العازلة إسرائيل ما لا تستطيع الأسوار وحدها توفيره، وهو قدر أكبر من العمق الأمني. فهي تبعد المواجهة عن التجمعات السكانية، وتمنح الجيش وقتا إضافيا لرصد التحركات والاستعداد لها وحشد القوات عند الحاجة. ومن هذه الزاوية، يبدو هذا الخيار مفهوما، إذ أظهر هجوم 7 أكتوبر أن حماية الحدود لم تعد ممكنة بالاعتماد على حاجز واحد، مهما بلغ مستوى تحصينه، وأن الدفاع بات يتطلب منظومة متعددة الطبقات.

رويترز
الجزء الجنوبي من الضفة الغربية المحتلة، والجدار العازل الخرساني الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية، كما يُرى من قرب كيبوتس لاهاف في جنوب إسرائيل، 23 يناير 2025

لكن هذا العمق الأمني لا يخلو من كلفة. فهو لا يزيل الخطر بقدر ما يدفعه إلى أراضي الدول المجاورة، حيث للسكان المحليين والجماعات المسلحة حساباتهم ومظالمهم ودوافعهم الخاصة. وقد تنجح المنطقة العازلة في تقليص عمليات التسلل، لكنها قد تخلق في المقابل بيئة سياسية تغذي مزيدا من العداء وتدفع جيلا جديدا إلى حمل السلاح. وتجربة جنوب لبنان مثال واضح على ذلك، إذ احتفظت إسرائيل بأراض هناك لحماية شمالها، لكن استمرار وجودها تحول في الوقت نفسه إلى أقوى الذرائع التي استند إليها "حزب الله" في استقطاب المجندين وتعزيز صفوفه.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي سيتعين على الإسرائيليين حسمه: هل تكون المنطقة العازلة مرحلة مؤقتة تمهد لتسوية سياسية، أم تتحول مع الوقت إلى واقع دائم يحل محلها؟

font change