من يفرز الأدب اليوم؟

من يفرز الأدب اليوم؟

استمع إلى المقال دقيقة

انخفضت جودة الأدب، بعد اتساع مساحة النشر اتساعا هائلا، وتقلصت مساحة الفرز، وأصبح الأدب الضعيف أكثر ظهورا، والأدب الجيد صعب العثور عليه... ففي القرن العشرين مثلا، كان الطريق إلى القارئ طويلا، يبدأ بمخطوط، ثم ينتقل إلى محرر، دار نشر، ناقد، صفحات ثقافية، مكتبات، وصولا إلى القارئ. كانت لهذه المنظومة عيوبها بالتأكيد، لأنها استبعدت أصواتا مهمة أحيانا، لكنها كانت تعمل أيضا بوصفها مصفاة. اليوم يستطيع آلاف الأشخاص نشر رواياتهم سنويا، ورقيا أو إلكترونيا، وبعض دور النشر أصبحت قدرتها على الإنتاج أكبر بكثير من قدرتها على التحرير الحقيقي، فازداد عدد الكتب، ولم يزد عدد المحررين والنقاد الجيدين بالنسبة نفسها.

وهناك تحول آخر أخطر، حيث انتقلت سلطة الاختيار جزئيا من الناقد والمحرر إلى السوق والمنصة، فالكتاب الذي يستطيع أن يشرح في ثلاثين ثانية، وتقتبس منه جملة جميلة، ويملك غلافا جذابا، قد يحصل على حضور يفوق كتابا أكثر تركيبا، وهذا لا يعني أن الكتب الرائجة رديئة بالضرورة، إنما يعني أن قابلية الكتاب للتداول أصبحت قيمة مستقلة عن قيمته الأدبية.

كما أن بنية الرواية نفسها، تعرضت لأمر مماثل. فبات جزء كبير من الإنتاج المعاصر يكتب بإيقاع قريب من المسلسل، مثل الفصول القصيرة، والنهاية الخاطفة، إلى تكرار الحوار، والوصف المقتضب، والشخصيات التي يسهل التعرف إليها بسرعة.. وهذه تقنيات قد تنتج رواية عظيمة أيضا، لكن حين تتحول إلى وصفة سوقية تصبح الكتب متشابهة.

هناك تضخم مستمر، خاصة في عدد الروايات المنشورة خلال العقود الأخيرة، مقابل تراجع النقد الأدبي والصحافة الثقافية ودور المحرر، وأصبحنا نشعر كقراء بتراجع الجودة، أمام كثرة الإنتاج التي جعلت الرداءة مرئية أكثر فحسب.

يصرح البعض بأنه يقرأ الرواية فيشعر بأنه يعرف مسبقا أين سيضحك، وأين سيبكي، وأين ستقع المفاجأة؟ فأصبح القارئ الجاد يفتقد في الأدب الجديد الثقل المعرفي للكاتب، فسابقا لم يكن كبار الروائيين أصحاب حكايات فقط. تولستوي يحمل التاريخ والدين والمجتمع، وفرجينيا وولف تحمل الفلسفة والفن وتحولات الإدراك، وبورخيس وراء الصفحة القصيرة عنده مكتبات كاملة. ونجيب محفوظ يحمل القاهرة والتاريخ والفلسفة والسياسة والبنية الاجتماعية. لذلك كانت الرواية تبدو أكبر من قصتها. بينما اليوم يمكن أن نجد كاتبا يمتلك مهارة سردية ممتازة، لكنه يدخل الرواية بمخزون محدود من التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأساطير وتجربة اللغة. فتكون لديه الحرفة، ولا يكون لديه العالم بتفاصيله الشيقة. وهذه، بالنسبة لنا، إحدى مشكلات الأدب المعاصر الأساسية.

يمكن أن نجد كاتبا يمتلك مهارة سردية ممتازة، لكنه يدخل الرواية بمخزون محدود من التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأساطير وتجربة اللغة

وهناك أيضا خدعة زمنية مهمة جدا ينبغي أن لا ننساها، بأننا اليوم أصبحنا نقارن أفضل ما بقي من الماضي بكل ما يصدر في الحاضر. عندما نقول القرن التاسع عشر نتذكر دوستويفسكي وتولستوي وفلوبير وديكنز وجورج إليوت.. ولا نرى آلاف الروايات الرديئة والمنسية التي كانت تطبع معهم، فالزمن قام بعملية تحرير قاسية نيابة عنا. والخدعة الزمنية اليوم توهمنا بالتركيز على إنتاج 2025 مثلا، فنرى منه العظيم والمتوسط والتجاري والرديء في اللحظة نفسها، لكن المصفاة تكمن في مرور السنوات.

هناك تغير حقيقي يتجاوز هذه الخدعة التاريخية، فالأدب الجيد أصبح اليوم في صدام مع اقتصاد النشر ونقص الانتباه. الرواية الكبيرة تحتاج قراءة طويلة قبل كتابتها، وبحثا، وإعادة كتابة، ومحررا يستطيع أن يقول للمؤلف: "هذا الفصل كله يجب أن يعاد". بينما المنظومة المعاصرة تكافئ الحضور المستمر، من الكتاب الجديد، ثم المهرجان، فالمقابلة، والجائزة، والترجمة، ثم الكتاب التالي.

وهذا الواقع يجعلنا نتطرق إلى فكرة الأدب اليوم حتى في الجائزة الأدبية، التي كانت في الأصل تؤدي وظيفة قريبة من وظيفة الناقد، حيث كانت الجائزة سابقا تقول للقارئ بشكل غير مباشر، توقف عند هذا الكتاب لأنه يستحق القراءة. لكن حين تتكاثر الجوائز بدرجات متفاوتة جدا من الجدية والاستقلالية، يبقى شكل "الختم" واحدا تقريبا في عين القارئ، بينما تختلف القيمة وراءه اختلافا هائلا.

فالجائزة قادرة على تكريم القارئ وتحريكه بقوة، لأنها أصبحت وسيطا في السوق، ومن هنا نتساءل عن جودة الجائزة نفسها، فهي مسألة ثقافية، وعلينا معرفة من يمولها؟ ومن يختار لجنتها؟ وكيف تتغير اللجان؟ بل كم كتابا قرأ المحكم فعلا؟ هل توجد معايير معلنة؟ هل تتكرر دور النشر والأسماء؟ وهل الجائزة مستقلة عن شبكات العلاقات الثقافية؟

حين تتكاثر الجوائز بدرجات متفاوتة جدا من الجدية والاستقلالية، يبقى شكل "الختم" واحدا تقريبا في عين القارئ

لا أريد قول إن الجوائز أفسدت الأدب، فهذا حكم سهل، لأن هناك جوائز عظيمة اكتشفت أعمالا وكتابا ما كان ليصل إليهم جمهور واسع لولاها، لكن هذا الموضوع يقود إلى سؤالين: لماذا تراجع الأدب؟ ومن يفرز الصالح منه والطالح؟

font change