أدى الحصار البحري الأميركي على إيران إلى تعطيل مسارات تجارتها التقليدية عبر مضيق هرمز، مما دفع طهران إلى تنويع منافذها التجارية عبر شبكة من الطرق البرية والسكك الحديد والممرات البحرية في بحر قزوين. وتتمتع إيران بموقع جغرافي يتيح لها ذلك، إذ تمتد حدودها البرية لنحو 6 آلاف كيلومتر مع سبع دول، فيما يمتد ساحلها على بحر قزوين لنحو 700 كيلومتر، مما يفتح أمامها منافذ إلى تركيا وباكستان والقوقاز وآسيا الوسطى وروسيا، وصولا إلى الصين.
منذ بدء الحصار في أبريل/نيسان الماضي، أتاحت باكستان مسارات برية عبر موانئ غوادار وكراتشي وقاسم لنقل البضائع المتجهة إلى إيران، فيما وفّرت تركيا منفذا عبر معبر "كابيكوي–رازي". وفي موازاة ذلك، كثفت روسيا شحناتها عبر بحر قزوين إلى الموانئ الإيرانية، من بينها شحنات عسكرية يزعم خضوع بعضها للعقوبات. كما يوفر "الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب" شبكة متعددة الوسائط تجمع النقل البري والبحري والسكك الحديد، بينما تدرس طهران خيارات لنقل النفط برا عبر السكك الحديد وصولا إلى الصين.
تسهم هذه البدائل في إبقاء تدفق المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى إيران، لكنها لا تزال عاجزة عن تعويض حركة التجارة البحرية عبر مضيق هرمز بالكامل. فالنقل بالشاحنات أعلى تكلفة، فيما تقلص محدودية الطاقة الاستيعابية لموانئ بحر قزوين وأساطيلها قدرة هذه البدائل على التوسع. كذلك، يواجه "الممر الدولي للنقل" اختناقات في البنية التحتية، أبرزها خط سكة حديد رشت–أستارا، الذي لا يزال غير مكتمل على امتداد 165 كيلومترا.
يعد النفط الحلقة الأضعف، إذ استحوذت الصين على أكثر من 80 في المئة من صادرات الخام الإيراني المنقولة بحرا، لتصبح المنفذ الحيوي لطهران. غير أن هذه النافذة بدأت تضيق، إذ انخفضت الواردات الصينية من نحو 1.4 مليون برميل يوميا في 2025 إلى 823 ألف برميل في يوليو/تموز، ثم إلى 534 ألفا في أغسطس/آب. بالتوازي، انخفضت مخزونات الخام الإيراني العائمة خارج نطاق الحظر من نحو 105 ملايين برميل قبيل إعادة فرض العقوبات في يوليو/تموز، إلى نحو 80 مليون برميل في 21 أغسطس/آب.
ولا تقتصر الضغوط على صادرات النفط، فالحظر الذي فرضته الإمارات في 19 أغسطس/آب يحرم طهران من رافد أساس آخر أمام التجارة الإيرانية. فقبل الحرب، كانت الإمارات من أبرز شركاء طهران التجاريين، إذ وفرت أكثر من 30 في المئة من وارداتها، بقيمة قاربت 21 مليار دولار، وفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024. وفي المقابل، استحوذت على نحو 13 في المئة من الصادرات الإيرانية، أو نحو 7 مليارات دولار، لتكون ثالث أبرز وجهة لها. كما شكلت دبي قناة مالية مهمة لطهران، وإن ظل حجم التدفقات المالية غير معلن رسميا.
تستهدف واشنطن حاليا الشبكات التي تقف وراء هذه المسارات. ففي 24 أغسطس/آب، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على 60 فردا وكيانا وسفينة موزعين على خمسة قطاعات، تشمل الأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والطيران والشحن. وحذرت الوزارة الدول والشركات والكيانات التي توفر شريانا اقتصاديا لطهران، أو تيسر تجارتها أو عمليات غسل الأموال، من خطر التعرض لعقوبات ثانوية، قد تصل إلى استبعادها من النظام المالي القائم على الدولار. لكن هذه الإجراءات لم ترق إلى فرض تلك العقوبات بصورة فورية، إذ أُمهلت الجهات المعنية وقتا لإنهاء الأنشطة المستهدفة تدريجيا.
لا يزال أمام إيران بعض الأدوات لتخفيف أثر القيود، من بينها استخدام اليوان والعملات المحلية، ونظام المقايضة، وآليات المقاصة البديلة، والتجارة البرية، فضلا عن أساليب الشحن الخفي. إلا أن فاعلية هذه الخيارات تبقى رهنا بمدى استعداد الصين وشركاء آخرين لتحمل تكلفة الضغوط الأميركية والعقوبات الثانوية. ففي مايو/أيار، أفادت تقارير بأن الجهات التنظيمية الصينية حثت المصارف الكبرى على وقف منح قروض جديدة باليوان لشركات تكرير خاضعة للعقوبات، فيما حذرت واشنطن أخيرا من أن المصارف الصينية التي تيسر تجارة النفط الإيراني قد تواجه إجراءات عقابية.
ويبدو مسار بحر قزوين كأحد الخيارات الأكثر قابلية للاستمرار، لا سيما أن روسيا، التي تواجه بالفعل عقوبات غربية واسعة، قد تكون أكثر استعدادا لتحمل أخطار إضافية. غير أن هذا المسار لا يخلو من أخطار أمنية، ففي يوليو/تموز، قصفت أوكرانيا سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، مما أسفر، وفق طهران، عن مقتل أحد أفراد طاقمها، بينما قالت كييف إن السفن المستهدفة كانت متورطة في نقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران.
