حين تنقلب المعاني

حين تنقلب المعاني

استمع إلى المقال دقيقة

قد تبدو المفاهيم والمصطلحات مجرد كلمات دقيقة نلجأ إليها حين لا تكفي اللغة اليومية للتعبير عن الأفكار المركبة. غير أن المصطلح ليس وعاء محايدا نضع فيه المعنى ثم ننقله من زمن إلى آخر، بل كائن تاريخي يتغير بتغير الثقافة التي تستعمله. وقد تبقى الكلمة نفسها قرونا، بينما تتبدل دلالتها حتى تصبح في عصر لاحق نقيض ما كانت تعنيه في عصر سابق.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك كلمة "subject" الإنكليزية، التي نترجمها في الفلسفة الحديثة بـ"الذات". فهي تشير هنا إلى الإنسان بوصفه كائنا يفكر ويعرف ويدرك، في مقابل "object"، أي الشيء الذي يتوجه إليه الإدراك. ويبدو هذا التقابل لنا اليوم طبيعيا ومستقرا. ذات عارفة في جهة، وموضوع معروف في الجهة المقابلة.

لكن هذا اللفظ لم يكن يدل على الذات دائما. فأصله اللاتيني يعني ما هو موضوع تحت شيء آخر، أي الحامل الذي تقوم فيه الصفات. وقد استعمل ما يقابله في التراث الأرسطي، ثم استعمل فلاسفة العصور الوسطى اللفظ اللاتيني للدلالة على الموضوع أو الركيزة التي تحمل الخصائص. فالإنسان، مثلا، هو الحامل الذي تقوم فيه صفات مثل الطول واللون والحركة. وهذا المعنى أقرب إلى ما نسميه اليوم الموضوع، منه إلى ما نسميه الذات.

أما "الشيء" فأصلها يدل على الشيء الموضوع أمام الإنسان أو المقابل له. وهكذا كان اللفظ الأول يشير إلى ما يقع في الأساس وتقوم فيه الصفات، بينما كان الثاني يشير إلى ما يوضع أمام الفكر أو يتمثل له. ومع صعود الفلسفة الحديثة، وخصوصا منذ ديكارت، ثم مع كانط والمثالية الألمانية، أخذ مركز الثقل ينتقل إلى الإنسان المفكر. لم يعد السؤال عن الموجود وحده في الصدارة، إذ تقدم معه سؤال آخر: كيف يعرف الإنسان أن شيئا ما موجود؟ ومنذ ذلك الحين أخذ المصطلح يقترب من معنى الذات الواعية، حتى استقرت له هذه الدلالة في الفلسفة الحديثة.

وليس هذا التحول مسألة لغوية صغيرة، فهو شاهد على انقلاب كامل في تاريخ الفكر. فانتقال الكلمة من معنى الموضوع الحامل للصفات إلى معنى الذات العارفة رافق انتقال الفلسفة من عالم يتمحور حول الموجودات إلى عالم يتقدم فيه الوعي الإنساني إلى مركز النظر الفلسفي. لقد تغيرت دلالتها لأن موقع الإنسان في صورة العالم قد تغير.

ولا تقتصر هذه التحولات على المصطلحات الفلسفية المتخصصة. فكلمة الثقافة، مثلا، كانت تدل في أصلها اللاتيني على فلاحة الأرض ورعايتها، ثم انتقلت إلى تهذيب النفس والعقل، قبل أن تصبح اسما لنمط الحياة والقيم والعادات التي تميز جماعة بشرية. وكذلك الهوية، التي كانت في المنطق والفلسفة تدل أساسا على كون الشيء مطابقا لنفسه، ثم اتسع معناها الحديث ليشمل هوية الإنسان الشخصية والاجتماعية، وانتماءه إلى أمة أو دين أو لغة أو جماعة.

أما الأيديولوجيا فقد وضعت في نهاية القرن الثامن عشر لتدل على علم الأفكار، أي الدراسة المنظمة لأصولها وكيفية تكونها. لكنها اكتسبت لاحقا معنى قدحيا في السجالات السياسية، ثم أصبحت عند ماركس والتيار الماركسي مرتبطة بالأفكار التي تحجب علاقات الهيمنة وتخدم مصالح اجتماعية معينة. ثم اتسع استعمالها لتدل على منظومة من الأفكار السياسية أو الاجتماعية، من غير أن يلزم من ذلك دائما الحكم عليها بالزيف.

حين نقرأ نصا قديما بعين معاصرة قد ننسب إلى صاحبه أفكارا لم يعرفها، أو نضعه داخل خلافات لم تكن قد نشأت في زمنه

ولا تتغير هذه الدلالات عشوائيا، بل ترتبط بتحول المشكلات التي تشغل الناس، والمؤسسات التي تنتج المعرفة، والقوى التي تفرض بعض الاستعمالات وتهمش غيرها. وقد يسهم في تثبيت معنى معين فيلسوف أو مترجم أو جامعة أو حزب سياسي أو وسيلة إعلام. وحين يشيع هذا المعنى، ينسى الناس أنه لم يكن الدلالة الوحيدة للكلمة.

ولهذا فإن المترجم يشارك في رسم مستقبل المصطلحات داخل لغته. فإذا ترجم "subject" بـ"الذات"، فإنه يرسخ تقليدا فلسفيا حديثا، أما إذا وردت في نص أرسطي أو مدرسي، فقد يكون الأنسب ترجمتها بالموضوع أو الحامل. ولا يمكن حسم الاختيار بالرجوع إلى المعجم وحده، لأن المعجم يقدم احتمالات، في حين يكشف التاريخ والسياق المعنى المقصود.

إن معرفة تاريخ المصطلحات تحمينا من وهم أن الكلمات كانت تعني دائما ما تعنيه لنا الآن. فحين نقرأ نصا قديما بعين معاصرة قد ننسب إلى صاحبه أفكارا لم يعرفها، أو نضعه داخل خلافات لم تكن قد نشأت في زمنه. ولذلك ينبغي أن نسأل عند قراءة أي مصطلح: متى ظهر؟ وفي أي سياق؟ وما المشكلة التي كان يحاول حلها؟ وكيف تبدلت دلالته بعد ذلك؟

المصطلحات ليست حجارة ثابتة في بناء الفكر، بل طرق تسلكها المعاني عبر العصور. وكلما تتبعنا تاريخ كلمة، اكتشفنا أن تاريخ الفكر محفوظ داخلها، بطبقاته وتحولاته وصراعاته. وربما كانت أفضل طريقة لفهم الأفكار الكبرى أن نبدأ بالسؤال عن الكلمات التي حملتها إلينا.

font change