ارتفاع الحرارة يحول التبريد إلى صناعة تريليونيةhttps://www.majalla.com/node/332757/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9
في ظهيرة صيفية في مدينة عربية، لا يحتاج المرء إلى تقرير اقتصادي لكي يدرك معنى الطلب على التبريد. تكفي دقائق في الخارج، ثم خطوة واحدة إلى بهو مكيف، لفهم أن البرودة لم تعد ترفا في هذه المنطقة من العالم. إنها جزء من شروط الحياة اليومية، مثل الماء والكهرباء.
لكن خلف الهواء البارد الذي يملأ المنزل أو المكتب قصة استثمارية أكبر بكثير من الجهاز المعلق على الحائط. عندما تبدأ ملايين المكيفات العمل في توقيت متقارب، تقفز الأحمال على محطات التوليد وخطوط النقل والمحولات. وما يبدو قرارا فرديا بسيطا، كخفض درجة حرارة غرفة، يتحول عند جمعه على مستوى مدينة أو بلد إلى تحدٍّ بمليارات الدولارات.
ينشغل العالم اليوم بالطاقة التي ستحتاج إليها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وهذا مفهوم، فالخوادم الجديدة كثيفة الاستهلاك، والاستثمارات المعلنة فيها ضخمة، والشركات التي تقودها من الأكبر في العالم. لكن محركا آخر للطلب ينمو بعيدا من الضجيج، وقاعدته الجغرافية والاجتماعية أوسع. إنه التبريد.
تتركز البنية التحتية لمراكز البيانات في عدد محدود من الدول، تتصدرها الولايات المتحدة، إلى جانب الصين وعدد من الاقتصادات الكبرى. أما الحاجة إلى البرودة فتنتشر في كل مدينة حارة، من عائلة تشتري أول مكيف لها في الهند أو إندونيسيا إلى برج في الخليج العربي، ومن مستودع أدوية في أفريقيا إلى شاحنة تنقل الغذاء عبر شبه الجزيرة العربية.
يواجه أكثر من مليار شخص في 77 بلدا خطرا مرتفعا بسبب عدم حصولهم على حلول التبريد الأساسية، وقد يرتفع العدد إلى 1.05 مليار شخص عام 2030
هكذا يتبلور ما يمكن تسميته "اقتصاد التبريد". هو ليس اسما منمقا لصناعة المكيفات، بل منظومة تبدأ من محطات الكهرباء ولا تنتهي عند تصميم المباني والمدن. وبين الطرفين، ثمة طاقة شمسية وبطاريات وتخزين حراري، وشبكات لتبريد المناطق، وسلاسل لحفظ الغذاء والدواء، وأنظمة تحكم ذكية، ومعادن وغازات ومهارات فنية ستزداد الحاجة إليها كلما ارتفعت حرارة العالم.
مليارات ينتظرون المكيف الأول
يعيش نحو 3.5 مليارات شخص في مناطق مرتفعة الحرارة، لكن 15 في المئة منهم فقط يملكون مكيفا، وفق وكالة الطاقة الدولية. هذا الوادي السحيق بين الحاجة والقدرة على الشراء هو الخزان الأكبر للطلب المستقبلي.
لا تفسر الحرارة وحدها انتشار التكييف. الدخل مهم بالقدر نفسه. مع تجاوز الأسرة مستوى معينا من القدرة الشرائية، يتحول المكيف تدريجيا من سلعة كمالية إلى ضرورة، خصوصا في المناطق الشديدة الحرارة. وقد تؤجل الأسرة شراء سيارة أو أثاث جديد، لكن صعوبة النوم والعمل في درجات حرارة مرتفعة تجعل تأجيل شراء المكيف أكثر تكلفة وأقل احتمالا.
هذا التحول جارٍ بالفعل في أنحاء واسعة من آسيا، وسيتكرر مع ارتفاع المداخيل وتسارع التحضر في أفريقيا والشرق الأوسط. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يأتي أكثر من 80 في المئة من الزيادة في استهلاك كهرباء التبريد حتى عام 2050 من الاقتصادات الناشئة والنامية.
وفي جنوب شرق آسيا، يُتوقع أن يزيد مخزون أجهزة التكييف تسعة أضعاف بين عامي 2020 و2040 وفق السياسات الحالية. أما في إندونيسيا، فمن المتوقع أن ترتفع نسبة السكان الذين يمتلكون أجهزة تكييف من 14 في المئة في 2023 إلى 85 في المئة عام 2050. وفي الهند، يُرجح أن تتضاعف ملكية أجهزة التكييف عشرة أضعاف في 2050، وقد تقفز معها ذروة الطلب على الكهرباء في المباني ستة أضعاف.
لا يقتصر الأثر على ثمن الجهاز في المتجر. كل مكيف يدخل منزلا ينشئ طلبا على الكهرباء يمتد سنوات، ويحتاج إلى قدرة توليد وشبكة تتحمل الحمل، وفنيين للصيانة وقطع غيار وغازات تبريد. والجهاز الرخيص عند الشراء قد يصبح الأكثر تكلفة في الأجل البعيد إذا كان مستهلكا نهما للكهرباء.
ومع ذلك، لا تتحول كل حاجة إلى سوق. وبحسب تقرير "آفاق التبريد 2025" (Chilling Prospects 2025) الصادر عن مبادرة "الطاقة المستدامة للجميع"، يواجه أكثر من مليار شخص في 77 بلدا خطراً مرتفعا بسبب عدم حصولهم على حلول التبريد الأساسية، وقد يرتفع العدد إلى 1.05 مليار شخص في عام 2030. وإلى جانب هؤلاء، يواجه 2.83 مليار شخص مخاطر متوسطة من نقص الوصول إلى التبريد. وهذه الفئة قادرة على اقتناء حلول للتبريد، لكنها تواجه خيارات محدودة من الأجهزة المستدامة والميسورة التكلفة، مما يجعل الحصول على تبريد فعال تحديا مستمرا.
هذه الكتلة البشرية الضخمة هي السوق التي تنتظر من يفتح أبوابها، لكن الخطر يتمثل في أن تُغرَق بأجهزة رخيصة كثيرة الاستهلاك، فتدفع الأسر فارق السعر أضعافا في فواتير الكهرباء.
ما وراء المقبس الكهربائي
يستهلك التبريد، من مكيفات ومراوح، حاليا نحو 10 في المئة من كهرباء العالم، ونحو خمس الكهرباء المستخدمة في المباني، وفق وكالة الطاقة الدولية.
غير أن أثره في النظام الكهربائي أكبر مما توحي به هذه الحصة، لأن الاستهلاك لا يتوزع بالتساوي على ساعات السنة، بل يتركز خلال الأيام الأشد حرارة، وذلك في الأغلب في التوقيت نفسه. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن التبريد يمثل نحو 30 في المئة من ذروة الطلب على الكهرباء عالميا. وفي بعض المناطق الحارة، ومنها الشرق الأوسط، قد يتجاوز نصيبه 70 في المئة من ذروة الطلب على الكهرباء في القطاع السكني خلال الأيام الأشد حرارة.
اقبال متزايد على أجهزة التبريد وسط صيف حار تعيشه أوروبا، متجر لأجهزة التكيف في باريس، فرنسا، 28 مايو/أيار 2026
هنا تبدأ الحلقة الأعلى تكلفة في اقتصاد التبريد. لا تستطيع شركة الكهرباء بناء شبكتها على أساس متوسط الاستهلاك السنوي. عليها أن تستعد للساعات التي تبلغ فيها الأحمال أقصى مستوياتها، وإلا تعرضت الشبكة إلى الانقطاع في اللحظة التي يصبح فيها التكييف أكثر ضرورة.
وقد يعني ذلك إنشاء محطة توليد أو خط نقل أو محول كهربائي لا تُستخدَم بكامل قدرتها إلا في عدد محدود من ساعات الصيف. وتدفع المجتمعات تكلفة هذه الاستثمارات طوال العام، على الرغم من أن الحاجة القصوى إليها موسمية.
الجزء الأكبر من الإنفاق يحدث في محطات الكهرباء والشبكات والبطاريات والعدادات الذكية
لذلك يصعب قياس اقتصاد التبريد بعدد الأجهزة المبيعة. يحدث الجزء الأكبر من الإنفاق خلف المقبس، في محطات الكهرباء والشبكات والبطاريات والعدادات الذكية، وفي البرامج التي تشجع المستهلك على تخفيف الاستعمال أو تأجيله في ساعات الذروة، وفي المباني المصممة لكي تحتاج إلى تبريد أقل أصلا.
ويقدّر البنك الدولي أن تبلغ قيمة سوق التبريد في الاقتصادات النامية نحو 300 مليار دولار حاليا، وأن تتجاوز 600 مليار دولار سنويا في 2050. ويشمل ذلك تبريد المنازل والمباني التجارية، والتبريد الصناعي، والمستودعات والنقل المبرد، من دون أن يعكس بالضرورة كل الاستثمارات غير المباشرة في الكهرباء والعقارات والمعادن.
هل هو أوسع من اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
تكشف الأرقام جانبا من الفارق. استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2024، أي قرابة 1.5 في المئة من الاستهلاك العالمي. وارتفع استهلاكها إلى نحو 485 تيراواط/ساعة في 2025، وفق أحدث تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فيما يُتوقع أن يقارب 950 تيراواط/ساعة في عام 2030، أي نحو 3 في المئة من الطلب العالمي على الكهرباء.
إنها زيادة هائلة خلال فترة قصيرة، ويُعد الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيس للنمو السريع في استهلاك مراكز البيانات. ومع ذلك، تقول وكالة الطاقة الدولية إن نمو استهلاك مراكز البيانات سيشكل أقل من 10 في المئة من الزيادة العالمية في الطلب على الكهرباء بين عامي 2024 و2030، فيما ستظل الصناعة، وكهربة القطاعات المختلفة، والسيارات الكهربائية، وتكييف الهواء من أبرز محركات نمو الطلب.
مركز بيانات بقدرة 33 ميغاواط مزوّد بنظام تبريد بدائرة مغلقة، في مدينة فيرنون في ولاية كاليفورنيا، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025
لا يعني ذلك أن القيمة السوقية لشركات التبريد ستتجاوز شركات التكنولوجيا العملاقة، أو أن المستثمرين سيصرفون أنظارهم عن الذكاء الاصطناعي. فالفارق في طبيعة الانتشار، إذ تتركز مكاسب الاقتصاد الرقمي إلى حد بعيد في الرقائق والبرمجيات والمنصات السحابية، بينما تتوزع مكاسب التبريد على شركات الكهرباء والطاقة المتجددة والعقارات والمقاولات والنقل والزراعة والتجزئة والصناعات المعدنية والمصارف الممولة للمشاريع. ويمكن شركة تقنية أن تختار موقع مركز بياناتها وفق توافر الكهرباء والأرض والاتصال. أما التبريد فيجب أن يصل إلى حيث يعيش الناس ويعملون ويحفظون غذاءهم ودواءهم. لذلك يبدو اقتصاده أقل تركزا، وأكثر التصاقا بالحياة اليومية والاقتصاد المادي.
لكن الفصل بين العالمين ليس كاملا. يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى تبريد خوادمه، ويمكنه في المقابل توقع الأحمال، وضبط المكيفات، واكتشاف الأعطال قبل وقوعها، وتحسين تشغيل المباني والمحطات. وفي الوقت نفسه، يتنافس الاقتصادان على الكهرباء والمحولات والنحاس والأرض ورأس المال.
الشمس صديق طبيعي... ولكن
تبدو الطاقة الشمسية شريكا مثاليا للتبريد. يرتفع إنتاجها نهارا، حين تشتد الحرارة وتعمل المكاتب والمصانع ومراكز التسوق. ويمكن استخدام جانب كبير منها مباشرة لتغذية المكيفات والمبردات.
لكن التوافق ليس كاملا. ففي المدن الحارة، يستمر الطلب السكني المرتفع حتى بعد غروب الشمس، حين يعود الناس إلى منازلهم ويتراجع إنتاج الألواح الشمسية. وهنا تظهر الحاجة إلى البطاريات وإدارة الطلب وشبكات أكثر مرونة، وإلى حل أقل شهرة، وهو تخزين البرودة نفسها. يمكن محطة مركزية أن تنتج الماء المبرد أو الثلج عندما تكون الكهرباء الشمسية وفيرة أو التعرفة منخفضة، ثم تستخدم مخزون البرودة في ساعات الذروة. وفي بعض تطبيقات التبريد، قد يكون تخزين البرودة في مادة مبردة أقل تكلفة من تخزين الكهرباء في بطارية ثم استخدامها لاحقا لتشغيل أجهزة التبريد.
قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى ضياع 2.2 في المئة من مجموع ساعات العمل عالميا في عام 2030، بما يعادل ساعات العمل السنوية لنحو 80 مليون عامل بدوام كامل
غير أن أرخص طاقة تبريد تبقى تلك التي لا نحتاج إلى إنتاجها. يقلل العزل والتظليل والزجاج العاكس والأسطح الباردة والتهوية الجيدة، الحرارة التي تدخل المبنى قبل تشغيل المكيف. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن حلول التبريد السلبي تستطيع خفض درجات الحرارة الداخلية بما بين 0.5 و8 درجات مئوية، وأن تسترد تكلفتها خلال سنتين إلى ثماني سنوات في كثير من الحالات. أما الأنظمة الهجينة التي تجمع المراوح والمكيفات، فيمكن أن تخفض استهلاك الطاقة بنحو 30 في المئة. وهكذا يدخل المهندس المعماري ومصنع الزجاج والعزل وشركة البرمجيات التي تدير المبنى إلى سوق لطالما اعتُبِرت حكرا على شركات الأجهزة.
شراء البرودة لا الجهاز
قد يأتي أحد أهم التحولات الاستثمارية من فكرة بسيطة تقوم على ألا يشتري العميل المكيف، بل يشتري البرودة التي يحتاج إليها. وهذا ما يطرحه نموذج "التبريد كخدمة" حيث تتولى شركة متخصصة تمويل المعدات وامتلاكها وتشغيلها وصيانتها، ويدفع العميل وفق كمية التبريد أو مستوى الخدمة. وبدلا من اختيار الجهاز الأرخص عند الشراء، تصبح مصلحة الشركة المشغلة استخدام جهاز أكثر كفاءة وأطول عمرا، لأن ما توفره في تكاليف الكهرباء والصيانة يتحول إلى ربح.
ويخفف نموذج "التبريد كخدمة" التكلفة الرأسمالية الأولية عن صاحب المبنى، إذ يتولى مزود الخدمة الاستثمار في معدات التبريد وتشغيلها مقابل مدفوعات دورية، مما يحول البنية التحتية للتبريد إلى أصل طويل الأجل يمكن تمويله عبر المصارف والمؤسسات المالية ومستثمري البنية التحتية.
مجموعة من الأشخاص يسبحون بمياه بنافورة برج إيفيل وسط موجات حارة من الصيف، في باريس، 22 يونيو/حزيران 2026
ويمثل تبريد المناطق أبرز تطبيق لهذا النموذج. فبدلا من تركيب منظومة مستقلة في كل مبنى، تنتج محطة مركزية الماء المبرد وتوزعه عبر شبكة أنابيب، بما يتيح استخدام معدات أكبر وأكثر كفاءة، وإمكان تخزين البرودة مركزيا.
لكن تبريد المناطق ليس حلا مناسبا لكل مكان. فهو يصبح أكثر جدوى في المناطق ذات الكثافة العمرانية وحمل التبريد المرتفع، ويتطلب استثمارا رأسماليا كبيرا وتخطيطا دقيقا للطلب. كما يحتاج إلى إطار تنظيمي واضح، لأن طبيعة الشبكة قد تحد من المنافسة المباشرة بين الموردين وتمنح المشغل قوة سوقية، مما يجعل تنظيم التعرفة والشفافية ومستويات الخدمة أمورا أساسية لحماية المستهلك.
تقدم أبوظبي ربما أوضح مثل على تحول التبريد من جهاز داخل المبنى إلى أصل من أصول البنية التحتية من شبكة منظمة، واستثمار طويل الأجل، وعقود تمتد لعقود. ففي جزيرة المارية، تعمل "تبريد" بموجب امتياز حصري لمدة 30 عاما لشبكة بقدرة تعاقدية تبلغ 80 ألف طن تبريد، فيما تضع دائرة الطاقة قواعد للأسعار والمنافسة وحماية المستهلك.
البرودة تحفظ الوظائف أيضا
تقاس قيمة التبريد بساعات العمل التي ينقذها أيضا. فوفق تقدير لمنظمة العمل الدولية، قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى ضياع 2.2 في المئة من مجموع ساعات العمل عالميا في عام 2030، بما يعادل ساعات العمل السنوية لنحو 80 مليون عامل بدوام كامل.
تتركز الخسائر في الزراعة والإنشاءات وغيرها من الأعمال الخارجية، لكنها لا تتوقف عند أبواب المصانع والمكاتب والمدارس غير المجهزة. فالحرارة الشديدة تضعف القدرة البدنية والأداء والتركيز، وتزيد مخاطر الإصابات، وقد تفرض تقصير نوبات العمل أو زيادة فترات الراحة. لذلك يصبح التبريد، إلى جانب التظليل والتهوية وتنظيم ساعات العمل، استثمارا في إنتاجية البشر، لا مجرد إنفاق على الراحة.
في القطاع الصحي، فقد يكون انقطاع البرودة عن لقاح أو دواء حساس للحرارة مسألة حياة أو موت
ويمتد الأثر إلى الغذاء والدواء. فمع ارتفاع المداخيل، يزداد استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والأغذية الطازجة، وكلها تحتاج إلى درجات حرارة مضبوطة منذ خروجها من المزرعة حتى وصولها إلى المستهلك. ومن دون سلسلة تبريد موثوق بها، يفسد الغذاء ويخسر المزارع جزءا من إنتاجه، ويصبح نقل السلع إلى الأسواق البعيدة أصعب، وترتفع أسعار البيع بالتجزئة. أما في القطاع الصحي، فقد يكون انقطاع البرودة عن لقاح أو دواء حساس للحرارة مسألة حياة أو موت.
طلب جديد على المعادن
لا توجد معادن خاصة باقتصاد التبريد وحده، لكنه يضيف طلبا جديدا إلى سلاسل توريد تواجه ضغوطا متزايدة أصلا. يدخل النحاس في المكونات الكهربائية وشبكات التوزيع والمبادلات الحرارية، ويُستخدم الألمنيوم في المبادلات والهياكل وبعض خطوط نقل الكهرباء، بينما ترتبط البطاريات المستخدمة لتخزين الكهرباء اللازمة للتبريد بمعادن مثل الليثيوم والغرافيت وغيرها، بحسب كيمياء البطارية.
ويمثل النحاس والألمنيوم معا نحو 20 في المئة من تكلفة الاستثمار في شبكات الكهرباء، وفق وكالة الطاقة الدولية. وبناءً على المشاريع المعلنة والسياسات الحالية، تتوقع الوكالة فجوة في إمدادات النحاس تبلغ نحو 25 في المئة من الطلب في عام 2035، بينما قد تصل الفجوة في الليثيوم إلى نحو 40 في المئة.
خريطة توضح مدى ارتفاع درجة الحرارة في قارة أوروبا، 24 يونيو/حزيران 2026
لن يكون التبريد وحده مسؤولا عن هذه الفجوات، إذ تتنافس السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة ومراكز البيانات على المواد نفسها. لكنه سيضيف إليها طلبا مصدره مدن وطبقات اجتماعية لم تصل بعد إلى ذروة امتلاك المكيفات.
السعودية... فرصة البناء من نقطة الصفر
تبدو المملكة العربية السعودية مرشحة لتكون إحدى أهم ساحات اقتصاد التبريد في الشرق الأوسط. تضمن الحرارة وجود الطلب، ويمنح عدد السكان السوق حجما كبيرا، وتتيح موجة الإنشاءات والمشاريع الحضرية والسياحية اختبار الحلول على نطاق يصعب توفيره في بلدان كثيرة. ويستهلك قطاع المباني نحو 30 في المئة من الطاقة الأولية في المملكة، بحسب المركز السعودي لكفاءة الطاقة. ولأن التكييف يشكل جزءا أساسيا من استهلاك المباني، قد يكون رفع كفاءة المكيفات والعزل وأنظمة الإدارة الرقمية من أسرع السبل للحد من نمو الطلب، وتوفير النفط والغاز المستخدمين في إنتاج الكهرباء لأغراض أخرى.
الميزة الأهم أن جزءا كبيرا من العمران الجديد لم يُبنَ بعد. تضطر المدن المكتملة في الأغلب إلى شق الطرق وترميم الأبنية ومد الأنابيب بعد فوات الأوان. أما المشاريع الجديدة فتستطيع إدخال شبكات التبريد والتخزين الحراري والتظليل والمساحات الخضراء ومعايير العزل في المخطط منذ البداية.
أعلنت شركة الطاقة والمياه في "نيوم" هدفا يتمثل في إنشاء منظومة مركزية لتبريد المناطق تعمل بالطاقة المتجددة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتوقع الطلب وتحسين مرونة الشبكة. وفي الرياض، يخطط مشروع "المربع الجديد" لاستخدام تقنية تبريد على مستوى المنطقة للمساعدة في الحفاظ على درجات حرارة خارجية مريحة طوال العام، مع قدرة مخططة لتبريد المناطق تبلغ نحو 842 ألف طن تبريد. كما يفتح توسع مشاريع التطوير الحضري والسياحي الكبرى في المملكة مجالا لنمو الطلب على شبكات التبريد، وإن اختلفت التقنيات والقدرات بحسب طبيعة كل مشروع.
تستهدف المملكة أن تساهم المصادر المتجددة بنحو 50 في المئة من مزيج إنتاج الكهرباء عام 2030
وتملك السعودية ورقة أخرى هي الطاقة الشمسية. تستهدف المملكة أن تسهم المصادر المتجددة بنحو 50 في المئة من مزيج إنتاج الكهرباء عام 2030، وأعلنت من ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة مشاريع بقدرات كبيرة. ويسمح اقتران الشمس بالتبريد بخفض استهلاك الوقود السائل والغاز خلال الصيف، لكنه يحتاج إلى بطاريات وتخزين حراري وشبكات مرنة لكي تستمر البرودة بعد غروب الشمس.
أما الفرصة الصناعية، فتتجاوز استيراد مزيد من الأجهزة. يستطيع حجم السوق أن يدعم تصنيع المكيفات والمبردات والضواغط والمضخات والمبادلات الحرارية أو تجميعها، إلى جانب مواد العزل والزجاج وأنظمة التحكم. ويمكن الشركات السعودية أن تطور نموذج "التبريد كخدمة"، وتمول أصوله عبر صندوق الاستثمارات العامة والصناديق المتخصصة والمصارف، ثم تنقل خبرتها إلى مدن عربية وأفريقية وآسيوية تواجه الظروف نفسها.
عراقي يقف أمام مروحة للتخفيف من حرارة الطقس، بغداد، 16 يوليو/تموز 2026
ويتصل الأمر كذلك بطموح المملكة أن تصبح مركزا للنقل والتجارة والسياحة. تحتاج هذه المكانة إلى مستودعات وشاحنات وموانئ ومطارات وسلاسل غذاء ودواء مضبوطة الحرارة. وبذلك لا ينحصر الاستثمار في الأحياء الجديدة، بل يمتد كذلك إلى المزارع والمستشفيات والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.
خبرة خليجية يمكن البناء عليها
تُعَد دولة الإمارات العربية المتحدة في طليعة الدول التي بنت خبرة تشغيلية في تبريد المناطق. وتفيد شركة "تبريد" الإماراتية بأنها كانت تدير في نهاية عام 2025 نحو 99 محطة تبريد، بقدرة متصلة بلغت 1.57 مليون طن تبريد. وبحسب تقديراتها، وفرت عملياتها خلال آخر 12 شهرا نحو 2.62 مليار كيلوواط/ساعة من استهلاك الطاقة، وجنبت انبعاث نحو 1.56 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.
وفي دبي، تدير "إمباور" أحد أكبر مشاريع تبريد المناطق في العالم. ويبلغ إجمالي القدرة النهائية لمشروعها في الخليج التجاري 451 ألفا و540 طن تبريد، موزعة على تسع محطات وشبكة أنابيب بطول 52.4 كيلومترا. وكانت أربع محطات قيد التشغيل عند إعلان بيانات المشروع في عام 2024، فيما بلغت القدرة الموصلة آنذاك 241 ألفا و272 طن تبريد.
كذلك توسعت قطر في بناء أنظمة لتبريد مناطق كاملة، تتولى فيها محطة مركزية إنتاج الماء المبرد وتوزيعه عبر شبكة إلى عدد كبير من المباني. ووفق الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، يمكن أن تستهلك أنظمة تبريد المناطق في قطر ما يصل إلى 40 في المئة أقل من الطاقة مقارنة بأنظمة التبريد التقليدية. وهنا يظهر إمكان لتكامل خليجي يشمل سوقا سعودية ضخمة قيد البناء، وخبرة إماراتية في التمويل والتشغيل، وتجربة قطرية في تطبيق التبريد المركزي في مشاريع التطوير الكبيرة. وإذا نضج هذا التكامل، قد لا تصدّر المنطقة المعدات وحدها، بل تصدّر أيضا التصميم والتمويل والإدارة والعقود التنظيمية.
حين تُوفَّر الكهرباء وتُستهلَك المياه
ثمة جانب أقل بريقا لا يجوز إغفاله. ليس الحل الأكثر كفاءة كهربائيا دائماً الأفضل بيئيا. تستهلك بعض تقنيات التبريد المركزي كميات كبيرة من الماء، وهذه ليست مسألة هامشية في منطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على تحلية مياه البحر. لذلك ينبغي احتساب الطاقة المستخدمة في التحلية، والتوسع في استعمال مياه الصرف المعالجة، والموازنة بين أنظمة التبريد المائية والهوائية والهجينة. إن خفض فاتورة الكهرباء على حساب رفع استهلاك الماء لا يحل المشكلة، بل ينقلها من مرفق إلى آخر.
والواقع أن تبريد المدن يبدأ قبل بناء جدران مبانيها. فالتظليل والأشجار والأسطح العاكسة وتخطيط الشوارع والمواد المستخدمة في الأرصفة والواجهات يمكن أن تخفف ظاهرة "الجزيرة الحرارية"، أي ارتفاع حرارة المناطق الحضرية مقارنة بالمناطق المحيطة بها. وكلما عولجت الحرارة على مستوى المدينة منذ مرحلة التخطيط، أمكن خفض أحمال التبريد وتقليل الاعتماد على أنظمة التكييف داخل كل مبنى.
ثمة مفارقة أخرى وهي كلما كثرت المكيفات، ازدادت الحرارة التي تطردها إلى الشوارع، فترتفع حرارة المحيط وتزداد الحاجة إلى التبريد. لهذا لا يمكن بناء اقتصاد مستدام للبرودة من خلال الأجهزة وحدها. المطلوب أن تُصمَّم المدينة نفسها على أساس أن الحرارة خطر صحي واقتصادي، لا مجرد إزعاج موسمي
ثمة مفارقة أخرى: كلما كثرت المكيفات، ازدادت الحرارة التي تطردها إلى الشوارع، فترتفع حرارة المحيط وتزداد الحاجة إلى التبريد. لهذا لا يمكن بناء اقتصاد مستدام للبرودة من خلال الأجهزة وحدها. المطلوب أن تُصمَّم المدينة نفسها على أساس أن الحرارة خطر صحي واقتصادي، لا مجرد إزعاج موسمي.
ما يخرج من الجهاز لا يقل أهمية عما يدخل إليه
إذا جاءت الكهرباء من الوقود الأحفوري، يؤدي تشغيل المكيفات إلى زيادة الانبعاثات، فتزداد حرارة المناخ والحاجة إلى مزيد من التبريد. لكن الكهرباء ليست المصدر الوحيد للمشكلة. قد تكون غازات التبريد المتسربة من الأجهزة أشد كثيرا من ثاني أكسيد الكربون في قدرتها على حبس الحرارة.
ويتوقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تتجاوز القدرة العالمية على التبريد ثلاثة أضعاف في عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، وأن تقترب الانبعاثات المرتبطة بالتبريد من الضعف مقارنة بمستويات عام 2022، لتصل إلى نحو 7.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. في المقابل، يفتح التخلص التدريجي من مركبات الهيدروفلوروكربون بموجب "تعديل كيغالي"، وهو اتفاق أُقرّ عام 2016، أسواقا جديدة في قطاع التبريد، تشمل بدائل غازية أقل أثرا في المناخ، ومعدات معاد تصميمها، وتقنيات لكشف التسرب، ومرافق لاستعادة مواد التبريد وإعادة تدويرها، وبرامج لتدريب الفنيين واعتمادهم.
عمّال يسبحون في مياه نهر تشيوروجارلا بالقرب من بوخارست في رومانيا للتخفيف من وطأة حرارة الصيف، 18 أغسطس/آب 2026
قد يكون الجهاز ممتازا على بطاقة كفاءة الطاقة، ثم يفقد جانبا من فائدته المناخية بسبب تسرب غاز شديد الاحترار أو سوء التخلص منه عند انتهاء عمره. وهنا تصبح الصيانة، التي تبدو عملا صغيرا في نهاية السلسلة، جزءا أساسيا من نجاح الاقتصاد كله.
السباق إلى البرودة الأرخص
يقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مسار التبريد المستدام يمكن أن يوفر نحو 17 تريليون دولار من تكلفة الطاقة تراكميا حتى عام 2050، وأن يجنب العالم استثمارات تصل إلى 26 تريليون دولار في شبكات الكهرباء.
ليست هذه المبالغ إيرادات مضمونة تنتظر الشركات، بل تكلفة يمكن الاقتصاد العالمي تفاديها إذا أصبحت المباني والأجهزة والشبكات أكثر كفاءة. لكنها تكشف حجم الرهان، إذ ستُنفَق الأموال في الحالتين، إما على مزيد من المحطات والأسلاك والوقود، وإما على العزل والتخزين والإدارة الذكية والتبريد المركزي. لهذا قد تكون البرودة أحد أكبر ميادين الاستثمار في العقد المقبل.