كيف صنع المصريون القدماء ألوان الخلود؟

من جلد الأبقار إلى السمسم والمورينجا...

AFP
AFP
منظر من داخل مقبرة النبيل المصري القديم "خوي" التي اكتشفت حديثا ويعود تاريخها إلى الأسرة الخامسة (2494-2345 قبل الميلاد)، في جبانة سقارة

كيف صنع المصريون القدماء ألوان الخلود؟

حين يقف زائر أمام تابوت مصري قديم لا تزال ألوانه واضحة بعد ثلاثة آلاف عام، ينشغل عادة بما يراه، سواء صورة لوجه المتوفى، أو الآلهة، أو النقوش، أو حتى درجات الأحمر والأخضر والأزرق، والرموز المرتبطة بالموت والبعث والحياة الأخرى. لكن وراء كل هذه الصور توجد مشكلة تقنية بسيطة كان على الفنان المصري القديم حلها قبل أن يبدأ، فكيف يجعل اللون يلتصق بالخشب أو الحجر أو الجص؟

فمسحوق الصبغة وحده لا يكفي، ولذلك كان لا بد من إضافة مادة عضوية تعمل كرابط يمسك حبيبات اللون ويثبتها على السطح. وبعد آلاف السنين اختفت هذه المواد تقريبا عن العين، لكن بعض جزيئاتها بقيت مختبئة داخل طبقات الطلاء.

هذه البقايا المجهرية هي ما بحث عنه فريق دولي من العلماء في دراسة حديثة منشورة في دورية "ساينس أدفانسس"وقادتها الباحثة كلارا غرانزوتو استخدمت خلالها تقنية تعرف باسم "البروتيوميات القديمة" أي دراسة البروتينات التي بقيت محفوظة في المواد الأثرية. وكانت النتيجة أشبه بفتح صندوق غير مرئي من مكونات ورشة الفنان المصري القديم بعد اكتشاف غراء مصنوع من الأبقار والأغنام أو الماعز والخيول والحمير وبعض الظباء، وبروتينات من البيض، وآثار لمنتجات من القمح والحبوب، ثم المفاجأة الكبرى، وهي العثور على بروتينات من بذور السمسم والمورينجا داخل بعض طبقات الألوان.

مادة الغراء

للوصول إلى هذه النتائج، لم يدرس الباحثون قطعة واحدة أو فترة زمنية قصيرة. فقد حللوا 28 عينة صغيرة للغاية مأخوذة من 14 قطعة مصرية قديمة يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة من نحو 1425 قبل الميلاد حتى 400 ميلادية. شملت المجموعة توابيت خشبية، وأجزاء من رسوم جدارية من مقبرتي نب آمون وسوبك حتب، وقطعا من الكارتوناج والجص الملون، وعناصر معمارية مطلية. وجاءت القطع من مجموعات المتحف البريطاني في لندن، ومتحف البحر المتوسط في ستوكهولم، ومتحف ني كارلسبرج غليبتوتيك في كوبنهاغن.

لم يكن الباحثون يبحثون فقط عن الصبغات التي منحت الأعمال ألوانها، بل عن المادة التي أمسكت بهذه الصبغات في مكانها أو استخدمت للصق أجزاء القطعة بعضها ببعض. وهذه المواد أصعب كثيرا في دراستها من المعادن، لأنها عضوية وتتحلل بمرور الزمن، كما أن القطع الأثرية مرت بتاريخ طويل من الدفن والتنقيب والنقل والترميم، وهو ما يعني أن أي بروتين يعثر عليه العلماء يمكن نظريا أن يكون أصليا أو أن يكون قد أضيف خلال عملية حفظ حديثة.

ظهرت بروتينات البيض في إحدى عينات رسوم مقبرة نب آمون التي تعود إلى نحو منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ووجد الباحثون بروتينات من بياض البيض ومن صفاره، مما يفتح احتمال استخدام البيضة كاملة مادة رابطة للطلاء

لهذا استخدم الفريق مجموعة من التقنيات، أهمها مطيافية الكتلة. الفكرة، في صورة مبسطة، أن البروتينات تتكون من سلاسل من الأحماض الأمينية، وعندما تتكسر تنتج منها أجزاء أصغر تسمى الببتيدات. وتختلف بعض هذه الببتيدات من كائن إلى آخر، بحيث يمكن التعامل معها كما لو كانت "توقيعا جزيئيا"، وإذا عثر العلماء على مجموعة مناسبة منها، يستطيعون في بعض الحالات تحديد ما إذا كان البروتين جاء من بقرة أو حمار، أو من بيضة دجاج، أو من بذرة سمسم.

ومن أول الأشياء التي أكدتها الدراسة أن الغراء الحيواني كان مادة مهمة في صناعة الأعمال الملونة. فالإنسان يستطيع الحصول على الغراء من الأنسجة الغنية بالكولاجين، مثل الجلد والعظام والأنسجة الضامة، من طريق عمليات معالجة واستخلاص تجعل المادة قابلة للاستخدام بوصفها لاصقا أو رابطا. ووجد العلماء كولاجين الأبقار في عدد من العينات، لكنهم عثروا أيضا على إشارات إلى الأغنام والماعز والخيول والحمير وحتى بعض الظباء.

AFP
صورة عامة تظهر لوحات جدارية نادرة ومحفوظة جيدا داخل مقبرة كاهنة من عصر الدولة القديمة في هضبة الجيزة

وفي إحدى طبقات اللون الأخضر على تابوت، ظهرت بروتينات من أكثر من مجموعة حيوانية في العينة نفسها. وهذا يعني أن الغراء لم يكن في الضرورة مادة موحدة تصنع في كل مرة بالطريقة والمكونات ذاتها. وربما كان الحرفيون يحصلون عليه من الأجزاء الحيوانية المتوافرة في وقت معين، أو ربما كانت صناعة الغراء نفسها تعتمد على خليط من بقايا الحيوانات التي تدخل في أنشطة اقتصادية أخرى.

وتمكن الباحثون في بعض الحالات من الذهاب أبعد من معرفة الحيوان إلى استنتاج معلومات عن الأنسجة المستخدمة. فعثروا على نوع من الكولاجين يوجد بكثرة في الجلد والأنسجة الضامة، مما يشير إلى أن بعض الغراء ربما صنع من الجلد وليس من العظام وحدها. وفي هذه النقطة يبدأ الاكتشاف في الخروج من حدود الكيمياء البحتة إلى صورة أوسع للحياة الاقتصادية: جزء من الحيوان لم يعد مطلوبا لوظيفته الأولى يمكن أن يتحول إلى مادة تدخل في صناعة تابوت أو لوحة جنائزية.

مفاجأة من عالم النباتات

كذلك ظهرت بروتينات البيض في إحدى عينات رسوم مقبرة نب آمون التي تعود إلى نحو منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ووجد الباحثون بروتينات من بياض البيض ومن صفاره، مما يفتح احتمال استخدام البيضة كاملة مادة رابطة للطلاء. لكنهم لم يتعاملوا مع النتيجة بوصفها حقيقة نهائية، لأن التلوث يظل ممكنا في دراسة مواد مرت عليها آلاف السنين. وهذه نقطة مهمة لفهم الدراسة كلها: وجود مادة ما يمكن أن يكون مثبتا بدرجات متفاوتة من الثقة، لكن تحديد وظيفتها وسبب استخدامها مسألة أخرى تحتاج إلى أدلة إضافية.

أما المفاجأة الرئيسة فجاءت من عالم النباتات، فقد وجد العلماء في بعض العينات بروتينات خاصة ببذور السمسم والمورينجا. وعثر على السمسم في طبقة خضراء من أحد أجزاء رسوم نب آمون، وكذلك في طبقة حمراء من جزء تابوت يعود إلى العصر اليوناني الروماني. وفي العينة الأخيرة ظهرت أيضا بروتينات مميزة لبذور المورينجا، وتمثل النتائج أول تأكيد قائم على الأدلة الجزيئية لوجود واستخدام مواد مشتقة من هذين النباتين في مثل هذه الأعمال المصرية القديمة.

الاكتشافات تجعل من الضروري إعادة التفكير في كيفية استغلال المصريين القدماء للمنتجات النباتية، إذ ربما لم يكن الأمر مقتصرا على استخلاص الزيت نفسه، وإنما امتد إلى إعادة استخدام مخلفات عملية التصنيع في تطبيقات أخرى

كلارا غرانزوتو المؤلفة الرئيسة للدراسة

وهنا يجب التفريق بين ما اكتشفه العلماء وما يمكن تخيله بسهولة من الاكتشاف. فالعثور على بروتينات السمسم لا يعني أن المصري القديم كان يسكب زيت السمسم على الألوان، كما أن وجود المورينجا لا يعني أن زيت المورينجا كان دهانا. البروتينات توجد أساسا في الجزء الصلب من البذرة، بينما الزيت يحتوي على كميات محدودة للغاية منها. كما أن خصائص هذين الزيتين لا تجعلهما بالضرورة أفضل المواد الرابطة للطلاء.

وتقول غرانزوتو في تصريحات خاصة لـ"المجلة" إن الاكتشافات "تجعل من الضروري إعادة التفكير في كيفية استغلال المصريين القدماء للمنتجات النباتية، إذ ربما لم يكن الأمر مقتصرا على استخلاص الزيت نفسه، وإنما امتد إلى إعادة استخدام مخلفات عملية التصنيع في تطبيقات أخرى".

لذلك اقترح الباحثون سيناريوا مختلفا. عندما تعالج البذور لاستخراج الزيت يبقى جزء صلب غني بالبروتين يعرف بكسب البذور. وربما وجد هذا المنتج الثانوي طريقه إلى صناعة الألوان أو المواد اللاصقة. التحليلات لا تثبت أن هذا ما حدث بالفعل، لكنها أظهرت مزيجا من مادة غنية بالبروتين مع آثار دهنية يتوافق مع هذا الاحتمال. ومن هنا تبدأ القصة في اكتساب معنى أكبر من مجرد معرفة مكونات الدهان.

فإذا كان منتج متبق من معالجة السمسم أو المورينجا قد استخدم بالفعل في ورشة أحد الحرفيين، فإن الحدود التي نضعها اليوم بين "المطبخ" و"المزرعة" و"المصنع" و"ورشة الفنان" تصبح أقل وضوحا. فالبذرة يمكن أن تبدأ حياتها محصولا زراعيا، ثم يستخرج منها الزيت، ثم تتحول بقاياها إلى مادة أخرى تدخل في صناعة لون يوضع على تابوت، ليبقى هذا اللون آلاف السنين.

وتقول غرانزوتو إن هذه هي المفارقة الأساس التي تكشفها الدراسة. فأكثر الأشياء التي نربطها اليوم بفكرة الخلود المصري قد تكون صنعت جزئيا من أكثر المواد يومية وفناء كجلد حيوان، أو البيض، أو الدقيق، أو حتى بقايا بذور، والصورة التي تصور الآلهة والعالم الآخر كانت تحتاج في النهاية إلى كيمياء شديدة الأرضية لكي تعيش. كما أن المقدس لم يكن منفصلا ماديا عن الحياة اليومية، بل بني من مواد جاءت من العالم نفسه الذي يأكل فيه الإنسان ويزرع ويربي الحيوانات ويصنع الزيت.

واكتشف الباحثون أيضا بروتينات مرتبطة بالقمح والحبوب في بعض طبقات الألوان. وفي إحدى العينات كانت كمية البروتينات وتنوعها كافيين لكي يناقش الفريق احتمال استخدام منتج من الدقيق بصورة متعمدة، لا مجرد وصول حبة قمح عشوائية إلى القطعة. وهذا ليس أمرا مستبعدا تقنيا. فالماء والدقيق يمكن أن ينتجا عجينة ذات خصائص لاصقة، وظلت مواد شبيهة تستخدم في حرف مختلفة في فترات تاريخية متعددة.

رواية رسمية

وهنا تقدم الكيمياء نوعا مختلفا من التاريخ، فالكتب والنقوش القديمة تخبرنا بما اختار أصحابها أن يسجلوه، وغالبا ما تتحدث عن الملوك والآلهة والحروب والطقوس. لكن بروتينا عالقا داخل بقعة لون لا يحمل رواية رسمية، إذ لم يقصد الفنان أن يخبر إنسانا بعد ثلاثة آلاف عام بأنه استخدم جزءا من بقرة أو منتجا من السمسم. ومع ذلك أصبحت المادة التي لم يقصد لها أن تكون رسالة واحدة من أكثر الشهادات مباشرة على ما حدث داخل ورشته.

AFP
كشف عالم آثار من المعهد الوطني للبحوث الأثرية الوقائية عن جدارية تظهر زخارف نباتية غنية بصبغة زرقاء مصرية نادرة، في موقع تنقيب بمدينة ريمس، شمال فرنسا

وهذه مفارقة معرفية مهمة في علم الآثار الحديث، فبعض أقوى المعلومات عن الماضي تأتي من أشياء لم يصنعها القدماء لكي نتذكرها. فالتمثال رسالة مقصودة، والنقش رسالة مقصودة، أما جزيء الكولاجين أو بروتين تخزين البذور فليس رسالة بالمعنى التقليدي. إنه أثر جانبي لنشاط إنساني. لكن أدوات العلم الحديثة تستطيع تحويل الأثر الجانبي إلى وثيقة.

في هذا المعنى، لا تكتفي البروتيوميات القديمة بإخبارنا "مم يتكون الشيء" وإنما تضيف طبقة جديدة إلى السؤال التاريخي، من أين جاءت مواده؟ وما الصناعات الأخرى التي ارتبط بها؟ وربما كيف تحركت الموارد داخل المجتمع؟ فإذا كان جلد الحيوان يتحول إلى غراء، وبقايا البذور قد تتحول إلى مادة فنية، والدقيق يستطيع دخول صناعة الطلاء، فإن ورشة الحرفي تصبح جزءا من شبكة أوسع من الزراعة وتربية الحيوانات والغذاء والتجارة وإعادة استخدام المواد.

لا تقدم الدراسة في النهاية "وصفة سرية" موحدة لألوان المصريين القدماء، بل تكشف تنوعا في المواد المستخدمة من غراء من حيوانات مختلفة، وأحيانا خليطا من أكثر من حيوان، وبيض، ومنتجات دقيق، ومشتقات محتملة من معالجة البذور

من هنا يكتسب مفهوم "المخلفات" نفسه معنى مختلفا، فما نعتبره منتجا ثانويا عديم القيمة في عملية ما، قد يكون مادة خام ثمينة في عملية أخرى. وربما كان جزء من اقتصاد المواد في العالم القديم قائما على هذا النوع من التحولات، ليس بالضرورة بدافع مفهوم بيئي يشبه "إعادة التدوير" الحديث، ولكن ببساطة لأن المواد كانت ذات قيمة وكان من المنطقي الاستفادة منها أكثر من مرة.

وتصبح المورينجا أكثر تعقيدا عندما تدخل الرمزية الدينية إلى المشهد، فالدراسة تشير إلى وجود علاقة في المصادر المصرية القديمة بين شجرة المورينجا والإله بتاح، الذي ارتبط بالحرف والصناع. لكن الدراسة لا تثبت أن حرفيا مصريا وضع المورينجا في الطلاء لأنه أراد استحضار بتاح، ولا أن استخدامها كان شعيرة دينية. لكنها تفتح الباب أمام قضية أكبر في دراسة المجتمعات القديمة، فهل كانت المادة عند الإنسان القديم مجرد شيء له خصائص فيزيائية، أم أن هويتها وأصلها ورمزيتها يمكن أن تكون جزءا من وظيفتها؟

وقد أكدت النتائج أيضا المكانة المهمة للغراء الحيواني، إذ ظهرت بروتينات الكولاجين المرتبطة بالأبقار في عدد كبير من العينات المحتوية على مواد حيوانية، كما ظهرت أيضا إشارات إلى الأغنام أو الماعز والخيول والحمير وبعض الظباء. وفي طبقة خضراء على تابوت خشبي، على سبيل المثل، وجد الباحثون كولاجينا من الأبقار إلى جانب بروتينات يمكن ربطها بالأغنام أو الماعز وبالخيليات، مع ببتيدات مميزة للحمار والحصان. ويشير ذلك إلى أن الغراء المصري القديم لم يكن في الضرورة منتجا موحدا، وربما اختلف تركيبه بحسب المواد الحيوانية المتاحة وطريقة جمعها ومعالجتها.

وكان التعرف الى كولاجين الحمير والخيول مثيرا بدوره، على حد ما تقول غرانزوتو، فالحمير كانت من الحيوانات المهمة في الزراعة والنقل، ومن الممكن افتراض استهلاك لحومها في بعض السياقات، بينما كانت الخيول ذات قيمة اجتماعية ومكانة أعلى، ولا يعرف الباحثون أدلة حيوانية أثرية واضحة تشير إلى ذبح الخيول بصورة منتظمة من أجل اللحم. ومن ثم يطرح الباحثون احتمال أن تكون أجزاء من خيول ماتت بصورة طبيعية قد أعيد استخدامها لإنتاج الغراء، لكن إثبات هذه الفرضية سيحتاج إلى عينات وبيانات إضافية.

كما كشف التحليل عن كولاجين مصدره الظباء، وهو ما قد يعكس استخدام الحيوانات البرية التي كانت تصاد لتوفير اللحم أو منتجات حيوانية أخرى، ثم الاستفادة من الأجزاء المتبقية في تصنيع الغراء. وتقدم مثل هذه النتائج صورة عن اقتصاد لم تكن المواد فيه تهدر بالضرورة بعد الاستخدام الأساس للحيوان، بل ربما كانت أجزاء مختلفة منه تنتقل إلى حلقات إنتاج أخرى تشمل الصناعات والحرف الفنية.

المفارقة الأخيرة

ولا تقدم الدراسة في النهاية "وصفة سرية" موحدة لألوان المصريين القدماء، بل تكشف تنوعا في المواد المستخدمة من غراء من حيوانات مختلفة، وأحيانا خليطا من أكثر من حيوان، وبيض، ومنتجات دقيق، ومشتقات محتملة من معالجة البذور.

ولم يظهر نمط بسيط يربط مادة بعينها بلون محدد أو نوع قطعة أو حقبة زمنية. ومع ذلك، تظل العينة محدودة، فلا يمكن تعميم النتائج على جميع ورش مصر القديمة، كما أن العثور على مادة داخل طبقة اللون لا يحدد وظيفتها بدقة دائما، فقد تكون رابطا أساسيا أو مادة مضافة أو بقايا من طبقة أخرى.

ربما تكون المفارقة الأخيرة في أن الحضارة التي جعلت الخلود واحدا من أكثر أفكارها حضورا تركت بعض أسرارها داخل مواد شديدة القابلية للفناء

توضح الدراسة أن بقايا البروتينات يمكن أن تتحول إلى مصدر تاريخي يكمل النصوص والأدلة الأثرية التقليدية. فالكولاجين يمكن أن يكشف الحيوان الذي وفر مادة الغراء، وبروتينات الحبوب قد تشير إلى دخول منتجات غذائية في الصناعات الحرفية، بينما تفتح بروتينات السمسم والمورينجا أسئلة عن استخدام منتجات معالجة البذور وربما عن علاقتها بالرمزية الدينية.

كما تحمل النتائج أهمية للترميم، لأن معرفة المادة الأصلية تساعد في اختيار طرق التنظيف والحفظ المناسبة. وتبقى الخطوة التالية هي توسيع قاعدة العينات ومقارنة العصور والورش والمناطق، لمعرفة ما إذا كانت هذه المواد تمثل ممارسات متكررة أم حلولا محلية ظهرت في ظروف محددة. كما يمكن أن تساعد المقارنات المستقبلية بين نتائج الدراسة وبيانات الأصباغ والأسطح ومواقع العثور على القطع في اختبار ما إذا كانت بعض المواد مرتبطة بوظائف تقنية محددة، أو بمراكز إنتاج بعينها، أو بفترات شهدت تغيرا في توافر الموارد ومسارات التجارة.

AFP
لوحة منقوشة لعربة مصرية تحمل نقوشا هيروغليفية، في مقبرة ميري رع، الكاهن الأكبر في مصر القديمة، في موقع تل العمارنة الأثري الذي يضم أطلال الملك المصري أخناتون

وتقول غرانزوتو إن البحث الذي بدأ بسؤال تقني عن المواد التي جعلت الصبغة تلتصق بالخشب أو الجدار قاد إلى مجموعة من النتائج أعادت توصيل التابوت بالحقل، والمقبرة بالحيوان، واللون بمعصرة الزيت، والفن بالاقتصاد، والكيمياء بالدين، وتحول أثر بروتيني مجهري إلى نافذة على شبكة الحياة التي كانت تقف خلف الأشياء التي نسميها اليوم "الفن المصري القديم".

وربما تكون المفارقة الأخيرة في أن الحضارة التي جعلت الخلود واحدا من أكثر أفكارها حضورا تركت بعض أسرارها داخل مواد شديدة القابلية للفناء، فالبذرة أصبحت زيتا أو مادة أخرى، والجلد أصبح غراء، والغراء أصبح جزءا من لون، واللون أصبح جزءا من تابوت، والتابوت أصبح قطعة أثرية، والبروتين الموجود داخله أصبح بعد آلاف السنين معلومة علمية.

وتقول غرانزوتو إن الرحلة الطويلة للمادة تغير السؤال من "كيف صنع المصري القديم هذا اللون؟" إلى سؤال أوسع بكثير: فكم قصة أخرى عن حياة البشر القدماء لا تزال موجودة أمام أعيننا، لا لأنها لم تصل إلينا، بل لأننا لم نتعلم بعد كيف نقرأها؟

font change